مدبولي خلال لقائه البابا تواضروس.. الأوضاع في مصر أفضل بكثير من ذي قبل    موعد إجازة عيد الميلاد المجيد 2026    وزارة الاتصالات: بناء القدرات الرقمية ل 500 ألف متدرب في مصر خلال 2024/2025    من هي ديلسي رودريجيز التي قد تحل محل مادورو؟.. (بروفايل)    الداخلية تضبط مخالفين حاولوا التأثير على الناخبين في جولة الإعادة | صور    إحالة أوراق قاتل عمه إلي فضيلة المفتي بقنا    محافظ البحيرة: إقبال كثيف من الناخبين يؤكد وعي المواطنين بأهمية المشاركة    صور| الطماطم ب10 جنيهات والسمك ب25 جنيها.. منافذ مخفضة بالوادي الجديد    نائب رئيس الوزراء يتفقد أعمال تنفيذ الخط الرابع لمترو الأنفاق.. صور    مبيعات عربية وأجنبية تهبط بمؤشرات البورصة بمنتصف تعاملات جلسة الأحد    مسئولو "جهاز العاصمة الجديدة" يتفقدون روافع الصرف الصحى ومياه الشرب داخل المدينة    عاجل/ سعر الدولار الأمريكي بمنتصف تعاملات اليوم الأحد 4 يناير 2026    رئيس جامعة المنصورة: قفزات نوعية في التصنيفات العالمية    وزير الدفاع الأمريكي: واشنطن عادت.. ومادورو اعتقل بطريقة منسقة وجريئة    ارتفاع حصيلة الشهداء في قطاع غزة إلى 71 ألفا و386 شهيدا    جواسيس ونسخة طبق الأصل من منزل الرئيس.. كيف اعتقل مادورو من غرفة نومه؟    أمم إفريقيا: مدرب مالي: تعاملنا بذكاء أمام تونس رغم النقص العددي    وكيله: حامد حمدان اختار بيراميدز من أجل الاستقرار وليس المال    كونسيساو: لاعبو اتحاد جدة بدأوا استعياب طريقتي    مجلس النواب يستقبل الأعضاء الجدد لاستخراج كارنيهات العضوية    في اليوم العالمي للغة برايل.. توزيع 2000 جهاز لاب توب مزود ببرامج خاصة لدعم الطلاب المكفوفين بالجامعات.. وصرف منح دراسية شهرية لأصحاب البصيرة    بدء جلسة محاكمة سفاح المعمورة بجنايات الإسكندرية في الاستئناف على إعدامه    الأرصاد تحذر من تكون الصقيع على المحاصيل الزراعية    وزارة الداخلية تضبط شخص يوزع أموالا بمحيط لجان حوش عيسى    انتظام امتحانات المواد غير المضافة للمجموع فى شمال سيناء    أستاذ علوم سياسية: ما يحدث في فنزويلا مغامرة عسكرية أمريكية وترامب يبحث عن نصر    الليلة.. "الملك لير" يحتفل بمرور 100 ليلة عرض على خشبة القومي    من الذاكرة إلى المستقبل.. قراءة يقدّمها المركز القومي للترجمة في التراث وقوته المستدامة    مايلي سايرس تحصد جائزة الإنجاز المتميز عن أغنية فيلم AVATAR: FIRE AND ASH    بعد نقل تبعيته، وكيل الصحة بالإسماعيلية تتفقد انتظام العمل بمستشفى التل الكبير (صور)    شوبير: الأهلي يبحث عن مهاجم تحت السن.. وجلسة فى الزمالك مع محمود بنتايج    ترامب: ديلسي رودريجيز أدت اليمين الدستورية رئيسة مؤقتة لفنزويلا    سعر الدولار أمام الجنيه اليوم 4-1-2026 في البنوك المصرية.. توازن نسبي بين العرض والطلب    صدمة في أسعار الذهب في بداية تعاملات الأحد 4 يناير 2026 بعد ارتفاعات الأمس    وزارة «التضامن» تقر قيد 6 جمعيات في 4 محافظات    جائزة ساويرس الثقافية تعلن تفاصيل حفل نسختها الحادية والعشرين    بدء صرف الإعانة الشهرية لمستحقي الدعم النقدي عن يناير 2026 بتوجيه من شيخ الأزهر    «الشروق» تكشف ملامح تشكيل المنتخب أمام بنين    الصحة: تنفيذ برنامج تدريبي مكثف لاعتماد مستشفيات الصحة النفسية    قافلة «زاد العزة» ال108 تدخل إلى الفلسطينيين في قطاع غزة    ماذا قرأ المصريون فى 2025؟    طوابع البريد تشعل أزمات سياسية وثقافية ودينية    الأوقاف 2026.. خطة بناء الوعى الدينى ومواجهة التطرف بالقوة الناعمة    مواقيت الصلاه اليوم الأحد 4يناير 2026 فى المنيا    يا زمالك مايهزك ريح    «الداخلية» تقرر السماح ل 122 مواطنًا مصريًا بالحصول على جنسيات أجنبية    اليوم.. نظر محاكمة 6 متهمين بخلية داعش السلام    ليست المرة الأولى.. فاركو يشكو حمادة القلاوي    بصوت نانسي عجرم... أغنية جديدة تُشعل عالم الطفولة في «بطل الدلافين»    إسماعيل شرف يكشف معركته الصعبة مع الورم الخبيث: "كنت على حافة الموت"    صور.. لقطات مهينة تظهر مادورو وزوجته داخل مبنى مكافحة المخدرات في نيويورك    أدعية مستحبة في ليلة النصف من رجب.. باب للرجاء والمغفرة    لماذا يفضّل الرياضيون التمر؟    عيادة أسبوعية متخصصة لجراحة الأطفال بمستشفى نجع حمادي    نتيجة مباراة إسبانيول ضد برشلونة في الدوري الإسباني    برشلونة يحسم ديربي كتالونيا أمام إسبانيول ويعزز صدارته للدوري الإسباني    غدًا..«بيت الزكاة والصدقات» يبدأ صرف إعانة شهر يناير 2026م للمستحقين بجميع المحافظات    الإفتاء: الصيام في شهر رجب مستحب ولا حرج فيه    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



حذار من "المَدَنيٌّة" و"المَدَنيٌّ" في الدستور
نشر في الأسبوع أونلاين يوم 20 - 05 - 2012


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب:70] لم أجد مصطلحاً يثار حوله الجدل ويختلف العامة والخاصة في تفسيره أكثر من مصطلح "المَدَنيٌّة" .. كما لم أجد في لغتنا العربية لفظاً ألصق به العديد من المعاني والاستخدامات المستحدثة أكثر من لفظ "مَدَنيٌّ". وإن المعاني والاستخدامات المستحدثة للفظ "مَدَنيٌّ" تتعارض مع معانيه الأصيلة في لغتنا وفكرنا وثقافتنا .. والعجيب أنها تتعارض مع بعضها البعض .. وهذا التضاد في المعاني والاستخدامات لنفس اللفظ يستتبعه الغموض في التعبير ويؤدي حتماً إلي سوء الفهم وارباك الفكر. وإني أحمد الله أن '"مَدَنيٌّ" - "المَدَنيٌّ" - "مَدَنيٌّة" - "المَدَنيٌّة"' ليست من ألفاظ القرآن الكريم .. وأحسب أن هذه الألفاظ لم ترد في كتاب الله مصداقاً لقوله تعالي: ﴿لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيد﴾[فصلت:42] .
أولاً: المعاني والاستخدامات الأصيلة للفظ " مَدَنيٌّ " ومصطلح " المَدَنيّة "
لفظ "مَدَنيٌّ" ومصطلح "المَدَنيّة" أسماء منسوبة إلي "مَدِينَة" .. فإن بيان معانيهمواستخداماتهمالأصيلة في لغتنا وفكرنا وثقافتنا يستلزم البدء ببيانالمعانيوالاستخداماتالأصيلة لكلمة"مَدِينَة" :
- تَجَمُّع عُمْرَانِيّ مَسْكُون .. وهو نفس تعريف القرية إلا أن المدينة تفوق القرية في العمارة وعدد السكان واتساع المساحة ... إلخ .. قال تعالي: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَيالْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَيٰ قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾[يس:20].
- تُجمَععلي مُدْنٍ ومُدُنومَدَائن .. قال تعالي:﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾[الأعراف:111].
- اسم مؤنث اشتُقّ علي وزن فَعِيْلَة من الفعل مَدَنَ.. ومَدَنَ بالمكان أَقَامَبه.
- أَهْلُ الْمَدِينَة: المقيمون فيها أو سكانها .. قال تعالي: ﴿وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾[الحجر:67]. وقد يستخدم اسم العلم للمدينة ليشير إلي مجمل أهلها.. قال تعالي: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾[الشعراء:123].. والمقصود أهل عاد.
- تمدَّنَ يتمدَّن تمدُّنًا فهو مُتمدِّن: عاش عيشة أهل المدن وتخلق بأخلاقهم .
- "الْمَدِينَة" : اسم علم .. يقصد بها "المَدِينَة المُنَوَّرَة" .. حيثأطلق هذا الاسم علي"يثرب"تشريفاً لها بعد الهجرة لأن رسول الله صلي الله عليه وسلم مَدَنَ بها.
ولفظ "مَدَنيٌّ" اسم منسوب إِلي "مَدِينَة"'النَسَب إلي "فَعِيلة": تحذف تاء التأنيث وتحذف ياء "فَعِيلة" ويفتح ما قبلها' ..كما يصح استخدام لفظ "مَدِينيٌّ" عند النسب إِلي "مَدِينَة" 'النسب إلي ما آخره "تاءالتأنيث": تحذف تاء التأنيث' .. وجاء في مختار الصحاح أن النسبة إلي مَدِينَة الرسول صلي الله عليه وسلم "مَدَنِيٌّ" وإلي مدينة المنصور "مَدِينيٌّ" وإلي مدائن كِسري "مَدَائِنيٌّ".
ولفظ "مَدَنيّة" مؤنث "مَدَنيٌّ" 'نسبة إلي مَدِينَة' .. وبالطبع لهماللفظ "مَدَنيٌّ" من معاني واستخدامات .. ومعلوم - مثلاً - أن بعض سور وآيات القرآن الكريم مَدَنيّة نسبة إلي المَدِينَة المنورة.
أما "المَدَنيّة" 'اصطلاحاً' فمصطلح مستحدَث في اللغة العربية .. ورغم أن تحديد تاريخ أول استخدام لهيحتاج إلي مزيد من البحث .. إلا أن استحداثه تم - غالباً -في النصف الأول من القرن التاسع عشر أثناء فترة ولاية محمد علي باشا '1805-1848' كترجمة لمصطلح "Civilization" الذي تم استخدامه لأول مرة - في اللغتين الفرنسية والانجليزية - في النصف الثاني من القرن الثامن عشر. ومنذ ذلك الحين تم استخدام مصطلح "المَدَنيّة" بمعني "الحداثة" للإشارة إلي مظاهرالتقدم في العمران وأساليب الحياة المتطورةووسائل الترفيه والمنجزات العلميةفي مجالات الاتصال والانتقال ... إلخ.
وجدير بالذكر أنه علي الرغم من أن لفظ "المَدَنيّة" اسم منسوب إلي "مَدِينَة" .. فإن مصطلح "المَدَنيّة" لا يشير إلي ما تحويه "الْمَدِينَة" خاصة .. ولكنه يشير إلي مظاهرالحداثة والتقدمعامة دون التقيد بالمكان .. وعلي سبيل المثال : "الهندسة المَدَنيّة" تخصص في مجال الهندسة يهتم بتشييد المساكن وتعبيد الطرق وبناء الجسور والسدود ...إلخ بغض النظر عن مكان التنفيذ مَدِينَة أم قرية ... إلخ.
ثانياً: المعاني والاستخدامات المستحدثةللفظ "مَدَنيٌّ" ومصطلح "المَدَنيّة"
رغماً عن حداثة مصطلح "المَدَنيّة".. إلا أنه قد شاع استخدامهكبديل لمصطلح "الحضارة" .. واستتبع ذلك شيوع استخدام لفظ "مَدَني" كبديل للفظ "متحضر". و"المَدَنيّة" لا تعني"الحضارة" ..فإن "الحضارة" أعم وأشمل ..وأما "المَدَنيّة" فتقتصر علي الجانب المادي من "الحضارة".. ويقابلها الجانب الفكري والروحي والخُلقي.
و"المَدَنيّة" عالمية ولا تخص أمة بعينها .. حيث أن "المَدَنيّة" نتاج التقدم العلمي في كل مجالات العلوم .. وهو تقدم تراكميلجهود العلماء من شتي الأمم وعلي مدار التاريخ الانساني. وأما "الحضارة" فتختلف باختلاف الأمم .. فلكل أمة تراثها الثقافي الخاص ونظرتهاالمتميزة إلي العالمبسبب اختلاف الأديان والعادات والتقاليد والقيم المتوارثة .. كما أن أساليب التفكير تتنوع بتنوع اللغات وتختلف من ثقافة إلي أخري.
وإن "الاختلاف" لا يعني "الخلاف" 'بمعني التضاد' ولكنه يعني التنوع والتعدد .. وهوأمر طبيعي و ضرورة لا بد منها .. والذي أوجب هذه الضرورة هو الله سبحانه وتعالي .. لأن "الاختلاف" من سنن الله ومن ثوابت نظام الخلق وقانون يعيش في دائرته جميع المخلوقات في هذا الكون المتسع .. قال تعالي:﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا ۚ وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ ﴿27﴾ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَٰلِكَ ۗ إِنَّمَا يَخْشَي اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ﴿28﴾﴾[فاطر:27-28].و"الاختلاف" هو الباعث علي الحركة والتفاعل والحياة .. وهل يسري تيار كهربائي إلا بين قطب سالب وآخر موجب؟ .. وهل يتكون مجال مغناطيسي إلا بين قطب شمالي وآخر جنوبي؟ .. وهليحدث تفاعل كيميائي إلا بين عنصرين مختلفين؟ .. إلخ. والإنسان مخلوق في دائرة هذا النظام أيضاً .. فقد خلقنا الله مختلفين في الأشكال والاحجام والألوان والالسن .. قال تعالي:﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ﴾[الروم:22].
وفي ثقافتنا الاسلامية نفهم ضرورة "الاختلاف" كدافع إلي التعارف والتفاعل وإقامة علاقات بينية لتبادل المنافع وتحقيق المصالح المشتركة ... إلخ في إطار قبول التعددية وما يطلق عليه "التعايش السلمي" .. قال تعالي: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَيٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾[الحجرات:13]. وعلي النقيض من ثقافتنا .. فإن الثقافة الغربية لا تعترف بالاختلاف ولا تقبل التعددية .. ولكن تؤمن بحتمية "الصراع"وبأنهوفق نظرية داروين "البقاء للأصلح" .. فلا بقاء لمن يختلف عنهم ويجب أن ينبذ عن طريق "اصطفاء الأنواع" .. بل يجب إقصاءه حتي ينقضي ويفني.ولهذا فقد اعتمدت الأمم الغربية 'طوال تاريخها' سياسات عدوانية لتحقيق مصالحها قسراً علي حساب باقي الأمم .. كما سعت إلي فرض إرادتهاومعتقداتها وثقافتها ونمط معيشتها في محاولة للقضاء علي "الاختلافات" بين الأمم وإنشاء ما يطلقون عليه اليوم النظام العالمي أو "العولمة" 'Globalization'. وإن مساعي الغرب إلي "العولمة" لم ولا يمكن أن يكتب لها النجاحوتدل علي سذاجة بيّنة .. ولكنهم لا يقرون بفشل محاولاتهم التاريخية السابقة القضاء علي "الاختلاف" ويظنون أنهم أقدر من أسلافهم ..كما أنهم لايدركون أن إستمرار هذه المحاولات لن تثمر إلا توسيع دائرة "الخلاف".. والسبب عدم إيمانهم بأن "الاختلاف" غير خاضع لمشيئة وإرادة الإنسان وأن مشيئة الله تعالي اقتضت أن يخلق الناس جميعاً مختلفين ..قال تعالي:﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾[هود:118].
وبما أن "الدين" هو المصدر الأول للجوانب الروحية في أي "حضارة" وهو المؤثر الأعظم في تشكيل النظرة الخاصة لكل أمة في الحياة .. فإن "الدين" هو سبب أساسي من أسباب "الاختلاف"بين "الحضارات". وقد أدرك الغرب هذه الحقيقة وأن "الدين" هو قوة الممانعة الرئيسية والحائل دون تحقيق "العولمة" .. وخلص إلي أنه لا يمكن تحقيق "العولمة" إلا عن طريق التذويب الحضاري لسائر الحضارات التي تحمل قيماً مضادة لقيم الحضارة الغربية وعلي رأسها الحضارة الإسلامية باعتبارها المحرك الأول لمقاومة الحضارة الغربية. وفي هذا يقول أستاذ العلوم السياسية الأمريكي صموئيل هنتنجتون'1927- 2008' في كتابه شديد الأهمية والتأثير "صراع الحضارات وإعادة صياغة النظام العالمي - 1996":"إنه لا مجال ولا إمكانية للتعايش مع الحضارة الإسلامية لأنها "تختلف" عن الحضارة الغربية وإن المواجهة التي انتهت ضد الحزب الشيوعي تركت الفضاء مفتوحاً أمام مواجهة جديدة لا تكون إلا مع الاسلام وقيمه. والإسلام الذي هو غير قيم الغرب .. بل هو مغاير للحضارة الغربيةولحقوق الإنسان ولسيادة الحق والنظم الديموقراطية يجب مقاومته". وهذا يتناغم مع ما صرح به ريتشارد نيكسون '1913 - 1994'الرئيس الأمريكي '1969- 1974'في كتابه "الفرصة السانحة -1992":"إنه بعد سقوط الشيوعية لم يعد هناك عدو سوي الإسلام".
وبما أن "المَدَنيّة" عالمية علي عكس خصوصية "الحضاراة" .. فإن نشر استخدام مصطلح "المَدَنيّة" كبديل لمصطلح "الحضارة" يجرد مفهوم "الحضارة" من عوامل "الاختلاف" 'الروحية والخلقية والفكرية' .. ويقصر مفهوم الرقي والتقدم والحداثة علي النواحي المادية.فإذا ما تم اعتماد "المَدَنيّة" من قبل الأمم التي تحمل حضاراتها قيماً مضادة لقيم الحضارة الغربية .. تكون - هذه الأمم - قد تنازلت طواعية عن عقائدها وخصوصياتها الحضارية ونظرتها الخاصة للحياة .. فيسهل تذويبها حضارياً ومزجها في الحضارة الغربية لتحقيقً "العولمة".
وللأسف فإن مصطلح "المَدَنيّة" قد لاقي القبول من أغلبية النخب الفكرية والسياسية .. وإعمالاً للمثل الشعبي : "الزن علي الودان أمَر من السحر" .. ملأوا الدنيا صخباً وأمطرونا بمصطلحات لا حصر لها ولكن المشترك الأعظم فيها هو لفظ "مَدَنيٌّ" 'civil' مثل: الدولة المَدَنيّةوالمجتمع المَدَنيٌّوالحقوق المَدَنيّةوالمنظمات المَدَنيّةوالسجل المَدَنيٌّوالطيران المَدَنيٌّوالقانون المَدَنيٌّوالتعويض المَدَنيٌّوالدفاع المَدَنيٌّ... والمدنيون.
وإن الذين يعتقدون في"المَدَنيّة" يبشرون بما يطلقون عليه "المجتمعالمَدَنيٌّ"الذي يقوم علي مبادئ المواطنة والمساواة بين المواطنين وعدم التمييز بينهم علي أساس الجنس أو العرق أو ... "الدين". والعجيب أن أخطر مبدأ من مبادئ "المجتمعالمَدَنيٌّ" هو:"عدم التمييز علي أساس الدين" .. لأنه في "المجتمع المَدَنيٌّ" يجب علي المواطن "المَدَنيٌّ" الالتزام بعدم التمييز بين مواطني "المجتمعالمَدَنيٌّ" علي أساس "الدين" .. كما يجب عليه الالتزام بعدم تمييز نفسه عن باقي مواطني "المجتمعالمَدَنيٌّ" علي أساس "دينه"!!
وعلي ما تقدم .. فإن حرية العقيدة في "المجتمعالمَدَنيٌّ" مشروطة بأن تكون بعيداً عن الحياة العامة وأن تقتصر علي إقامة الشعائر الدينية داخل "دور العبادة" .. وعلي المواطن "المَدَنيٌّ" عدم الإعلان عن هويته الدينية بأي شكل من الأشكال بدءاً من مظهره الخارجي وحتي بطاقة هويته. ومن هنا فإن مبدأ "عدم التمييز علي أساس الدين" تم تحريفه من: حرية المواطن في الاعتقاد وفي ممارسة حياته علي أساس عقيدته دون أن يؤدي ذلك إلي التأثير 'سلباً أو ايجاباً' علي أي حق من حقوقه .. إلي: عدم حرية المواطن في الإعلان عن هويته الدينية باي صورة واعتبار ذلك تمييزاً لنفسه عن باقي أفراد "المجتمعالمَدَنيٌّ". وتم تغليف هذا المفهوم داخل شعار "الدين لله والوطن للجميع" .. وهو شعار مغرض ومن زخرف القول لأن الحقيقة هي أن "الدين والوطن ... والكون كله لله" .. قال تعالي: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿162﴾ لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ﴿163﴾﴾[الأنعام:162-163].
وعلي ما تقدم .. فإنه يلزم - في "المجتمعالمَدَنيٌّ" - أن يتضمن "القانون المَدَنيٌّ" مواد تجرم تمييز الغير أو النفس علي أساس "الدين" .. والأولي أن لا يتضمن "القانون المَدَنيٌّ" مواد مستمدة من"الدين" 'الشريعة' وإلا أصبح "القانونالمَدَنيٌّ" نفسه يميز علي أساس الدين. وعلي ذلك فعلي نواب "المجتمعالمَدَنيٌّ" 'البرلمان' في النظام "الديمقراطي" 'الذي هو عماد "المَدَنيّة" وتؤمتها "الليبرالية"' أن يراعوا ذلك عند تشريع القوانين.
وبما أن الذي يطبق "القانونالمَدَنيٌّ" علي "المواطنالمَدَنيٌّ" في "المجتمعالمَدَنيٌّ" ويملك سلطة العقاب هي الدولة .. فيجب أن تكون الدولة "مَدَنيّة". إذاً من مهام "الدولةالمَدَنيّة" أن تراقب عدم التمييز علي أساس الدين وتنزل العقاب علي "المواطن المدني" متي:
- ميز بين مواطني "الدولةالمَدَنيّة" علي أساس "الدين".
- ميز نفسه "دينياً"عن باقي مواطني "الدولةالمَدَنيّة".
ومكمن الخطورة يتمثل في "محاكمةالنيات" .. فإذا أطلق غير المتدين لحيته فلا بأس .. أما المتدين فلحيته تمييز .. وكذلك المرأة التي تغطي شعرها. كما أن الفندق - مثلاً - الذي لا يقدم الخمور لزبائنه لأنها ضارة بالصحة أو أي أسباب أخري - طالما لا تتعلق بالدين - فلا بأس مع معاقبته بتخفيض تصنيفه 'نجمة أو نجمتين' .. ولكن لا يجوز له أن يعلن أن سبب امتناعه عن تقديم الخمور لزبائنه هو أنها حرام .. فهو بذلك يميز نفسه عن باقي الفنادق علي أساس الدين. وإن هذا الوضع - إن حدث - يعيدنا إلي الأيام الأولي للإسلام وقت أن كان مستضعفاً في مكة والمسلمون يكتمون ايمانهم خوفاً من التنكيل بهم من قبل المشركين .. ولكن الفارق أنه في ظل "الدولةالمَدَنيّة" و"المجتمع المَدَنيٌّ"يكتم المواطنون "المدنيون" ايمانهم خوفاً من وقوعهم تحت طائلة "القانون المَدَنيٌّ" الذي يجرم تمييز المواطنون "المدنيون" لأنفسهم علي أساس "الدين".
ثالثاً: الخلاصة
إن كان أول الطريق "المَدَنيّة" فإن منتهاه "العولمة" .. التي يسعي الغرب إلي تحقيقها عن طريق التذويب الحضاري لسائر الحضارات التي تحمل قيماً تختلف عن قيم الحضارة الغربية - وعلي رأسها الحضارة الإسلامية - ومزجها في الحضارة الغربية. وإن المعاني والاستخدامات المستحدثة للفظ "مَدَنيٌّ" وما ينطوي عليه مصطلح "المَدَنيٌّة" من فكر وثقافة يتناقض مع فكرنا وثقافتنا والأعراف السائدة في مجتمعنا .. وقد يمتد تأثيره السلبي ليطول عقائدنا ذاتها.
وإني أحذر من أن توصف "مصر" بأنها دولة "مَدَنِيّة" والرئيس "المصري" بأنه رئيس "مَدَنِيّ" والمجتمع "المصري" بأنه مجتمع "مَدَنِيّ" والجمعيات "الأهلية" بأنها جمعيات "مَدَنيٌّة" وحقوق "المواطنة" بأنها الحقوق "المَدَنيٌّة".
وإني أحذر من أن يتضمن "دستور مصر" المرتقب أياً من تلك الألفاظ والمصطلحات.
اللهم قد بلغت .. اللهم فاشهد.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.