وإن توقع البنك الدولي، منذ حوالي سنة، أن يرتفع معدل النمو الاقتصادي في الدول الواقعة جنوبي الصحراء في القارة الإفريقية، فإنه اليوم مذهول ومصدوم لمعدلات النمو المرتفعة جدا، التي حققتها الكثير من الدول الإفريقية خلال سنة 2018، لأنه ببساطة كبيرة لم يكن يتوقع، ولم يخطر علي بال أكبر متخصصيه وخبرائه،أن يتجاوز معدل النمو في دول إِفريقية سقف 8 بالمائة في ظرفية اقتصادية عالمية بالغة الصعوبة والتعقيد، ألقت بظلالها علي أكبر وأقوي الاقتصاديات، التي عرفت انكماشا يكاد يكون غير مسبوق. نعم، توقعت هذه المؤسسة المالية العالمية أن ترتفع معدلات النمو في هذه الأقطار، خلال سنوات 2018 و2019 و2020 في حدود 5 بالمائة، وعزا خبراؤها ذلك إلي ارتفاع أسعار المواد الأولية التي تصدرها الدول الإفريقية، وزيادة الاستثمارات، إضافة إلي تعافي الاقتصاد العالمي، ولكنها لم تتوقع أن تتقدم كثير من الدول الإفريقية لائحة الدول في العالم، التي حققت معدلات نمو خيالية خلال السنة الماضية، حيث تفيد الإحصائيات في هذا الصدد، أنه من أصل عشر دول حققت أعلي معدلات النمو الاقتصادي العالمي خلال سنة 2018 توجد ست دول إِفريقية، والغريب والمثير أن لائحة الدول هذه خلت من اسم أية دولة أوروبية، ومن اسم الولاياتالمتحدةالأمريكية التي تعتبر صاحبة أقوي اقتصاد في العالم، وحتي من أسماء دول اعتادت التربع علي لائحة الدول الحاصلة علي أعلي معدلات النمو الاقتصادي، من قبيل الصين وتركيا وألمانيا. والمذهل أن لائحة العشر دول التي حازت أعلي معدلات النمو في العالم خلال السنة الماضية، هي دول تنتمي جميعها إلي الاقتصاديات المتخلفة والنامية، ويتعلق الأمر بغانا التي حققت معدل نمو جد مرتفع وصل إلي 8،3 بالمائة، واقتربت منها دولة إثيوبيا بمعدل نمو وصل إلي 8،2 بالمائة، في حين احتلت دولة الهند الرتبة الثالثة بمعدل نمو وصل 7،3 بالمائة، وتلتها جمهورية الكوت ديفوار، التي حققت معدل نمو وصل إلي 7،2 بالمائة، بيد أن دولة دجيبوتي وصل معدل نمو اقتصادها إلي 7 بالمائة، ثم كامبودج وبهوتان والسينغال بمتوسط نمو وصل إلي 6،9 بالمائة، في حين وصل في تنزانيا إلي 6،8 بالمائة، وأخيرا الفلبين بمعدل نمو وصل إلي 6،7 بالمائة. جيل جديد من الدول، التي تتقدم نحو المراتب الأولي، فيما يتعلق بنجاح نموذجها الاقتصادي، وتزيح دولا هيمنت علي تحقيق أهم المؤشرات الاقتصادية الكبري والصغري طيلة عقود من الزمن، في ظروف اقتصادية عالمية صعبة للغاية، يعرف خلالها الاقتصاد العالمي مزيدا من الانكماش، وتصاعدا في ارتباك السياسات التجارية الدولية، في ضوء الخلافات والنزاعات والتجاذبات التي تأخذ مناحي تصعيدية، في كثير من الأحيان، بين كبريات الاقتصاديات العالمية، مما فسح المجال شاسعا أمام مؤشرات عدم اليقين في العلاقات الاقتصادية الدولية. ولعل هذا وغيره كثير، يفسر تباطؤ النمو الاقتصاد العالمي، فأكثر التوقعات تفاؤلا تؤكد أن معدلات النمو الاقتصادي في العالم، ستبقي ثابتة خلال السنتين الماضية والحالية، وأنها بذلك لن تتجاوز 3،7 بالمائة سنويا، وتحقيق هذا المعدل يعتبر مع ذلك انتصارا علي المخاطر الكثيرة، التي يواجهها الاقتصاد العالمي في ظروف بالغة الدقة والصعوبة، تتحكم فيها اعتبارات سياسية وأمنية. ومع ذلك، فإن دولا ذات اقتصاديات نامية، خصوصا في القارة الإفريقية نجحت في التفوق علي كل هذه الصعوبات، وكسبت رهان جميع التحديات وتمكنت من التحليق عاليا، فيما يتعلق بتحقيق الانتصارات الاقتصادية. سيكون من قبيل الظلم المؤلم، القول بأن هذه الدول حققت ما حققته لأسباب تعود إلي الصدفة أو حتي إلي عوامل خارجية، بل الواقع يكشف لنا أن كل هذه الدول اعتمدت سياسات تنموية واقتصادية تسعي إلي تمتين صلابة الاقتصاد، وقامت بإصلاحات في المجال الاقتصادي، علي مستوي القوانين والتنظيم وغيرهما محفزة للاستثمارات ومعززة لشروط النمو الاقتصادي. ولم يكن ليكتب لهذه الإصلاحات النجاح لولا استنباتها في تربة سياسية صالحة، ولنا أن نستحضر أن الأقطار الإفريقية، التي حصدت أعلي معدلات النمو في العالم، خلال السنة الفارطة تنعم باستقرار سياسي عام بسبب التطور الكبير، الذي عرفته الممارسة الديمقراطية فيها، والتي تتجسد في وجود انتخابات رئاسية ونيابية تحقق أعلي مستوي من الشفافية والنزاهة، وأن الخطابات الرسمية والشعبية، التي تهم محاربة الفساد وترشيد النفقات تجد لها مساحات شاسعة في الاستعمال والتداول، والمثير للإعجاب في كل هذا، أن الأمر يتعلق في بعض الحالات بدول كانت تمثل مرجعاً لخطاباتنا الشعبية، حول الفقر والتخلف والمجاعة، وبدول أخري خرجت بالكاد من حروب أهلية فتاكة، اقترفت خلالها جميع مظاهر الإبادة والتدمير، لكن كل هذه الدول ضمدت جراحها وتفرغت بالكامل إلي ما يضمن تسريع وتيرة الأداء، نحو تحقيق المكاسب الاقتصادية التي تستطيع وحدها القضاء علي مظاهر الفقر والعوز والتخلف. هكذا إذن، تستحق هذه الدول أن تمثل نماذج فعالة، بالنسبة إلي كثير من الأقطار والتكتلات، في كل ما يتعلق بالنجاح الاقتصادي، بعدما كانت إلي وقت قريب جدا تمثل نماذج سيئة، فاشلة تقتضي الضرورة والمصلحة تجنبها والابتعاد عنها. • نقيب الصحفيين المغاربة