محمد على خىر الأخبار المتداولة في قضية سفر المتهمين الأمريكان الي بلادهم تؤكد علي وجود صفقة جرت بين المجلس العسكري والإدارة الأمريكية. قد نشرت بوابة الأهرام بعض التفاصيل حول تلك الصفقة علي لسان ما اسمته مصدر مسئول أكد فيها علي وجود صفقة جرت مع الأمريكان تؤدي الي اعادة المتهمين ال16 في قضية التمويل الأجنبي لبلادهم،مقابل التزام الإدارة الأمريكية بتوفير منح ومساعدات وقروض لمصر قيمتها خمسون مليار جنيه يجري تدبيرها من دول عربية (قطر والإمارات والسعودية) والإسراع في منح مصر قروضا ميسرة من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وبنك التنمية الأفريقي.
بعبارة أخري فإن الثمن الذي كان ينبغي علي الإدارة الأمريكية أن تدفعه لمصر، فإنها سوف تسدده من جيوب دول أخري،والمفارقة أن تلك الدول عربية،والمعني أن الدول العربية لاتدفع لنا الا بأوامر أمريكية فإذا جاءت الأوامر جري التنفيذ وإلا فلا،وسوف تحزن عندما تعلم أن واشنطن طالبت الدول العربية بتقديم تلك المساعدات الي مصر فجرت الاستجابة. وعدت واشنطن بالضغط علي الدول الأوروبية التي أعلنت عن مساعدات دول الربيع العربي ومن بينها مصر والتي سيكون نصيب مساعداتها عشرين مليار دولار يعني أمريكا تتفق وتحقق مكاسبها والعرب ومعهم بعض دول أوروبا يدفعون الفاتورة..منتهي السخرية. الكلام السابق الذي قاله المصدر المسئول لبوابة الأهرام والذي كشف فيه عن تفاصيل الصفقة يجب تحليله خاصة أن من يعرف كل تلك التفاصيل يعني مباشرة أنه وثيق الصلة بالمجلس العسكري ان لم يكن عضوا بالمجلس نفسه، وبناء عليه يجب اخذ التصريح السابق بجدية وجود صفقة جرت بين المجلس العسكري والإدارة الأمريكية وأنها ليست شائعات. لعل السؤال الذي ينبغي طرحه هنا سيكون: ماهو سبب الرفض الشعبي للصفقة التي جري اعلانها،هل الرفض لمبدأ الصفقة أساسا أم أن رفض الصفقة لأنها تمت مع الأمريكان،أم لأنها تمت علي جثة الكرامة الوطنية أم لأن عائدها هزيل إذا جرت مقارنته بالتكلفة أم لكل تلك الأسباب؟. إجابة السؤال السابق سوف تحدد موقفنا من الصفقة،خاصة أن تاريخ الدول يعرف أن الصفقات السياسية مبررة وطبيعية،فلا مشكلة إذن أو اعتراض علي مبدأ الصفقة لكن الاعتراض دائما سيكون حول طبيعة وتفاصيل وشروط تلك الصفقة، وعندي هنا ملاحظات حول تفاصيل الصفقة كما جري نشرها: 1-البداية عندما هبطت الطائرات الحربية الأمريكية الي مطار القاهرة دون الحصول علي إذن بالهبوط ، وكان بامكانهم الحصول علي هذا الإذن وهم في الجو، لكن امعانا لسياسة الغطرسة وحتي تصل رسالة قوية للسلطات المصرية تحمل معني (أمريكا فوق القانون) و(القوانين المصرية تبلوها وتشربوها) ثم دفعت الطائرات الأمريكية غرامة الهبوط دون إذن. 2-أثناء وبعد الصفقة جري انتهاك حرمة القضاء المصري ومحراب العدالة وتأكد العالم كله أن أي دولة يمكنها ابرام صفقة مع نظيرتها المصرية تتيح انتهاك القضاء المصري ودهس القوانين بالأقدام. 3-أكدت الصفقة صراحة أن مفاتيح خزائن دول الخليج بيد واشنطن، تفتحها أو تغلقها وقتما تشاء، وعندما صدرت الأوامر من أمريكا بتقديم المساعدات والقروض الي مصر جرت الاستجابة. 4- أي صفقة في الدنيا لايمكن أن يحصل أحد أطرافها علي مكاسبه كاملة ثم بعد زمن يتم الاستجابة لمطالب الطرف الآخر، وفي تلك الصفقة فقد حصلت واشنطن علي الفائدة كاملة وهو عودة المتهمين الأمريكان الستة عشر الي واشنطن بينما كل الوعود بالمساعدات المالية لمصر لم يتم تنفيذها، فماهي ضمانات التنفيذ بعد سفر المتهمين،ومن ثم لاتوجد بين أيدينا ورقة ضغط حتي تحقق مصر بقية المطالب. 5-أثبتت واشنطن أن دول أوروبا ليست بعيدة عن سيطرتها السياسية أو نفوذها،وأنها ستنفذ جزءا من الصفقة عبر تقديم المساعدات والقروض التي وعدت بها دول الربيع العربي،وظني أن عددا من مرشحي الرئاسة لايعرفون حتي الآن أن الخليج العربي والاتحاد الأوروبي والولاياتالمتحدة كتلة واحدة -هذا ما أكدته الصفقة- مما يستلزم منهم معرفة أبعاد العلاقات الدولية المبنية علي المصالح،لأن حجم التصريحات (العنترية) الصادرة عن بعض مرشحي الرئاسة تؤكد حاجتهم الي فهم أكبر لتعقيدات المصالح في العلاقات الدولية. لايوجد عندي اعتراض في إبرام صفقة مع الولاياتالمتحدة أو أي دولة في العالم طالما ستحقق مصر فوائد منها،وفي تلك الصفقة كانت الخسائر للجانب المصري أكبر كثيرا من حجم المكاسب،فإذا كنا سنحصل علي المساعدات المالية (لاتوجد ضمانات بذلك) فإنه في مقابل ذلك جري انتهاك سيادتنا الوطنية علي أراضينا بهبوط الطائرات الأمريكية دون إذن،كما جري انتهاك محراب العدالة،فكيف تكون صفقة ناجحة بينما جرت علي كرامتنا الوطنية وعلي حساب العدالة،حاسبوا وحققوا ثم حاكموا من وضعنا جميعا في هذا الموقف المتدني. مصر أكبر وأعلي وقال شبابها: ارفع رأسك فوق أنت مصري لكن هذا الشعار لم يسمع به من تفاوض باسم مصر في تلك الصفقة.