رئيس جامعة بنها يستقبل الأنبا مكسيموس مطران بنها وقويسنا للتهنئة بعيد الفطر    بنك المغرب المركزي يقرر تثبيت سعر الفائدة عند 2.2% للمرة الرابعة    وزيرة التنمية المحلية والبيئة: رفع درجة الاستعداد لاحتفالات عيد الفطر    هيئة الدواء: نسعى لتوفير أدوية مبتكرة في السوق المحلي    رئيس هيئة الدواء المصرية يبحث توطين الصناعات الدوائية المتطورة    الإحصاء:12.3 مليار دولار صادرات مصر لدول غرب أوربا خلال 11 شهر    ماكرون: مستعدون لمرافقة السفن بمضيق هرمز لكن ذلك مرهون بتوقف الضربات العسكرية    ماكرون: أي مهمة في مضيق هرمز بحاجة إلى التنسيق مع إيران    تطورات أزمة محمد عواد في الزمالك.. وقرار منتظر من إدارة الكرة    رغم الحرب الأمريكية وغموض المشاركة.. نيوزيلندا تستعد لمواجهة إيران في مونديال 2026    مصرع شخصين في حادث انقلاب سيارة بطنطا    المشدد 15 سنة لتشكيل عصابي تخصص في الاتجار بالآيس والاستروكس بالمرج    جنازة مهيبة لشاب ضحى بحياته دفاعا عن عامل توصيل فى بورسعيد.. صور    مسرحية «ابن الأصول» لميرنا وليد على خشبة مسرح ميامي بعيد الفطر المبارك    استنفار خليجى لمواجهة تهديدات إيران.. قادة مجلس التعاون فى تحرك عاجل لتأمين المنطقة    وكيل مجلس الشيوخ: مصر بقيادة الرئيس السيسى تبعث رسالة سلام للعالم    قائمة المهددين بالغياب عن ربع نهائي دوري أبطال أوروبا    لن يحتاج لحارس الرديف.. نوير وجوناس أوربيج يعودان لتدريبات بايرن ميونيخ    كشف ملابسات فيديو مزاعم تعدى الشرطة بكفر الشيخ    جراحة دقيقة لطفلة سقطت من ارتفاع بمستشفى رأس سدر المركزي    3 أسرار تخلصك من البطن السفلية بعد الأربعين    أسامة قابيل: إعطاء الزوجة عيدية ليس بدعة ويؤجر الزوج عليها    قرار جمهوي بالعفو عن باقى العقوبة لبعض المحكوم عليهم بمناسبة عيدي الفطر وتحرير سيناء    وزير الخارجية يوجه بتلبية احتياجات المصريين بالخارج ودعمهم    تموين القاهرة تضبط أسطوانات بوتاجاز وسلع متنوعة قبل تسريبهم للسوق السوداء    تعرف على طرق حجز تذاكر قطارات عيد الفطر 2026    نائبة وزيرة التضامن تشهد ختام أعمال مبادرة "أنا موهوب" بمحافظة القاهرة    5 أيام.. البورصة تحدد موعد إجازة عيد الفطر 2026    خالد فهمي: منهجي في «ولي النعم» يقوم على إلغاء التعلم وتفكيك الانطباعات المسبقة عن الشخصية التاريخية    برشلونة يخطط لتجديد عقد كريستنسن لموسمين إضافيين    الهلال يشكو حكم مباراته ضد نهضة بركان رسميا    في ذكرى رحيله.. «البابا شنودة» رمز روحي ساهم في ترسيخ الوحدة الوطنية    الصحة: توفير 3 آلاف سيارة إسعاف و40 ألف كيس دم خلال إجازة عيد الفطر    كفر الشيخ تحصد كأس بطولة الدورة الرمضانية للجامعات    السعودية تدعو لتحري هلال شوال غدًا    الهلال الأحمر يُطلق قافلة «زاد العزة» 158 لدعم الأشقاء الفلسطينيين    أبو حيان التوحيدى ونجيب محفوظ.. أبرز مؤلفات الدكتورة هالة فؤاد    غسل أموال ب15 مليونا.. سقوط بلوجر استثمرت أرباح فيديوهات الرذيلة فى العقارات    الضفة.. مستوطنون إسرائيليون يقتحمون قبر يوسف في نابلس    الأهلي يفوز على الاتحاد..والزمالك يهزم الجزيرة في دوري الطائرة    تداول 21 ألف طن و1040 شاحنة بضائع بموانئ البحر الأحمر    البيت الفني للمسرح يعيد عرض «ابن الأصول» على مسرح ميامي في عيد الفطر    مع عيد الفطر.. «الصحة» تحذر من مخاطر الأسماك المملحة وتوجه نصائح وقائية عاجلة    البابا تواضروس الثاني يهنئ رئيس مجلس النواب بعيد الفطر المبارك    ريهام عبد الغفور في حكاية نرجس: «أنا ليا حق عند الحكومة بس مسمحاها».. والجمهور يرد: «يا بجاحتك»    الرئيس الأوكراني: لا نخشى تهديدات إيران بضرب أراضينا    البابا تواضروس الثاني يهنئ الرئيس السيسي بعيد الفطر المبارك    وزير الصحة يلتقي نظيره الروسى فى موسكو لبحث ملفات التعاون المشترك    وزير الصحة يعلن خطة التأمين الطبي والإسعافي الشاملة لعيد الفطر    الاتحاد العربي للإعلام الرقمي: هناك محاولات متكررة لزرع الخلاف بين الشعوب العربية    أمين الفتوى بالإفتاء: إخفاء ليلة القدر كرامة للأمة.. والاعتكاف مستمر حتى إعلان موعد العيد    أسعار الأعلاف بأسواق أسوان اليوم الثلاثاء 17 مارس 2026    إيران.. انفجارات شرق طهران وقصف يستهدف منطقة نياوران    اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عنا.. صلاة التهجد من كوم أمبو    الأهلي يحتج على قرار «كاف».. ويتمسك بحقه في نظر استئناف عقوبة الجماهير قبل لقاء الترجي    إيمان أيوب: نور الشريف مدرسة حقيقية في التمثيل والثقافة الفنية    الحلقة 13«بابا وماما جيران»| نجاح محاولات الصلح بين أحمد داود وميرنا جميل    تفكيك خلية مرتبطة ب "حزب الله" في الكويت: إحباط مخطط لعمليات عدائية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



في هذا اليوم - وهو يوافق ذكري رحيل أبي الكاتب والمفكر الكبير محمد زكي عبد القادر - اعتدت ان أعود الي أوراق قديمة احتفظت بها وكأنها كنز!«
اليوم يوافق
نشر في الأخبار يوم 07 - 03 - 2010

في هذا اليوم - وهو يوافق ذكري رحيل أبي الكاتب والمفكر الكبير محمد زكي عبد القادر - اعتدت ان أعود الي أوراق قديمة احتفظت بها وكأنها كنز!«
اليوم يوافق ذكري رحيل أبي الكاتب والمفكر الكبير محمد زكي عبد القادر، في هذا اليوم اعتدت ان الوذ في مسائه بأوراقي القديمة وذكرياتي، والانسان بلا ذكريات قديمة، إنسان يعيش في فراغ، إن الذكريات جزء منا، قطعه من حياتنا وأعمارنا، صنعتنا دون أن نعرف أو نحس، لونت حياتنا، غذت أحلامنا، سكبت في أفئدتنا رحيق الحب والخير والجمال، وسكبت في كئووسنا الحزن والمحنة والعذاب، ومن هذا الخليط العجيب المتنافر كنا نحن، وكان طريقنا في الحياة، مملوءة حينا بالحب والخير والجمال، ومملوءة حينا بالحزن والمحنة والعذاب، ولا فرق بينهما ولا تناقض، فكما فعلت معنا ذكرياتنا الماضية، تفعل معنا أيامنا الحاضرة، وتفعل بنا ما تقبل من أيام.
إن ذكرياتنا هي القوائم التي تعتمد عليها خواطرنا وأفئدتنا ، ويرتد اليها نجاحنا واخفاقنا، بهجتنا وأحزاننا، إذا ضحكنا اليوم، لم تكن الضحكة حصاد الساعة فحسب، ولكنها حصاد الماضي مهما يكن بعيداً، إذا حزنا لم يكن حزننا حصاد الساعة فحسب، ولكنه حصاد ايام خلت، وأحزان كانت في قلوبنا ذات يوم، نحسب أنها ذهبت، وهي في الحقيقة بعض وجودنا، وكيف يذهب ما هو بعض الوجود!
في هذا اليوم اعتدت أن أعود الي ذكريات مضت، أنها أوراق قديمة احتفظت بها وكأنها كنز، مع أنها لا تعدو أن تكون بعض الرسائل والخواطر التي خطها أبي بقلمه، وبثها أحاسيسه واحزانه وتجاربه، هي خلجات نفس صادقة، ومشاعر نابعة من القلب والوجدان، إنها أوراق عزيزة علي، أشعر وأنا أقرأها أنها تتغلغل في كل ذرة في كياني، وتهز اعماقي، وتدفع الدموع الي عيني.. إنها قطعة مني ومن حياتي.
إبني.. نعمتي ونعيمي
هذه السطور كتبها أبي بعد ولادتي.. كان لا يحب قبل زواجه الاطفال، ويتعجب في نفسه كيف يحب الناس الاطفال، ان فيها تصويرا صادقا لعاطفته التي تحولت بعد أن رزق بطفل..
أي بني.. أيها الغارق في أحلام النور، والشادي في سموات العلا، ايتها الزهرة الأولي التي اهدتها لي اطباق المجهول.. وجعلت فيها نعمتي ونعيمي.
إنك تنام اليوم تحملك أيد تحنو عليك، وتسهر حولك عيون تحبك وترعاك، لا تعرف من هذه الدنيا الكرامة المجروحة، ولا الأمل الضائع، لا تفهم منها اكثر مما يتراءي لك.. أحلام ونور!!
اتعرف يابني ماذا يطوف بقلب ابيك الذي يبتسم في وجهك ويضحك، افتعرف بماذا تزخر نفسه كل يوم وهو يطالع عينيك اللامعتين، ويقبل فمك الصغير.
افتعرف انه ينظر اليك ساعات وساعات، ووجهه المنير يقتم رويداً رويدا، وعيناه الفرحتان تثقلان وتثقلان لأن دمعة كبيرة تترق فيهما.
أفتعرف أن هذه الدمعة الكبيرة ساعة تنحدر، يضمك الي صدره ويقبلك مرات ومرات، ودمعات كبيرة اخري تتسابق الي مآقيه المجروحة، ونفسه الحزينة.
آه يا بني لو عرفت كل هذه الحقائق لعدت من حيث اتيت، ولرجعت الي استار المجهول، ولكنك اليوم لا تعرف شيئا، ومن أجل ذلك، فأنت في بسمة ونور.
إني لاشفق عليك أن تحتمل ما احتمل ابوك، وأن تكون قسمتك في هذه الحياة مثل قسمته، شمعة تحترق لتنير.. أجل أنني اخشي عليك ألا تنعم في الحياة ببهجة الشباب، فتدرك متاعبها في أولي الخطوات.
أشفق علي نضرتك أن تذبل، ونور عينيك أن يخبو، واحلامك العذبة ان يدركها القتام.. ها هي اعصاب الليل تتراخي، ونجوم السماء تسقط الواحدة تلو الاخري ونور النهار ينسل رويداً رويداً، فيبسط علي العالم النائم اجمل الاحلام، وأعذب الرؤي، وأنت.. أنت يا طفلي العزيز، تناغي بصوتك الملائكي كل ما تفيض به الطبيعة من سحر وفتنة، فيكمل بك جمالها وطهرها، وأومن حقا في هذه الساعة وحدها ان اسعد ما في الحياة »وجه طفل«.
وأحملك بين ذراعي وأجعل عينيك إلي السماء.. إلي النجوم المتلاشية.. إلي النور الذي يشع في صفحتها رويداً رويداً، وأرقب تقاسيم وجهك في هذا الهدوء الشامل، فأحسبك فيلسوفا تقيس الاخيلة والأحلام! حقا إن أروع ما في العالم من فتنة وسحر، وجه الطبيعة ووجه الطفل.. إني لاعرف مصير هذه النجوم المتلاشية، أعرف مصير هذا النور الذي يبسط علي العالم جناحيه، أعرف أن ظلمة الليل تنجلي ليطلع النهار.. أعرف كثيرا من حقائق الحياة ودروسها، أعرف الامها وأحزانها، مرنت علي بأسها ونعيمها ، ولكني في كل ما عرفت وجربت لا استطيع ان اتبين القدر الذي يتلقاك غدا، وكل ما أعرفه الان انك وكل طفل في العالم جئتم اليه كي تبسطوا علي عذابه رحمة، وعلي ظلمته نوراً.
كم أخشي عليك يا بني هزة القدر، وعصف الايام، أخشي أن تحمل اليك العذاب والمحنة فتجعل حياتك كما جعلت حياة ابيك، شقوة وعناء.
كم أنظر إلي عينيك اللتين لا تبسمان الا بالنور والامل، وأفكر يوم تؤودك الايام، فتفيضان حزناً ودموعاً، فأحس في أعماق صدري بالظلم الذي يطوف بالبائسين، بالمتاعب التي تدخل علي الامنين، وتبدل من أفراحهم، اتراحا ومن أمالهم الاماً.
يوم زفت لي أمك أن في بطنها جنيناً يختلج، كنت قاسيا عليك وعليها، لابل مشفقاً عليكما إلي أبعد ما يتصور مشفق رحيم، كنت قاسيا لاني تجهمت في وجهها، وفي وجهك انت، أنت الذي كنت حينئذ نطفة لا تحس ولا تري، فكرت يا بني فيك، وقد استكملت شهور حملك، وبزغ نورك إلي الحياة، وأبوك لا يستطيع أن يقدم لك، وأنت عزيز عليه عزة الحياة نفسها، كل ما تحتاج إليه طفولتك، وكم فيها من حاجات.
اما اليوم وقد انار مقدمك ظلمة الحياة كلها، وجعل منها فردوساً لم أكن احلم به من قبل.. ها أنا ذا استغفر اليك يا بني عما بدر مني، استغفر إليك عما تجهمت في وجهك، وإن لم يكن لك حينئذ وجه ولاعين.
إنني عندما كنت اعود الي المنزل في منتصف الليل وقد اتممت عملي المضني، أري في بسمة واحدة من بسماتك ما يبدد عني العناء والضني، فلك مني كل حمد وشكر، فأنا كافر لو لم اسجل لك هذه النعمة وهذا النعيم. مباركة كل أنثي الف مرة، ومبارك الله الف مرة، حين يخلق الي العالم طفلا صغيرا، فيضيف إلي ملائكته ملاكاً جديداً، حين ينزل بهذا النور فيبدد به كثيراً من مظالم الحياة وبأسها.
والآن يا بني لادعك غارقا في أحلامك ونورك، ولأعد الي شقوتي وعنائي، لأعد إلي حقائق الحياة القاسية، ولادعك في نعومة الخيال وعذوبة المجهول، ملكا مع ملائكة، ونوراً مع أنوار، وطيفاً من طيوف.. خذ يا بني ما استطعت من هذه السعادة، والتهم منها ما شئت، ففي افق الحياة شفق تطلع بعده آلامها وأحزانها، اجتازه ابوك منذ زمن بعيد، ومازال بينك وبينه أمد بعيد.. أدعو الله أن يطيل فيه نورك وأحلامك!!
وداعاً وإلي الملتقي!
هذه الكلمات كتبها أبي بعد رحيل أمي.. كانت مصابة بداء الصدر، لم يكن له علاج في ذاك الوقت، اختطفها الموت وهي في ريعان شبابها، كانت زهرة نضرة في الثانية والعشرين من عمرها.. وكان أبي في السادسة والعشرين.. هكذا استقبل هذه المأساة القاسية وهو مايزال شابا طري العود، لم يطرق ابواب الحياة بعد..
لم اشهد موتك - يا عزيزتي - ولم أقف الي سريرك حين لفظت انفاسك الاخيرة، فلم أعرف كيف جازت روحك الي ربها، ولكنني حين كشفت الغطاء وجدت علي وجهك هذا النور الراضي. وهذه البسمة الامنة، فأيقنت انك ارتفعت الي السماء، كما يرتفع الملاكمة الابرار.
» والان يالعمق المي - يا عزيزتي - إني لاحس بالسخرية حين أزعم أني أعبر عنه بالقلم، انه لاسمي من القلم، وأسمي من الكلام، وأسمي من الدموع، واسمي من كل شئ في الوجود، هذا الوجود الذي كرهته، ولولا بسمة طفلي العزيز تنير ظلام نفسي، وتضفي علي قلبي الاسيف نور الأمل والرجاء، ما بقيت حريصاً علي الدنيا لحظة واحدة.
واني لاجلس الان وخاطري وخيالي وذكرياتي ونفسي، تذهب جميعاً إلي الماضي، هذا الماضي العزيز الذي نسجنا خيوطه سويا، فألف بين قلبينا، ومنح روحينا الخلود، هذه الساعات السعيدة، هذه الايام المقدسة، هذه السنوات الخمس الطويلة التي شاركتني فيها الحياة بكل ما تحمل الي الاحياء من خير وشر، فكنت شريكة كريمة نبيلة عزيزة علي وعلي من عرفك من الناس اجمعين، هذه السنوات والشهور والساعات بكل ما حفلت من ذكريات تجتمع اليوم في خاطري بعد أن اودعتك الثري، واصبحت الي جوار الله في جنات الخالدين، تجتمع هذه الذكريات كلها في خاطري، فترفعك في نفسي إلي مكانة التقديس، وستبقي ابداً تراثي العزيز، أحرص عليه حرصي علي الحياة الي أن يأذن الله، فيكون ملتقانا القريب أو البعيد.
اما وديعتك، ووديعة الله لنا، هذا الطفل الحبيب العزيز، فسيبقي في رعاية الله، يمنحه الهدوء والسعادة، ويشمله ابداً بالعطف والنور والحب الي ان يشتد عوده، فأدعه يعرف أن كانت له أم من خير الامهات، وعلي قبرك سأنثر وإياه ازهار الذكري التي لا تبيد..«
أما انت.. فليكن مضجعك راضياً.. ولتقر نفسك في سماء الله العلي، فتمرحي في جناته، فأنت جديرة بهذا التكريم.
وداعا.. ولتغفري لي كل ما قدمت إليك من اساءة اذا كنت قد فعلت، ولتجففي بنفسك الراضي دموع عيني التي لاتتوقف، ولتشملي بنور قلبك الوفي نيران قلبي الحزين.
أشعر أني لا أستطيع متابعة الكتابة، إن الألم يضغط علي ضغطا شديدا، إن الذكريات تتزاحم في خاطري، فتملأ عيني دموعا، ونفسي أسي وحسرات«.
كنت لك اباً وأماً
وهذه إحدي الرسائل التي كتبها لي أبي خلال وجودي في الريف أثناء الاجازة الصيفية.. وكنت في الثالثة عشرة من عمري.
لقد بذلت جهد استطاعتي ان اكون لك أبا وأما، وأن أملأ الفراغ الذي خلقته تلك التي عاشت لك، وكانت في حياتها زهرة عطرة فيها رقة الزهور وجمالها.. وأسفاه وكان لها عمرها، لم أحدثك عنها قط، آثرت أن تنساها وأنت في طفولتك العذبة، آثرت الا اكسر قلبك، ولكنني أصبحت احس بواجبي في أن احدثك عنها كي تحبها وتتذكرها ابداً، ولم أكن استطيع ألا أن افعل ذلك، فإن لها في عنقي وعنقك دينا لابد أن نفيا به، ولست أحب ان نذكرها بالدموع، ولكنني أحب أن نذكرها بأن تصبح في مقتبل ايامك جديراً بها وبأمومتها، ولعلك لا تعرف يابني أنها لفظت انفاسها الاخيرة بعيدة عنك وعني، ولعلك لا تعرف أن إسمك ورسمك كانا آخر ما دار في خيالها، أغمضت عينيها لست اعرف كيف، ولكنني أتصورها - وقد كانت تعبدك - تسأل ربك وربي أن يرعاك ويحرسك«..
ان قصتي معك طويلة يا بني، فكم ليلة بت فيها مسهدا أبكي وأ نت غارق في أحلامك، أسأل ربي: ماذا أنت وما ستكون، وكيف أستطيع أن افضي إليك حينما تكبر، بقصة أمك التي ذهبت الي ربها وتركتك في كفالته، وقد رعاك ربي كما رعاني، افاض علي من نعمته لانني احببتك، ووفيت لأمك وذكراها، لم أدعك قط تحزن، لم أدعك تشعر أنك فقدت أعز مخلوق عليك، كانت الدمعة في عينيك ترعبني يا بني، كنت احسبها لا تجيء من مخلوق، ولكن من ملاك.. لقد زادتني ظروفك حبا للناس واشفاقا عليهم، لم أحبك أنت فقط، ولكنني احببت كل طفل، أحببت الناس جميعاً.
كم أرجو يا بني ان يتسع قلبك انت ايضا فتحب كل الناس، اياك أن تحقد علي أحد، ان البشر ضعاف مساكين، لا تكره الحاقد يحقد عليك، ولا المذنب يسئ اليك، ولا اللص يسرق مالك، بل أرث لهم يا بني، حاول أن ترفع عنهم ذنوبهم ما استطعت، كن في حياتك بلسماً ونورا، رحمة وسلاماً، إجعل المكان الذي توجد فيه يرفرف عليه الحب والنعمة والرضا، فأنت لا تعرف ماذا يخبئ القدر، لا تكن مغرورا.. إن المال والجاه والصحة، إنها كلها عارية لك اليوم، وغدا قد لا تكون، ان الله يعطي والله يمنع، لا تحسب أنك تملي علي القدر، ولكن القدر هو الذي يملي علينا.
لقد فقدت عطف امك منذ طفولتك، فنثر هذا علي وجهك نوعاً من السكون والحزن الكظيم، وأني لاعرفه يا بني وان حاولت اخفاءه، ولكنك تستطيع ان تحول هذا الحزن الي مسرة عظمي، إذا عرفت كيف تحب الناس جميعاً.
فقدت طعم الحياة!!
وهذه ايضا رسالة اخري تلقيتها من أبي خلال العطلة الصيفية، وكنت في ذاك الوقت في المرحلة الثانوية، واقضي جزءا من الاجازة في قريتنا بالشرقية.
لست ادري يا بني لماذا فقدت كل طعم للحياة، أضحيت فيها كالآلة التي تعمل ليل نهار، ولكنها لا تحس بالعمل، ويلوح لي أنها ستظل كذلك الي ان تتوقف عن العمل، كنت من قبل احب الطبيعة وأعشق جمالها.. كنت أحب أن أسكن اليها، وأهرب من الناس، أما الان فأصبحت اهرب من الطبيعة الي الناس، لا كرهاً في الطبيعة، ولكن لانها لم تعد تحرك الأحاسيس التي كانت تحركها من قبل في نفسي، وهذه امارة سيئة، أنا الذي نشأت في ظلال الريف العزيز، احببته وأحبني، ماذا دهاني وماذا دهاه، أما هو فمايزال كالعهد به، كل يوم في خلق جديد، نبت صغير، وشجر كبير، غدير هدار، ومجري عذب سلسبيل، ناعورة ونافورة، سنابل القمح الذهبية، ابراج القطن الفضية، كل امارات الريف ماتزال كما هي، اما انا فيلوح لي أن كل احساس قد اوشك ان يتغير، وكل تصور قد اوشك ان يتحول.
كان الحب والصفاء والهدوء، وعذوبة النفس ملاذي كلما آذتني الحوادث، وأثقلتني الكروب، وكانت طفولتك يا بني تمنحني رقة لم يمنحها لي شئ في الوجود، وكان ابي يسبغ علي عطفا ما أشد حاجتي اليه، وكنت أحس في نظراته انه قدر من الحب لا أحسه في الوجود كله.
اما انت يابني فقد كبرت، لم تعد طفلا، درجت من الطفولة الي مدارج الفتوة، واني لمغتبط ان أراك تنمو في ازدهار، ولكن احساساً مؤلماً ينتابني هو أحساس الزارع الساقي الذي يحنو علي نباته وهو رطب، تربط بينهما روابط عديدة دقيقة ، فإذا نما الزرع واشتد ساعده، لم يعد في حاجة إلي الرعاية، أو أضحت حاجته اليها قليلة، وفي فترات متفاوته..
لعلك لا تذكر شيئا مما كان يا بني، لم تكن تخطئني لحظة واحدة في الليل والنهار، كنت تفتقدني في كل وقت، فإذا كنت إلي جانبك، فأنت مغتبط سعيد، أما الان يا بني فقد نشآت لك صداقات مع أقرانك أصبحت أنا نجماً يميل إلي الانحدار في افقك.
لكم أحب ان أعيش لحظات في الماضي يا بني، حينما كان ابي يغمرني بعطفه وحبه، فأحس أنني مهما تقسو الدنيا علي، ومهما أجد من الجحود والنكران، فإن رحابه تسع ألمي، وصدره الحنون يذهب عني الحزن والخوف والجزع واليأس.
ما أمر الكأس التي شربتها بفقده أتذكر يابني الكأس التي شربتها بفقده أتذكر يابني تلك الامسيات العذبة التي كان يجتمع فيها شملنا أنت بطلعتك الحلوة وهدوئك الذي لم يفارقك منذ طفولتك وهو بوقاره وهيبته وطيبة قلبه وأعمامك وأعمامي واخوتي.. نحن جميعا في عقد مجتمع تحت تلك »التكعيبة« التي أراها اليوم مكتئبة حزينة وكانت بالأمس في أنضر أثواب الشباب.. أتراها هي الاخري شعرت ان الجمع قد انتثر الي غير التئام.. وآسفاه يا بني.. لا تزال الارض هي الارض والزرع هو الزرع، والماء هو الماء، والقمر هو القمر والليل هو الليل، ولكن لماذا لا أحس لها الجمال الذي كنت احسه؟.. أذكريا بني ابدا ان طفولتك التي قضيتها في أحضاني، فكنت لك أباً وأماً هي التي كونتني وصهرتني وعذبتني واسعدتني، واذكر انني اعيش اليوم علي خيالها بكل ما كان فيه من قسوة وألم وحرمان، إنها تثير اليوم في عيني الدموع، وما اسعدني إذ ابكي الآن وأنا أكتب هذه الكلمات، لقد حسبت أن عيني جفتا، وأن كل إحساسي قد خمد في نفسي الي الابد.
ولست أدري يا بني لماذا اكتب لك هكذا، ولكنني نذرت حينما بدأت اكتب لك هذه الرسائل ان اسجل فيها خلجات نفسي جميعاً، فأقبل الخير منها كما تقبل الشر، واقبل ما فيها من بهجة، وما قد تثيره من دمع.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.