بداية صادمة لعام جديد قد يشهد النهاية الفعلية لنظام دولى حكم العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وهاهو بعد ثمانين عاماً ينتظر شهادة الوفاة الرسمية. هذا النظام الذى قام ليجسد قوة الدور الأمريكى فى قيادة العالم، لم يعد كذلك من وجهة النظر الأمريكية. بزغت قوى جديدة (فى مقدمتها الصين) بتفوقها الاقتصادى الهائل الذى يتحول بسرعة لقوة سياسية واستراتيجية تنافس على قيادة العالم وتسعى لنظام دولى جديد ينهى عهد القطب الواحد، ويسعى من خلال الشراكة إلى أوضاع أكثر عدلاً فى عالم يتسع للجميع. الولاياتالمتحدة رأت من جانبها أنها تحملت الكثير من أجل حلفائها، وأن عليها أن تصنع ما تتصور أنه مصلحة أمريكا فوق أى التزام آخر، وأن تحشد ما تستطيع من أسباب القوة لاستعادة ∩العظمة الأمريكية∪ دون اكتراث للقواعد التى وضعتها قبل ذلك للنظام الدولى ولا لمؤسساته السياسية والاقتصادية والقانونية(!!) المهم فى هذا التصور هو استيعاب روسيا، ولو على حساب الحليف الأوروبى الذى لم يعد حليفاً، والأهم هو الاستعداد لمواجهة قادمة مع المنافس الصينى، مازال الكثيرون فى العالم يأملون أن تظل مواجهة سلمية، وأن ينتصر العقل فى نهاية المطاف. الأخطر فى كل ما يواجهه العالم الآن هو ما أصاب النظام الدولى بكل مؤسساته من أضرار تبدو عصية على الإصلاح، وما أصاب الشرعية الدولية من تعطيل مُتعمَّد، وما لحق بالقانون الدولى من انتهاكات جسيمة وصلت لحد تهديد المحاكم الدولية وفرض العقوبات على من يسعون لتطبيق العدالة على مجرمى الحرب.. وقد كان لمنطقتنا نصيبها من هذه الويلات مع مأساة حرب الإبادة فى غزة، التى قاست كثيراً من حصار الشرعية الدولية وتعطيل كل أدواتها بفعل فاعل لا يدرك أن غياب الشرعية هو الطريق الرسمى للفوضى الشاملة ومخاطرها الهائلة على العالم أجمع. فى غياب الشرعية تسود غطرسة القوة لدى كل من يملكها، أو يتصور ذلك، وفى غياب حكم القانون، يتحول العالم إلى غابة تسودها الفوضى وتقود إلى الكارثة الأكبر. استعادة الشرعية الدولية وتفعيل أدواتها هو السبيل الوحيد للخروج من المأزق الحالى، وإعطاء العالم الفرصة لإيقاف الاندفاع نحو صدام كارثى ولو بطريق الخطأ. وفى ظل الشرعية وحدها، يمكن أن نواجه سؤال المصير: هل مازال النظام الدولى الحالى قابلاً للإصلاح، أم حان الوقت لنظام بديل أكثر عدالة وأشد فاعلية؟.. وهل نجد الإجابة قبل أن تسود الفوضى؟!