منذ عدة أسابيع دعانى المطران منير حنا- رئيس الكنيسة الاسقفية- إلى اجتماع مع أستاذ فى الدراسات الدينية من جامعة «برمنجهام» البروفيسور «نيكلس آدمز»، وهو من الأساتذة المجتهدين، ولى سابق معرفة به، وقرأت له عددا من الدراسات المهمة. وشارك فى الاجتماع أيضا الدكتور كمال بريقع، الأستاذ بجامعة الأزهر، وعدد من الشباب الذين يدرسون فى كليات اللاهوت وجامعة الأزهر. تناول الاجتماع تجربة مهمة فى الحوار بين المؤمنين بالأديان- أخذت بها كليات دراسات دينية فى بريطانيا- تقوم على قراءة نص من الكتاب المقدس وآخر من القرآن الكريم، مختارين بعناية، بعيدا عن السجال العقيدي، يتفاعل معهما الحاضرون، بحيث يقرأ كل طرف النص الدينى الخاص بالطرف الآخر، ويسجل ما يفهمه، ويتراءى له، ويستخلص المعانى الكامنة فيه، دون حاجة إلى شرح مسبق عنه، أو اللجوء إلى تفسيرات وضعها مفسرون أو لاهوتيون أو فقهاء. تجربة ملفتة، تعتمد على التفاعل الانسانى المباشر مع النص الدينى دون استعانة بفهم مسبق. بعد حوار دام أكثر من ساعتين خرج المشاركون مسلمين ومسيحيين أكثر فهما للآخر، وإدراكا بأن هناك الكثير من المشتركات التى يمكن البناء عليها خلافا للسجال العقيدى الذى يبعث على التنابذ والكراهية والعنف. تذكرت هذا الاجتماع، الذى أتمنى أن يتحول إلى برنامج دائم، فى الوقت الذى يستعد فيها المصريون لاستقبال عيد الفطر الذى أعقب شهر من الصوم، سبقه سجال عقيدى أثار لغطا واسعا، وحادث إرهابى غادر فى المنيا طال أرواح ما يزيد على ثلاثين مصريا من المسيحيين كانوا فى طريقهم إلى أحد الأديرة، وانتهيت إلى أن المصريين بحاجة إلى البحث عن مشتركات من بينها إدراك الثقافة الدينية الخاصة بكل منهما درءًا للصور النمطية السلبية، والمشاعر المعبئة بالطائفية، والارتياب المتبادل الذى تغذيه جماعات تنتهج سبيل العنف والإرهاب والتطرف. ومن الطبيعى أن يتساءل المرء: لماذا لا يكتب المصريون عن أعياد بعضهم بعضا؟ لماذا لا يكسرون حواجز كثيرة فى التعارف، وبناء الخبرة المشتركة، والفهم المتبادل، وهم أهل لذلك، فقد تجاور المسلمون والمسيحيون على مدار قرون طويلة، وبالتالى فهم الأجدر على الاحتفال بتنوعهم من الأجانب الذين يبتكرون مبادرات فى الحوار المتبادل رغم أن خبرتهم فى التنوع الدينى تعود إلى عقود وليست قرونا؟. كتب «أوميد صافي» أستاذ الدراسات الإسلامية فى جامعة «نورث كارولينا» بالولايات المتحدة مقالا مهما هنأ فيه أصدقاءه المسيحيين بمناسبة «أسبوع آلام المسيح وقيامته»، أشار فى مقدمته إلى اختلاف معتقداته الدينية الإسلامية مع هذه المناسبة المسيحية، لكنه رأى أن البشرية المعذبة بالعنف، والاتجار فى البشر، وانتهاك حقوق الإنسان تحتاج إلى قيامة تنهضها من عثراتها. وكتب أيضا الدكتور ناجح إبراهيم مقالات عن «المسيح»، فيها الكثير من المعانى الجميلة، وفى المقابل كتب مسيحيون مقالات فى مناسبات إسلامية عديدة. الإشكالية فى هذا النهج، ودعنا نكون صرحاء مع أنفسنا، أن أوساطا عديدة من المسلمين والمسيحيين ينظرون إلى هذا النمط من الكتابة على أنه خطاب مجاملات، وأحيانا ينعتون أصحابه بالنفاق، وقد يرميهم المتشددون بأوصاف قاسية، ذلك على الرغم من أهمية هذه الكتابات فى بناء الجسور، والفهم المتبادل، وتجاوز الأفكار الخاطئة. وكلما اشتدت رياح التعصب زاد الشعور بعدم ملاءمة هذا اللون من الكتابة خوفا من الجمهور الذى يشعر بوطأة الممارسات السلبية، فى حين أن العكس هو الصحيح، أى أنه كلما كثرت معاول الهدم، زادت الحاجة إلى من يمد جسور الحوار بين المختلفين فى المعتقدات الدينية. هناك حاجة إلى أن يكتب المصريون عن أعيادهم، بحثا عن معان مشتركة تتجاوز الاختلاف العقيدي. نحتاج المسلم الذى يرى فى ميلاد السيد المسيح رسالة إلى الفقراء والمهمشين والمعوزين، صيحة تغيير اجتماعى حقيقي، ونحتاج المسيحى الذى يرى فى الوقوف على عرفات معنى فى التجرد الإنسانى فى حضرة الخالق، الذى لا شريك له. نحتاج إلى تلاقى المسلم والمسيحى فى رحلة البحث عن الرهبنة والتصوف، والنظر إلى العشق الإلهى ما بين «القديس أوغسطينوس» و«رابعة العدوية»، نحتاج إلى حركة إيمانية حقيقية يتأسس عليها مجتمع ينعت نفسه بالتدين فى حين أنه غارق فى النزعة الاستهلاكية، والتهميش الاجتماعي، وغياب المعانى الروحية. أعرف أن الرحابة فى الفهم الدينى مسألة عسيرة فى مجتمع يعتصره التطرف منذ عقود، ويواجه مفهوم المواطنة تحديات فى الواقع العملي، ويزداد جنوح قطاعات من المجتمع فى اتجاه التكفير والتشكيك فى الآخرين، والخوف من الانفتاح. قد تكون أحد الحلول المطروحة تصحيح المفاهيم، ومواجهة التطرف، والتأكيد على قيم المواطنة والتسامح، لكن هذا لا يكفي، ينبغى أن تتحلى النخبة بالشجاعة، وتقدم نماذج جادة فى كسر «التابوهات»، وتطرح خطابات جديدة تجعل من الحياة الدينية للمختلف عقيديا مساحة من التأمل، واستخلاص الأفكار المبدعة. وحين تدرك الأجيال الشابة أن التراث الدينى فى مصر ممتد عبر قرون، بل يعود إلى مصر القديمة، سوف تتخلص من النظرة الإطلاقة للأشياء، وتصل إلى نتيجة أساسية أن الناس يمكن أن تتلاقى فى المساحة المشتركة بينها أكثر من الانشغال بمواجهة بعضهم بعضا. لمزيد من مقالات د. سامح فوزى ;