بقلم: د. هبة جمال الدين - ما هى أوروبا التى يجب أن تفضلها الولاياتالمتحدة؟ وكيف تعمل على إيجادها؟ - ما هى روسيا التى تخدم مصالح أمريكا؟ وماذا تستطيع أن تفعل أمريكا فى هذا المجال؟ - ما الدور الذى يجب أن تشجع الصين على القيام به فى الشرق الأقصى؟ ما انعكاسات ذلك على الولاياتالمتحدة واليابان؟ تساؤلات عديدة طرحها مستشار الأمن القومى برجينسكى فى كتابه «رقعة الشطرنج الكبرى»، قد يقف أمامها البعض فى حالة من الصدمة او الذهول كيف يمكن لدولة أن تطوع أخرى لتصبح كما تحلم بها لخدمة مصالحها متناسية طموحاتها وتوجهاتها وتطلعاتها للمستقبل؟ تساؤلات مفصلية تمثل تحديات عظمى ولكن بتخطيط عكسى backcasting للوصول إلى الهدف المنشود. علينا التدبر وطرح السؤال الأبرز «كيف تفكر القوى العظمى لضمان هيمنتها وبقائها؟ كيف تحول عدوها أو منافسها إلى قوى يمكن احتواؤها بل وتطويعها فى خدمة مصالحها؟ هل يمكن أن نتساءل أيضًا نحن العرب مثل تلك التساؤلات المفصلية: - ما هى أمريكا التى نرغب فى وجودها؟ - ما هى أوروبا التى نرغب فى السعى للتقارب معها؟ - ما ملامح السياسة الإقليمية والتوازنات التى نرغب فى وجودها بالمنطقة؟ - ما هى الحكومة الإثيوبية التى يمكن أن تكون أكثر قبولاً من الدولة المصرية والتى يمكن التعاون معها؟ - كيف يمكن التعامل مع إسرائيل مرتكبة الإبادة بغزة؟ ومنتهكة سيادة دول عربية محيطة؟ ما هى إسرائيل التى يمكن قبول بقائها فى المنطقة وعلى أى حدود ومحددات وفقًا لأية ضوابط؟ وكيف يمكن تطويعها لتتحول لكيان ملتزم بحسن الجوار العربى والحق الفلسطينى لتتحول من قوى ومعول هدم لقوى يمكن التعايش معها دون مخططات توسعية ولا قضم للأراضى العربية؟ - ما حال الدول العربية التى يجب أن يكون عليها العرب فى نظام عالمى متغير؟ وكيف نصل لذلك؟ - ما هى مصر التى نرغب ونسعى الآن لنصل إليها وما هو شكل النفوذ والتأثير المصرى الذى نرغب فى وجوده بالمنطقة؟ - ما هى معادلات الحركة والنفوذ وقواعد لعبة الشطرنج السياسى التى يجب أن تكون عليها المنطقة؟ تساؤلات كثيرة يجب أن نضعها على أجندتنا البحثية والتشريعية والتنفيذية؟ يجب أن نحدد ثوابت الهوية أن نعرف من نحن وأين نرغب فى أن نصل ؟ وكيف يمكننا التأثير لتغير موازين اللعبة السياسية على الساحة الدولية والإقليمية بما يخدم المصالح الوطنية المصرية والعربية والإسلامية؟ نسمع جميعًا عن مخططات التقسيم الصهيوأمريكية للمنطقة كمخطط «برنارد لويس» ومخطط «عوديد بينون»، ومخطط «الشرق الأوسط الكبير» و»الجديد» و»سايكس بيكو الجديد» و»الوطن الجيني»، ومخطط حركة «الأفروسنتريك»، ومخطط «تامازغيا الكبرى» وغيرها من مخططات أعدت بأدوات ووسائل وسيناريوهات على رقعة أوسع وبدائل عدة للحركة، لكن أين سيناريوهاتنا وما هى بدائلنا للحركة؟ هل يمكننا أن نمتلك رؤوى وسيناريوهات لتغير شكل التوازنات وهدم المخططات العدائية وزيادة مساحات القوة الوطنية بما يكفل المباغتة والريادة والنفوذ والدور؟ وما هى الأدوات؟ وما هى الملفات وبيادق الحركة التى نمتلكها أو التى يجب أن نمتلكها؟ كيف يمكننا أن نصنع مستقبلنا لا أن نرسمه أو نتنبأ به فكثير من النماذج والأساليب الرياضية والكمية تسعى لوضع سيناريوهات للتنبؤ بما هو قادم. القليل فقط من يستطع أن يغزو المستقبل ويصنع عالمه ويحدد أطره وقوانين الحركة والنفوذ والتفاعلات. ولا أقصد بالقليل دول العالم المتقدم التى تنشط بها منظمات ومراكز الدراسات المستقبلية بقوة وترصد لها تمويل ضخم، ولكن أستلهم من قدرة النمور الآسيوية والصين التى كانت تعانى من مشكلات جمة وجسيمة خرجت بعد أربعين عامًا ماردًا قويًا يهدد اقتصاد ونفوذ القطب الأوحد من منا يمكنه الإجابة؟ ربما لا يمكننا الإجابة الآن ولكن يمكن الفعل والحركة عبر شحذ الهمم وتعاون المؤسسات وبداية بناء منظومة متكاملة من الاستشراف وبناء المستقبل من خلال عقول حالمة Dreamers مبدعةCreatives خارج الإطار والصندوق قادرة على رسم المستقبل بل غزوه Occupying the future ووضع تصور لا يقوم على الاتزان الاستراتيجى بل على بسط النفوذ وفرض الهيمنة والتأثير. كيف يمكن لمنظومة البحث العلمى والأكاديمى والنخب والمفكرين والساسة والتنفيذيين من الانطلاق نحو صناعة مستقبل مغايير لا ينطلق من معايير الحاضر ومحدداته إلى صناعة غد مختلف يحد من المهددات وآثارها ويقلص من القيود ويعظم من الأدوار. بعبارة أخرى كيف يمكن التحرر من القيود والعقبات وإماطة اللثام عن المارد والقوة الكامنة بداخله؟ وإذا نظرنا إلى بريجنسكى سنجده رسم مخطط لإدارة رقعة الشطرنج السياسى للولايات المتحدة يبدأ ب: - انتخاب العدو وتفنيد الاحتمالات المرتبطة بكونه عدوًا قويًا قادرًا على الصمود. - ثم دراسة رقعة الشطرنج المناوئة واستكشاف البيادق الممكن استخدامها. - تحديد اللاعبين الرئيسيين والدول المحورية الرئيسية للوقوف على الأزمات التى تواجهها الدولة. - تحديد الهدف الرئيسى للدولة تجاه كافة القوى سواء كانت (منافسة، مناوئة، معادية ، أو موالية) كقطع مؤثرة فى رقعة الشطرنج الكبرى. - وضع اللاعبين وما عليهم من ضغوط داخلية وخارجية لتقسيم ردود الفعل. - توظيف أحد البيادق كاختبار لحركة القوى الفاعلة والمنافسة. - وضع الخيارات الحادة وإدارة التحديات. - صياغة النقلات الضاغطة وفق قواعد القوى المناوئة لبسط الهيمنة والنفوذ. تلك المنهجية هى التى يجب أن تحركنا والتى يمكن من خلالها بناء بل وصناعة الغد المصرى والعربي. ألم يحن الوقت لغزو الغد وتغييره، فقد بدأت المرحلة الجديدة للتعامل مع الغد الجامح لتطويعه وتغيير اتجاهه، بل وتمصيره ليصبح مصرى الهوى شرقى الاتجاه. رئيس قسم الدراسات المستقبلية- معهد التخطيط القومى، عضو المجلس المصرى للشؤون الخارجية