بعد غد يحتفل الإخوة الأقباط بعيد الميلاد المجيد، ورغم حرص الرئيس عبد الفتاح السيسى على أن يقدم بنفسه التهنئة، معبرًا عن الغالبية العظمى من المصريين، فى تقليد سنوى أصبح ثابتًا، إلا أن هذا لم يمنع خفافيش الظلام من التخفى وراء شاشات المحمول، لبث السموم، وزرع الفتن وخطاب الكراهية، فيوزعون صكوك الجنة، ويحرمون تهنئة المسيحيين فى أعيادهم، ويُؤثمون من يدعو لمن مات منهم بالرحمة.. هذا السلوك البغيض وغيره يكشف عن حاجتنا إلى خطاب دينى إنسانى، يرتكزعلى مفهوم جوهره أن منبع كل الأديان السماوية واحد. قبل فترة نُشر فى صفحة الحوادث خبر مصرع شابين صديقين سقطا فى بئر، أحدهما سقط، وعندما حاول الثانى أن ينقذ صديقه، لحق به، المفاجأة أن أحدهما مسلم، والآخر مسيحى، ماتا معًا، ولم نعرف من منهما سبق الآخر إلى الآخرة. مؤخرًا صدر كتاب بديع للدكتور سامح فوزى كبير باحثين فى مكتبة الإسكندرية تحت عنوان «الثقافة الإنسانية.. رسائل وهوامش» يبحث فى قضية أصبحت تفرض نفسها على المجتمع المصرى فى العقود الأخيرة، تتمثل فى تراجع مساحة القيم الإنسانية فى حياتنا لصالح خطاب العنف والكراهية والطائفية والتنمر، ثقافة تمنح التبرير للجانى وتلوم المجنى عليه.. يشخص الظاهرة، ولا يحتكر الحلول، بل يفتح الباب بلغة سحرية تعرف طريقها للعقل والقلب، لمزيد من الدراسات. فكرة الكتاب وراءها قصة تستحق أن تُحكى لأنها تصب بصورة مباشرة فى الهدف الذى من أجله تحمس الدكتور سامح وقرر أن يخرج به للنور، عندما طلب الكاتب الصحفى طه فرغلى رئيس تحرير مجلة وكتاب الهلال، من الدكتور سامح، وهو المثقف والمفكر المسيحى المعروف، أن يوجه رسالة يومية فى التسامح على أن تُبث عبر بوابة الهلال الإلكترونية يوميًا مع موعد الإفطار فى شهر رمضان الماضى، لن تُفاجأ عندما تكتشف أن أولى الرسائل التى وجَّهها الدكتور سامح لمتابعيه، ارتكزت على قول بديع للإمام الشافعى يقول فيه: «لمَّا عفوت ولم أحقد على أحدٍ ... أرحتُ نفسى من هم العداوات»، أعقبه فى اليوم التالى بقول للقديس أوغسطينوس يتحدث فيه عن نفس ما تحدث فيه الشافعى عن التخلص العملى من هم العداوات، وهكذا انطلق الدكتور فوزى خلال أيام وليالى شهر رمضان المبارك، يبث رسائل التسامح والمحبة التى وردت على لسان رموز اسلامية ورهبان وقساوسة ورجال ونساء، وفلاسفة وحكماء جمعتهم قيم نبيلة للإنسانية ترتكز على التسامح. نحن فى حاجة إلى العشرات من أمثال هذا الكتاب لكى نحصِّن الأجيال الصغيرة والشابة ضد كل قيم التسيب أو التشدد المقيت، ونعزز لديهم قيم ومعانى قبول الآخر؛ فى الدين والفكر، واللون والعِرق.