التلويح بالتهجير ليس خيارًا يطرحه ترامب؛ إنما بذرة يزرعها لإحداث تغيير جوهرى فى معادلة الصراع فى عالم السياسة، لا يُؤخذ كل تصريح على ظاهره، ولا تُفسَّر التهديدات دوماً وفق مدلولها المباشر، فالأقوال فى هذا الميدان ليست سوى أدوات ضغط، والمواقف المتصلبة ليست إلا أوراقا تفاوضية تُرمى ثم تُسحب حسب مقتضيات اللحظة.. هذا هو جوهر استراتيجية الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، التى طالما اعتمد فيها على رفع سقف التهديدات إلى مستويات خيالية، ثم التراجع عنها بعد أن يظفر بالحد الأدنى الذى يريده فعلاً. فعندما أعلن عن نيته ضم كندا للولايات المتحدة، لم يكن يسعى لاحتلال الشمال بقدر ما أراد خنق الاقتصاد الكندى لإرغامه على تقديم تنازلات تجارية. وكذلك فعل مع المكسيك، حيث فرض عليها ضرائب باهظة ثم ألغى القرار مقابل تشديدها للرقابة الحدودية. ولم يكن حديثه عن ضم قناة بنما سوى ورقة ضغط لم تلبث أن احترقت بعدما ألغت بنما اتفاقية طريق الحرير مع الصين. واليوم، يعود ترامب إلى السياسة ذاتها، لكن هذه المرة فى الشرق الأوسط، بإطلاقه تصريحات صادمة بشأن تهجير سكان غزة.. فهل هو تهديد جاد أم مجرد مناورة أخرى؟ الواقع يقول إن التهجير الشامل لشعب بأكمله فكرة مستحيلة التنفيذ عمليًا، لا سيما بعد أكثر من عام من حرب طاحنة استخدمت فيها إسرائيل أحدث الأسلحة الأمريكية دون أن تتمكن من كسر إرادة الفلسطينيين أو فرض واقع جديد على الأرض. الحقيقة التى تتكشف هى أن الهدف الفعلى ليس التهجير، بل فرض إدارة مصرية على قطاع غزة وأخرى أردنية على الضفة الغربية، ومنع إعادة الإعمار إلا فى ظل هذا التغيير الجذري. بهذه الطريقة، يأمل ترامب فى منح إسرائيل مخرجًا من المأزق الذى وضعتها فيه خسائرها الفادحة، حيث تتحدث الأرقام عن 6 آلاف قتيل، و15 ألف مصاب بإصابات دائمة، وفق تصريحات رئيس هيئة الأركان الإسرائيلية. هذه الأرقام تشكل زلزالاً سياسيًا داخل إسرائيل، وتفوق إجمالى خسائرها فى جميع حروبها السابقة مع الدول العربية، مما ينذر بصراع داخلى يهدد استقرار الكيان من أساسه. أما التهديد بالتهجير فما هو إلا أداة ضغط وتخويف، يُراد بها دفع الأطراف العربية والفلسطينية نحو قبول هذا السيناريو الأقل كلفة لإسرائيل، لكنه الأخطر على مستقبل القضية الفلسطينية. التلويح بالتهجير ليس خيارًا يطرحه ترامب؛ إنما بذرة يزرعها لإحداث تغيير جوهرى فى معادلة الصراع. وعليه، فالسؤال الذى يجب أن يُطرح اليوم ليس: "هل سيتم التهجير؟" بل: "هل ستقبل الدول العربية بهذا المخطط الذى يُراد فرضه؟". وهنا، يمكن ربط هذه الاستراتيجية بما طرحه ألفين توفلر فى نظرية «صدمة المستقبل» (Future Shock)، حيث تستخدم الصدمات المفاجئة لإحداث تغييرات جذرية فى النظام الدولي، تجعل الأطراف المستهدفة فى حالة ارتباك تدفعها لقبول حلول غير عادلة. لا شك أن الرضوخ لهذا الابتزاز مرة واحدة سيجعل مسلسل الضغوطات لا ينتهي، ويمكن فهم هذه الاستراتيجية من خلال نظرية الهيمنة (Hegemony) لأنطونيو جرامشي، والتى توضح كيف تحاول القوى الكبرى فرض سيطرتها عبر أدوات غير عسكرية، مثل الضغوط الاقتصادية والسياسية ولذلك فإن الموقف العربى يجب ألا يُبنى على ردود الفعل المتفرقة، بل على رؤية موحدة تستثمر نتائج هذه الحرب لصياغة حل شامل وعادل للقضية الفلسطينية. ما نحتاج إليه هو خط عربى موحد تصطف خلفه الدول العربية، لا أن تنشغل بالمناورات والابتزازات السياسية التى لا تهدف إلا لترسيخ الهيمنة، وإعادة رسم خرائط النفوذ بما يخدم مصالح قوى الاحتلال؛ فما يُحاك فى الكواليس ليس مجرد تهديد، بل إعادة تشكيل للصراع، وعلى العرب أن يكونوا طرفًا فى صناعة المعادلة، لا ضحايا على رقعة الشطرنج! "اللهم احفظ مصر، وفلسطين، والوطن العربى، وأهلك كل من يُفسد فيهم"