رئيس الوزراء يهنئ البابا تواضروس الثاني بعيد الميلاد المجيد    وزير العمل يستقبل وفد الكنيسة الكاثوليكية تزامنًا مع أعياد الميلاد المجيد    «الغرف التجارية»: مخزون السلع آمن.. وتراجع أسعار معظم السلع بنسبة 20%    الريال القطري يسجل 13 جنيها في البنك المركزي صباح اليوم الثلاثاء    شركة بي إم دبليو تسجل مبيعات قياسية في أمريكا و«أودي» تتراجع    أسعار الذهب في مصر اليوم الثلاثاء 6 يناير 2026    أسعار النفط تهبط مع ترقب عودة الخام الفنزويلي للأسواق العالمية    سعر الدولار في البنوك المصرية اليوم الثلاثاء 6 يناير 2026    تعطيل العمل في البريد المصري غدا الأربعاء 7 يناير| تفاصيل    ماذا ينتظر أمريكا وفنزويلا بعد اعتقال نيكولاس مادورو وتعيين نائبته رئيسة مؤقتة للبلاد؟    زعيم الأقلية في النواب الأمريكي: مستقبل فنزويلا يقرره شعبها    عاجل| "نتنياهو": سنمنح حركة حماس مهلة زمنية لنزع سلاحها    بعد التأهل لربع نهائي كأس الأمم الأفريقية.. منتخب مصر في ورطة.. انتهاء مشوار محمد حمدي في الكان.. شكوك حول مشاركة تريزيجيه.. تصريحات صلاح تثير الجدل.. وهذه رسالة الرئيس السيسي للاعبين    كانسيلو «هدية الملوك»: اتفاق ثلاثي بين برشلونة والهلال واللاعب    وزير الرياضة وأبو ريدة يجتمعان بمنتخب مصر    حيثيات السجن 3 سنوات للسائح الكويتي المتهم في حادث كوبري أكتوبر    عاجل- الطقس اليوم شديد البرودة مع صقيع وشبورة كثيفة.. والصغرى بالقاهرة 11 درجة    الموت يفجع المخرج خالد دياب، وهذا موعد ومكان تشييع الجنازة    الهندسة المدنية تشعل سباق نقيب المهندسين بالإسماعيلية    اغتيال أحمد الشرع يتصدر السوشيال ميديا.. ايه القصة؟    شاب يُنهي حياة والده ويصيب والدته بطعنات في نجع حمادي    تجديد حبس عصابة الدجل والشعوذة الأجنبية في القاهرة    بعد قليل، أولى جلسات محاكمة البلوجر نورهان حفظي    الرئيس اللبناني: مواصلة الاعتداءات الإسرائيلية هدفه إفشال مساعي وقف التصعيد    مشكلة في الجودة، "نستله" تسحب كميات من حليب الأطفال من 5 دول    نتائج أولية: فوز رئيس جمهورية إفريقيا الوسطى تواديرا بولاية ثالثة    80 عاما من الحكمة، شيخ الأزهر يحتفل بعيد ميلاده وحملة من المشيخة لتوثيق أبرز اللحظات    برلماني فنزويلي سابق: النظام الدولي دخل مرحلة شديدة الخطورة بعد اختطاف مادورو    دار الأمان ببنها.. رحلة العلاج تتحول إلى مأساة للشباب    وفاة شاب وإصابة اثنين آخرين بسبب سائق نقل يسير عكس الاتجاه في بهتيم    نائب وزير المالية: إعفاء السكن الخاص بالكامل من الضريبة لا يتوافق مع الدستور    لماذا يحتفل الأرمن بعيد الميلاد المجيد في 6 يناير؟    45 دقيقة متوسط تأخيرات القطارات على خط «طنطا - دمياط».. الثلاثاء 6 يناير    عبدالملك: تاريخ الزمالك يجعله قادرا على تخطي الأزمات    أمم إفريقيا – حسام حسن: هدف صلاح في بنين تتويجا لمجهوده    أمم إفريقيا، لوكمان أفضل لاعب في مباراة نيجيريا وموزمبيق    ترامب: فنزويلا لن تجري انتخابات جديدة في الثلاثين يوما المقبلة    تفاصيل جلسة الصلح بين طرفي واقعة خطف طفل كفر الشيخ.. صور    زعيم الديمقراطيين في مجلس النواب الأمريكي: ندعم إجراء انتخابات نزيهة بفنزويلا    سهير المرشدي: أحمد العوضي لازم ياخد باله من كلامه لأن الفنان قدوة    ماجدة زكي وأحمد عيد وهنادي مهنا وركين سعد ضمن نجوم "المتحدة" في رمضان    رسالة الميلاد 2026.. هدايا السماء للبشرية بين الفرح والستر والمحبة    مصطفى شوبير: كلنا واحد في المنتخب.. وهذا سر حديثي لمروان    طريقة عمل طاجن اللحمة بالقراصيا، لذيذ ومشرف في العزومات    وزير الرياضة وأبو ريدة يجتمعان بمنتخب مصر    خبير اقتصادي يضع خارطة طريق لخفض المديونية الحكومية وتعزيز الاقتصاد الإنتاجي    دار ليان تشارك بكتاب «نُقص أحسن القصص» ليُمنى عاطف في معرض القاهرة الدولي للكتاب 2026    محافظ الجيزة يزور مقر الكنيسة الإنجيلية بالجيزة للتهنئة بعيد الميلاد المجيد    محمد علي خير يتساءل: ماذا ينتظر المصريون في 2026؟ ومصير خطة الحكومة لخفض الديون    هل يوجد وقت مثالي لتناول فيتامين «ب 12»؟.. خبراء يُجيبون    تعرف على مخاطر ارتفاع الكوليسترول على القلب والدماغ    الصحة توضح الموقف الوبائي للأمراض التنفسية وتؤكد المتابعة المستمرة والاكتشاف المبكر    ذكرى وفاة مها أبو عوف.. أزمات ومحن خبأتها خلف ابتسامتها الشهيرة ترويها شقيقتها    ننشر مواقيت الصلاه اليوم الإثنين 5يناير 2026 فى المنيا    كيف يقضي المسافر الصلاة الفائتة بعد عودته؟.. الأزهر يجيب    الأزهر للفتوى: الغبن والتدليس في البيع والشراء مكسب زائف وبركة تُنزَع    جبل حراء.. شاهدُ البدايات ومَعلمٌ خالد في ذاكرة مكة المكرمة    كيفية أتوب من ذنب كبير؟ أمين الفتوى يجيب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



عندما تصبح سلطة الإخوان
قضية وجود!
نشر في الأسبوع أونلاين يوم 11 - 03 - 2013

لم تعد القضية الفلسطينية في منظور جماعة الإخوان، قضية وجود لا قضية حدود، فقد تم استبدالها بالسلطة حيث يتأكد يوما بعد يوم، من خلال تصرفات أهل الحكم، أن السلطة في ذاتها غدت قضية وجود لا قضية حدود، أيا كانت محاولات ودعوات إعادة رسم الخطوط والحدود بين الجماعة والقوي الوطنية، ولعلي لم أجاف الصواب عندما تساءلت هنا قبل بضعة أسابيع : لماذا تتصرف جماعة الإخوان كأنها قوة احتلال؟، فالشاهد أنها لا تزال لا تري في مرايا الواقع الوطني إلا نفسها، حكما واستحواذا وسطوة، مهما تكن طبيعة المتغيرات العاصفة من حولها، ومهما تكن طبيعة ودرجة الرفض الشعبي، ومهما نمت وتكاثرت المخاطر التي تهدد الكيان الوطني حد الاحتراب والتفكك.
والحقيقة أن محاولة تفسير ذلك، بأننا نواجه حكما ذا جلد سميك، لا تخرج عن محاولة إيقاف النظر عند حدود السطح الخارجي لنظام حكم الجماعة، لتصبح المشكلة معلقة بالجلد فقط، الذي يتمتع بخاصية خاصة هي خلوه من خلايا استشعار تعمل علي نقل المتغيرات في البيئة الخارجية إلي العقل عبر جهازه العصبي المركزي، ليقوم الجسد تلقائيا بالتكيف مع هذه المتغيرات، كما هو الحال في أغلب الكائنات الحية ، ذلك أنه إذا اقتصر الأمر علي هذا التفسير لتوقف الحل علي أحد خيارين، إما سلخ الجلد كي يصل نبض المتغيرات في البيئة إلي عقل الحكم مباشرة، وإما زرع خلايا عصبية اصطناعية في نسيجه كي تقوم بالوظيفة ذاتها، وكلا الأمرين لا يمثل حلا حقيقيا للمحنة التي تمسك بمصر بين فكيها، وربما لهذا لست من الذين يوافقون علي نظرية تفسير الأزمة بسماكة جلد أهل الحكم، وإن روجوا بأنفسهم لذلك، إذا أنني أري أن سهام وحراب المشكلات والأزمات المشتعلة في أنحاء مصر، ليست كفيلة باختراق أي جلد مهما تكن درجة سمكه، ولكنها كفيلة بالوصول إلي القلب وإجباره علي أن يقطر دما لا دموعا، ولهذا ينبغي البحث عن تفسير آخر، ليس في جلد الحكم وإنما في استراتيجية الجماعة.
أذكر أنني كتبت هنا قبل بضعة أشهر، مفسرا جوهر الأزمة الراهنة قبل أن تصل أعراضها وتداعياتها إلي هذا الحد، أن نظام الحكم قد اختار في سبيل استحواذه الدائم علي السلطة، وإحلاله لنفسه محل الدولة، وفرضه لقواعد العملية السياسية، التي تبقيه خالدا فوق سدة الحكم، أسلوب ومنهج 'المباراة الصفرية'، وهي مباراة عفي عليها الزمن فلم تعد قائمة في واقع المبارزات العسكرية أو الاستراتيجية بين جيوش الأمم، بقدر ما تحولت إلي نوع من مباريات عصف العقل، تقتصر علي القيام بتمارين افتراضية فوق مسرح الألعاب الإلكترونية، شأنها شأن المواجهات فوق رقع الشطرنج، التي تنتهي بتدمير أحد الجيوش وإزاحة الملك، غير أن نمط 'المباراة الصفرية' ينبني دائما علي 'عقيدة الصدمة' وهي نظرية متكاملة في إحداث تغيير جذري في البيئة، اقتصاديا واجتماعيا ومن ثم سياسيا، استغلالا لحالة مستجدة كبري سواء أكانت من صنع الطبيعة كالكوارث بأنواعها، أو من صنع البشر كالاضطرابات والثورات، وهي أحد الأعمدة الرئيسة لمدرسة شيكاغو وصاحبها 'ميلتون فريدمان' في فرض نموذج السوق الحر والرأسمالية الأصولية، والعلاج بالصدمة في كنف صندوق النقد الدولي، جنبا إلي جنب مع استئصال المعارضة، واستئناس بعض وجوهها كما حدث في تشيلي بعد الانقلاب علي الليمبي، وفي انجلترا نفسها في أعقاب حرب فوكلاند، وفي بلغراد بعد هجوم الأطلنطي، بل في العراق بعد احتلاله.
وما يهمنا هنا في العلاقة بين نمط 'المباراة الصفرية' و'عقيدة الصدمة' أمرين: استغلال حدث الثورة نفسه وما تلاه من متغيرات لتفكيك الدولة لا النظام السياسي فحسب، والعمل علي توجيه التغيير وفق مصالح أقلية محددة، مع نزع أمل التغيير الحقيقي الذي ينتظره عموم الناس بكل التضحيات التي قدموها، وكلا الأمرين تجري به 'المباراة الصفرية' التي يخوضها النظام الراهن علي قدم وساق، لكن تبنَّي هذا النمط في حيز التطبيق العملي، كما هو جار في مصر الآن يفرض عدة معايير محددة، تفسر بدورها كثيرا من سلوك الحكم، فإذا كانت ' المباراة الصفرية' تنتهي إلي كسب بالمطلق أو خسارة بالمطلق، فإن المعيار الأول لتطبيقها أن يأخذ التفكير ومن ثم التنفيذ طابعا خطّيا أي أن يسير في اتجاه مستقيم للوصول إلي الهدف الاستراتيجي من أقصر الطرق أولا وبأسرع الخطوات الممكنة ثانيا، وهذا بدوره ما يعكس معايير أخري متلازمة مع هذا الطابع، وهي محدودية وضعف المناورة أولا، وعدم السماح بتقديم أي تنازلات أو السعي إلي تهدئة حقيقية ثانيا، والتعجّل الشديد في قطع المسافات ثالثا، وعدم الالتفات إلي الخسائر الجانبية رابعا، وعدم وضع التفاعلات الجانبية رغم ما قد تحدثه من سلبيات شديدة في الاعتبار خامسا، واستخدام كل الوسائل الممكنة سياسية أو غير سياسية، وقانونية أو غير قانونية، في تحطيم دفاعات الخصوم سادسا، والوصول إلي الهدف الاستراتيجي هو المعيار الوحيد للكسب، أما الخسائر الجانبية، أو التفاعلات السلبية المصاحبة، فينظر إليها علي أن معالجتها واحتوائها ممكن في أعقاب الوصول إلي الهدف، لا قبل الوصول إليه، ولهذا ينبغي عدم الالتفات إليها في الطريق نحو الهدف، لأن عملية الالتفات إليها ستشكل حواجز تقلل من قوة الاندفاع علي جانب، وتطيل من السقف الزمني للإمساك بالهدف علي الجانب الآخر، إضافة إلي أن التمسك بمعيار عدم تقديم أي تنازلات للخصوم من شأنه أن ينزع الأمل من قلوبهم بشكل كامل، ومن ثم يساعد علي دفعهم خارج الساحة أو علي قبولهم بمنطق المباراة وفق القواعد المفروضة.
في ضوء ذلك يمكن البحث عن تفسير آخر، غير 'الجلد السميك' لغيبة ردود فعل مناسبة من السلطة تجاه ما يجري فوق أرض الواقع من أزمات، سواء أكانت الأزمات التي تمسك بتلابيب القواعد المنتجة العريضة من المواطنين في الغذاء والوقود والأسعار واضمحلال القدرة علي إشباع الحاجات الأساسية، وتفشي البطالة وتجريف العملة الوطنية وتصدع الصناعة واستفحال العجز في الموازنة العامة وفي الميزان التجاري، الخ....، أو الأزمات التي تعكس تآكل مصداقية الحكم وانخفاض منسوب تأييده، وتحولها إلي صدامات دامية تغطي الميادين والشوارع الرئيسة في أغلب المدن المصرية، والتي وصلت بدورها إلي أعماق المناطق الريفية، إلي جانب غض البصر عن التهديدات الاستراتيجية المستجدة، التي تحيط بالكيان الوطني وتصوّب مدفعياتها الثقيلة علي جميع المحاور الاستراتيجية، عبر حدوده وبواباته.
وفي المحصلة النهائية، ففي إطار ذلك يمكن الإجابة عن هذا السؤال المعلّق : لماذا يبدو نظام الحكم سادرا في غيّه، غير مبال، لا بالدم الذكي الذي يسال علي الأرصفة، ولا بالفقر والجوع الذي ينخر في عظام الناس، ولا بعوامل الفرقة والاحتراب والانقسام، التي تشق صخرة الوطن، ولا بهذا الغضب السائل الذي أصبح بحرا واسعا يغطي سطحه نوافذ البيوت، ولا بحالة التمرد والعصيان التي تنفث نارها في الصدور، لماذا يبدو في مواجهة ذلك كله ساكنا، بليدا، غير مكترث ولا مبال، وكأنه يشكل بذاته عالما خاصا مستقلا، عما يجري حوله، وكأن ما يضطرب من حوله، وما يصطدم به، إنما تجري به المقادير في كوكب آخر، في فضاء بعيد.
قد يكون من الضروري التأكيد علي أن استخدام نمط 'المباراة الصفرية' كمنهج للحكم في مرحلة انتقالية وفي بيئة وطنية واسعة، تتنوع فيها وتتداخل عوامل التأثير المحسوبة وغير المحسوبة، داخل بوتقة واسعة من التفاعلات، يشكل بدوره مغامرة غير محسوبة عالية التكلفة، غير مأمونة العواقب أو مضمونة النتائج، إذ غالبا ما يكون الثمن المدفوع خصمًا من أرصدة الوطن نفسه واقعًا ومستقبلا وسلامة واستقرارًا، وهي أرصدة ممتدة تشارك في تسديد أعبائها عدة أجيال قادمة، حتي لو انتهت المباراة لصالح نظام الحكم، الذي قد يجد نفسه حاكما مطلقا فوق الأنقاض، والذي لن يجد بديلا عن أن يضع نفسه بنفسه في حالة استضعاف وتبعية، مع القوي المسيطرة دوليا، وفي حالة استقواء واستبداد في الداخل، بحكم ما لحق بالوضع الداخلي من تصدعات وانهيارات، وما أصاب شعبيته من تآكل ومشروعه من إفلاس، فتلك هي النتيجة الطبيعية إذا ما نجح النظام في استكمال المباراة إلي نهايتها، وتمكن من الوصول إلي هدفه والإمساك به، لكن ذلك مرهون بشرطين أساسيين، وهما تحديدًا: الأول، معدل تراكم الخسائر الجانبية التي تلحق به، وبدرجة قبوله شعبيًّا، والتي يمكن أن تشكل حواجز معيقة له في مرحلة متقدمة قبيل وصوله إلي هدفه، والثاني، درجة نضج التفاعلات الجانبية علي المستوي الشعبي، والتي يمكن أن تسيطر علي التفاعل الرئيسي وتغير اتجاهه، وتدفعه إلي الناحية العكسية، أي الناحية المناقضة لاتجاه هدف النظام، وفي كلتا الحالتين، فإن المنحني الذي يمكن أن يأخذه توجه النظام، لا يخرج عن خيارين، إما إعادة المباراة وفق معطياتها الجديدة ببناء سقف زمني أطول لها، مع تقديم بعض التنازلات الشكلية، وإما الخروج من المباراة كليًا، وفرض حالة عامة من الفوضي، واستخدام القوة بكل مستوياتها، للوصول إلي الهدف والإمساك به عنوة، وإذا كانت هذه هي طبيعة 'المباراة الصفرية' التي تبدو معالمها وآثارها واضحة، في حيز السلوك العملي للنظام، فما هو الهدف المباشر الذي يريد أن يصل من خلالها إليه؟
أعتقد أن الهدف المرحلي المباشر هو إضفاء صبغة ديمقراطية شكلية مصطنعة، علي عملية استحواذ النظام علي السلطة والدولة وتغيير قواعد الأمن القومي، باستكمال تشكيل مجلس للنواب يمنح نظام الحكم شرعية شكلية كاملة، معترفًا بها من داعميه الدوليين والإقليميين، تمنحه بدوره حقوقًا مباشرة في استكمال تحقيق أهدافه السابقة ذاتها، عن طريق طرد خصومه كليا خارج الساحة، واستكمال استحواذه علي مؤسسات الدولة، وإخضاعها كليا له، بعد تفكيكها رأسيا وأفقيا، ودفع أتباعه والمؤيدين له، وغيرهم ممن يتم شراء ولائهم لاحتلال مواقع القيادة والنفوذ في مستوياتها الرئيسية.
في ضوء ذلك يمكن تفسير كثير من الظواهر والإجراءات، التي أقدمت عليها السلطة الحاكمة، والتي بدت أحيانا غير مبررة، وغير مفهومة، بل أحيانا غير منتجة، إلا لمزيد من الفرقة والشقاق، بدءًا من السرعة الضوئية في إقرار الدستور ودفعه إلي الاستفتاء، وانتهاء بإصدار قانون الانتخابات، دون إعادة عرضه علي المحكمة الدستورية، رغم وجود يقين لدي المصدرين له بعدم دستوريته، بسبب مخالفتين جوهريتين، هما ما يتعلق بالتجنيد وتقسيم الدوائر، أو حسب تفسير المتحدث الرسمي باسم الجماعة، لإصدار القانون دون إعادته للمحكمة، بأن 'إعادة القانون مرة أخري إلي المحكمة الدستورية، كان سيعطل الانتخابات' فإتمام الانتخابات والاستحواذ علي مقاعد المجلس القادم بكل السبل والأدوات، هو الهدف المرحلي المباشر الذي يعلو علي كافة الأوضاع المتفجرة القائمة، والأهداف المنتظرة القادمة، لأنه يعني كما سبق القول، استكمال الشرعية الشكلية للسلطة القائمة، وإطلاق يدها دون قيود، سواء في تصفية المعارضة أو في استكمال عملية الانقضاض علي الدولة، والاستحواذ الكامل عليها، ولهذا يبدو أن 'واشنطن بوست' نفسها، لا تفهم بالقدر الكافي، منطق الجماعة عندما تقول بالنص 'مصر تنزلق إلي الخراب، وحكومة مرسي لا تفعل شيئا، وتنزلق نحو الهاوية المالية' فليس مهمًا في فقه الجماعة ولدي هذه السلطة، أن تنزلق مصر إلي الخراب، أو إلي الهاوية المالية، أو إلي الفوضي والحرب الأهلية، مادام تحقيق هدف الاستحواذ الكامل علي الدولة، بإضفاء شرعية شكلية علي النظام، يعلو علي سواه من الأهداف، ومادام العمل يجري باستخدام كل الوسائل لتحقيقه، ولهذا فإنني لا أجد سندًا منطقيًا أو واقعيًا، للقول إن قرار محكمة القضاء الإداري، الذي ترتب عليه إرجاء الانتخابات لفترة قد تطول بضعة أشهر يشكل 'فرصة حقيقية لمصالحة وطنية' ولا أن 'الفترة التي يمنحها قرار الوقف تفتح الباب لاحتمالات عديدة كثير منها إيجابي ويعطي أملا' ولا أن 'وقف الانتخابات ربما يكون فرصة أخيرة لكي يعود العقل إلي سلطة الحكم' ولا أن الوقف 'هدية من السماء' ولا أنه 'فرصة تاريخية ستقود إلي توافق سياسي حقيقي' رغم أن جميع هذه الأقوال صدرت عن معارضين بارزين، ليس لديّ شك في صدق وطنيتهم وطيب نواياهم، لكن الملفت للنظر أن أفضل الردود عليهم، من أفواه تنتسب إلي الجماعة، وصفت أقوالهم بأنها تعبر عن 'فرح طفولي بالهروب من الانتخابات' ولهذا أيضًا فإنني أري أن منطق 'المباراة الصفرية' سيظل معتمدًا بوصفه منهجًا وحيدًا لا بديل له، ولا تبديل له، في عقل سلطة الحكم، وفي ممارساتها، ومهما اتسع حجم الصدام وتضاعف نزيف الدم، وارتفعت أمواج الغضب الشعبي، التي ستتم تغذيتها تلقائيًا بمزيد من الفقر والجوع، جنبًا إلي جنب مع مزيد من الإهمال واللامبالاة وعدم الاكتراث.
والمؤكد عندي أن السعي الوحيد لسلطة الحكم لن يخرج عن محاولات مستميتة لدفع المحكمة الدستورية إلي إقرار قانون الانتخابات المعدل، خارج إطار الوقت المحدد لإنضاجه قانونيا، ولن يخرج عن محاولات لتقديم بعض الإغراءات أو الإغواءات الشكلية، لدفع جانب من وجوه المعارضة إلي الانخراط في عملية الانتخابات، التي سيخوض الإخوان معركتها علي 100% من المقاعد، وقد أعدوا عدتهم لاستخدام كل الأدوات المشروعة وغير المشروعة، لحصاد أغلبية ملموسة لمقاعدها، مهما تكن حقائق الرفض والغضب ممسكة كالنار بصناديقها، وإذا كان هناك من يتصور أو يعتقد أن هناك إمكانية لانحناء سلطة الحكم، أمام طلبات من نوع تغيير الحكومة الحالية بحكومة ائتلافية، أو استبدال أحد وجوه القضاء المضيئة بالنائب العام، فإنه يقتات وهما كاذبًا، أو إيهاما باطلا، فصندوق الحكومة المغلق عند رئيسها، بكل ما يتضمنه من تعهدات واتفاقيات وعقود لصالح قوي دولية وإقليمية، وعلي حساب المصلحة الوطنية، لا سبيل إلي فتحه بمفتاحه الطبيعي، كما أن تغيير النائب العام، قد يؤدي إلي أن تأخذ التحقيقات في كثير من القضايا والاتهامات المعلقة مجري، لا ينبغي حفره أو الوصول إليه.
والمؤكد عندي بعد ذلك أن مزيدا من الإكراه المادي والمعنوي، سوف يتقدم علي قارعة الطرق المفتوحة، وأن دعوات استخدام القوة، ودعوات تنظيم لجان شعبية، ل'تنظيف مصر من هؤلاء البلطجية' و'إلقائهم من فوق الكباري' و'الزج بهم في السجون والمعتقلات' سوف تتصاعد وتعلو نبرتها، وسوف يحاول بعضها أن يتنفس في زوايا بعض المدن والقري، محاولة أن تحل نفسها محل شرطة تجاهد كي تستعيد وعيها الوطني، ودورها التاريخي، رافضة أن تتحول إلي بارود في بنادق سلطة تريد أن تختبئ خلف صفوفها.
ليس لدي هذا النفر القليل، الذي يفرض سلطانه علي الجماعة، وعلي الحكم، إلا نوعًا واحدًا من التفكير، وهو تفكير خطّي يسير مسرع الخطي في اتجاه واحد، إذا ناور فهو يلتف حول نفسه بلا بدائل، وإذا اصطدم بجدار رفض لا يقفز من فوقه، ولكنه يسعي إلي تقويضه وهدمه، وليس في المستقبل المنظور أفا باديٍ للأسف خارج هذه الحدود.
Email : [email protected]
Site: ahmedezzeldin.com


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.