تحت إشراف قضائي.. السيد البدوي يفوز برئاسة حزب الوفد بفارق 8 أصوات    خبير يحسم الجدل: التعليم المفتوح انتهى وهذا هو البديل القانوني    ورشة توعوية عن أهمية العرائس المتحركة لتخفيف التوتر والفوبيا لدى الأطفال    مياه الأقصر تعلن إنقطاع المياه عن مدينة إسنا لأعمال ضم خط طرد محطة 6    تراجع جديد في أسعار الذهب خلال تعاملات الجمعة 30 يناير .. الجرام يخسر 460 جنيهًا    غرفة عمليات وحملات صباحية ومسائية لضبط الأسواق خلال شهر رمضان بالأقصر    اتفاق شامل بين دمشق وقوات "قسد".. وواشنطن تعتبره "محطة تاريخية"    حسن عصفور: الرنتيسي كان من بين الذين حاولوا تعزيز الوحدة الفلسطينية    ترامب: أسطول أمريكي ضخم يتجه الآن نحو إيران وسنرى ماذا سنفعل إذا لم نبرم الصفقة    فاركو يسقط أمام زد في الدوري    الأهلي يختتم تدريباته استعدادًا لمباراة يانج أفريكانز    تفاصيل مصرع وإصابة 17 شخصًا في انقلاب مروع لميكروباص بالبحر الأحمر    الأرصاد تكشف تفاصيل حالة الطقس غدا السبت ودرجات الحرارة المتوقعة    بالأسماء.. إصابة 10 أشخاص جراء انقلاب ميكروباص بالطريق الدولي بالبحيرة    برومو «عرض وطلب» ل سلمى أبو ضيف يشعل السوشيال ميديا    كيف تٌشخص أعراض الأنيميا الحادة؟.. حسام موافي يوضح    توصيات «نقل حوض النيل»: تأهيل مهني وتضامن عمالي عابر للحدود    جنوب إفريقيا تطالب الممثل الدبلوماسي الإسرائيلي بمغادرة البلاد خلال 72 ساعة    الداخلية تكشف حقيقة هدم عقار دون وجه حق في حضور الشرطة بالسويس    منتخب مصر لسلة الكراسي المتحركة يطير إلى الكويت للمشاركة في البطولة العربية    ياسر جلال يشوق محبيه بوستر أبطال مسلسل «كلهم بيحبوا مودي»    أمين عام الحملة الدولية لمناهضة الاحتلال: فتح معبر رفح خطوة أولى لإعادة إعمار غزة    قلة النوم في شهر رمضان.. تأثير السهر على الجسد والتركيز    أهم أخبار الكويت اليوم الجمعة 30 يناير 2026.. انطلاق أعمال المنتدى الإعلامي الإماراتي الكويتي بمتحف المستقبل في دبي    محافظ القاهرة يتابع إزالة كوبري السيدة عائشة ويكشف محور صلاح سالم البديل    من الموسيقى إلى الرواية.. الفن والمعرفة يفتح أسئلة جوهرية بمعرض الكتاب    وزير الثقافة الروماني: معرض القاهرة للكتاب يمثل مفاجأة ثقافية إيجابية    مهرجان مالمو يعلن عن شراكات عربية - سويدية تصنع أفلاما تُعرض في مهرجانات عالمية    فرحة فى الأقصر بافتتاح مسجدين بالأقصر بعد تطويرهما    استعدادا لفتح معبر رفح.. مستشفيات شمال سيناء ترفع جاهزيتها لاستقبال المصابين الفلسطينيين    مياه الفيوم تدفع ب 10 معدات لحل أزمة مصرف غيط العلوي بسنورس    السيسي يكشف الهدف من زيارة الأكاديمية العسكرية    وزير الصحة يتابع المرور الميداني على 29 مشروعا صحيا جاريا في 10 محافظات    الرئيس البرتغالى يمنح حاكم الشارقة القلادة الكبرى لأعلى وسام شرف ثقافى    صورة اليوم.. الثقافة والإيمان يجتمعان فى الجمعة الأخيرة بمعرض الكتاب    عالم بالأوقاف يكشف ل مدد سبب انتشار الزواج فى مصر على مذهب الإمام أبى حنيفة    الداخلية المصرية والشرطة الإيطالية تنظم ورشة العمل الختامية لبروتوكول تدريب الكوادر الأفريقية    الحكومة تكشف حقيقة ما تم تداوله بشأن استيراد مصر للتمور الإسرائيلية    منى عبد الكريم تعلن انتقال حمزة إلى برشلونة بعد توقيع العقد الثلاثى مع الأهلي    محافظ بني سويف يحذر الموظفين: لا تهاون مع المقصرين في تقديم الخدمات للمواطنين    ضبط 576 متهما بحيازة أسلحة نارية ومخدرات وتنفيذ 84 ألف حكم قضائي خلال 24 ساعة    رسالة سلام.. المتسابقون ببورسعيد الدولية يطربون أهالي بورسعيد والسفن العابرة للقناة بمدح الرسول    وزيرا الداخلية والأوقاف ومفتي الجمهورية ومحافظ القاهرة يؤدون صلاة الجمعة بمسجد الشرطة    رغم ضعف الراتب، الأفريقي التونسي يرفض التعاقد مع كهربا    الذهب في الإسلام... قيمة ربانية بين التشريع والاقتصاد..بقلم:د. هاني فايز حمد    حماة المال العام.. "الأمن الاقتصادي" يضبط 6 آلاف قضية متنوعة في 24 ساعة    الاتحاد السكندري يستضيف حرس الحدود في الدوري    أشرف قاسم: الأهلي اتخذ القرار الصحيح مع إمام عاشور    انطلاق منافسات فردي الناشئات بكأس العالم لسيف المبارزة    مواقيت الصلاه اليوم الجمعه 30يناير 2026 فى محافظة المنيا    وفاة شاب إثر تصادم موتوسيكل مع مقطورة قصب بقنا    الأوقاف توضح أفضل الأدعية والذكر المستجاب في ليلة النصف من شعبان    محافظ قنا: 18.5 مليون جنيه لتغطية ترعة الخطارة بنقادة بطول 900 متر    تعليم مطروح: نتيجة الشهادة الإعدادية الثلاثاء المقبل    طيران الاحتلال الإسرائيلى يرش الأراضى السورية بمواد كيميائية مجهولة    الصحة: فحص 20.6 مليون مواطن ضمن مبادرة الكشف المبكر عن الأمراض المزمنة    انتهاء قوائم انتظار جراحات المياه البيضاء بمستشفى نجع حمادي العام    الهيئة العامة للكتاب تنفي شائعات غلق معرض القاهرة وتؤكد انتظام الزيارة والفعاليات اليوم    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الفنان الثائر طه القرني في حوار عن الفن والسياسة:أناشد المشير تصحيح المغالطات التاريخية في بانوراما أگتوبر
لوحاتي مذگرات قانونية في وجه الأنظمة الفاسدة
نشر في الأخبار يوم 23 - 10 - 2011

الحوار مع فنان كبير يحتاج إلي جهد كبير، ولقد تحاورت مع هذا الفنان بثلاث لغات:
لغة الأعماق البعيدة، تلك التي تتجلي من عمق النفس والحس والحدس، حتي ليستحيل أن تحاوره إلا من داخله ومن ذات أعماله الفنية، الجدارية منها وغير الجدارية، التي تستقطب العيون التي في طرفها شوق للثورة علي الجمود وكسر حواجز العزلة مع الحياة، والسباحة ضد ثقافة التخلف، والتغريد خارج السرب بدراما الألوان.
لغة الناس »البسطاء قوي« بمفرداتها الكثيرة والعميقة في آن واحد، وقد أدخلهم الي التعبير الفني ربما للمرة الأولي بكل أنواعهم ونوعياتهم، وأطيافهم وشرائحهم، لتشكل منظومة تشكيلية، بكل تناقضاتها وتقابلاتها، واحتفائها بحشد هائل من »المهمشين« و»المهشمين« من الفقراء وبالذات الذين لايملكون إلا عافيتهم، في المدن والقري،عبر لوحاته الجدارية »المولد« و»السوق« وغيرها.
لغة الفرشاة التي يتخذ منها متحدثا فنيا، واحدا ووحيدا، عن رؤاه وآرائه وأوجاعه العامة والخاصة، الكامنة في الألوان والظلال والمساحات،ورب ضربة فرشاة بألف معني، والمعاني ملقاة علي كل طريق ، لكن الجمال يكمن في الصياغة، فرب صورة بألف كلمة، تنفي عن الفن التشكيلي- بهذا التكوين - أنه لن يعود فن النخبة والصفوة والقصور والصالونات والأبراج العاجية، ومصدر »شركات توظيف اللوحات« أو يفترض ذلك.
في الطريق الي مرسم الفنان التشكيلي »طه القرني« ارتسمت في الخاطر أكثر من علامة استفهام وتعجب وإعجاب، من خلال متابعتي الذاتية والنقدية لأعماله التي احتلت إحداها مانشيت »الأخبار« في سابقة هي الأولي من نوعها تذكرك بقصائد أمير الشعراء أحمد شوقي في الصفحة الأولي: ما هي الرؤية التي يجاهد في تشكيلها، وما هي الرسالة ؟ وما هي الينابيع التي ينهل منها؟ وكيف يتعاطي السياسة بمفهومها البسيط والمعقد والمناور في أسواق الحياة وموالدها واحتفالياتها ومناسباتها؟ وكيف يتسلل الي هذه النفوس المصرية ليستخرج مخبوءها ويستنبط قوانينها؟ وكيف أشعل الثورة في لوحاته توثيقا وتسجيلا، أو كيف احتوت لوحاته روح الثورة فتجاوزت عيون الكاميرا؟.
دخلت المرسم في »أرض الجولف بمصر الجديدة« شاهدت دراما شعبية للمواطن المصري البسيط، بعذوبته وعذاباته، بشجاعته وخوفه، بدهائه وتلقائيته، بثوراته وثرواته، بأشواقه وحنينه، وعبقريته وجنونه، وصوته وسوطه، باستفزازه وابتزازه، بصوفيته وحيرته، بتخطيطه وتخبطه.
لا يتكلم الفنان طه القرني إلا من وراء حجاب اللوحات وهمسا، بل يحرض ألوانه علي البوح بالأسئلة المسكوت عنها، ويعطي الحرية لأبطاله في الحوار، هم في المقدمة، وهو هناك خلف الستار إلا قليلا، ومن ثم تأتي تعليقاته في السياق، ليتراجع الشكل التقليدي للحوار الصحفي معه، فلا سين ولا جيم، وإنما جين الإجابة يكمن في لوحاته التي هي ذات أوجاع سياسية، وأوضاع اجتماعية، شواهد تاريخية، مشاهد جغرافية، ثقافة، تراث، عصرنة، حداثة، فولكلور، تصوف، حواريات، جداريات أنساق بشرية، هياكل إنسانية، تفاصيل لاتكمن فيها شياطين، جدلية من الأخذ والعطاء، زحام بكثافة، حيوات نابضة، فوران يومي، مساومات، مفارقات، مساحات، مفارقات، ثنائيات، تغريب ، تقريب، نظرة كلية ، ألف وجه ووجه، والكل في واحد، في حالة حب وهالة من قلب فنان محب، يرسم بالفرشاة التي تقطر شوقا إلي الحياة بكل ما فيها ومن فيها.
أهي مصر الموازية، أو كأنها هي؟ أرسم سؤالي بالكلمات، بينما هو يلملم رؤيته ويحدق معي في لوحاته كأنه يراها لأول مرة ويقول:
- نعم هي مصر الموازية، مصر المهملة عن عمد مساحة، الفقر غير المنظور بكل أنواعه وتداعياته، وحرق المجتمع لكثير من شرائحه تحت خط الوهم، وما الشعب المصري بفقير، لا ماديا ولا معنويا، ولكن هم الذين أفقروه، بدليل أضخم عملية نهب وسلب لثرواته عبر التاريخ كشفها هذا الشعب بنفسه.
❊ مثلما صور نجيب محفوظ في عالم الرواية شخوص الحارة الشعبية بما لها وما عليها، ومثلما أدخل يوسف إدريس شرائح المهشمين والمهمشين من الفلاحين في عالمه القصصي، طرح الفنان التشكيلي طه القرني هذه الطبقات البائسة واليائسة بالفرشاة فمنحهم الحيوية وثبتهم في العيون ليتشكلوا مع كل نظرة جديدة، يمم وجهته الفنية في تشكيل لوحاته شطر الفئات المسحوقة والجماعات المقهورة، اجتماعيا ونفسيا واقتصاديا، التي تعيش علي حافة المجتمع، وقد أقصيت عن الحياة، فلجأت إلي الحيلة في المقاومة، فقدم إضاءات باهرة لهذه الكائنات البسيطة علي الأرضية الاجتماعية والاقتصادية والبيولوجية التي تشكل بيئتها وهي تكافح كفاحا عنيدا ومستميتا من أجل البقاء.
- يصغي الفنان طه القرني ويحدق في لوحاته، حتي كأنه يومئ إلي شخصياته فتشاركنا ثقافة الأسئلة: لوحاتي مذكرات قانونية تشكيلية في وجه الأنظمة الفاسدة، ليس فقط في السياسة المباشرة بل في شتي مناحي الحياة، ولذلك فإن لوحاتي عن ثورة 52 يناير، ستظل للتاريخ القادم، ومشاهد مميزة لكل حاكم قادم، وأبطال »سوق الجمعة و»المولد« ذهبوا الي لوحة »الثورة« والأخيرة عبرة للتاريخ، تستقصي الحقيقة لتوصيل المنتج.
لننظر ونناظر عالم لوحة »المولد« يشاطرني الرؤية ويقاسمني الرأي، إذ إن هذه اللوحة تتخلص من التباسات المعني المألوف لتمتد وتخترق »مولد الحياة« وتكاد تري أبطالها يتقافزون الي لوحتي »سوق الجمعة« و»الثورة« لكن ليس علي طريقة »المتقافزين« إياهم في الشارع السياسي.. أليس كذلك؟
- الجانب الأخطر هو حالة المولد، حصار مجتمع موجود، كل الناس التي تعاني من الظلم تلجأ الي الأولياء للوصول الي مدرك آخر، لأن الحاكم الفاعل لم يعطهم حقوق في المواطنة، هي حالة الوجد الجمعي منذ أيام الفاطميين حتي الآن، تفعيل ثقافي للمدرك ما بين الدين والثقافة الفنية والموروث في المعتقد، لدينا حوالي 31 مليون مريد، وأكثر من ثلاثة آلاف شيخ صوفي، كلهم في حالة وجد.
لذة النص
يستقطبني في لوحة »المولد« أشتات من المتصوفة قلوبهم، المتقلبة أبصارهم، المتحركة جوارحهم، المنزوعة قسوتها، والله أعلم، بما في جداريته الفنان طه القرني عن المولد ذات ال 23 مترا مساحة و4.1 متر ارتفاع، مزج فيها ذاته بمشاهداته العينية والفؤادية عبر 27 ساعة تسجيل فيديو لهؤلاء الناس الذين بعضهم علي الأرض وبعضهم في السماء، لذا تكشف شخصيات »المولد« و»سوق الجمعة« أنهم تشكلوا في ذهنية الفنان عبر أكثر من زمان وأكثر من مكان، وأكثر من خيال، وأن الحميمية في تفاصيل ودقائق الوجوه هو حبل سري أوله في ذاتك، وآخره لا يزال ممتلئا بذوات الآخرين.. أليس كذلك؟
- هو يقول دالا ومؤكدا: كان والدي شيخا أزهريا، ومبتهلا بالإذاعة، وكان يصحبني في معظم مقاصده، وكنت أحفظ حوالي نصف سور القرآن الكريم، كانت جلساته مع جيل الرواد من المقرئين والمنشدين مثل المشايخ مصطفي اسماعيل والحصري والطبلاوي وشعيشع والطوخي، ونصر الدين طوبار والكحلاوي وسيد مكاوي وغيرهم، وكنت ظلا لوالدي حتي رحيله، وقد تركت هذه المؤثرات ظلالاها وأصداءها علي رؤيتي الفنية والوجدانية، ولم أحس بها أكثر إلا عندما رحت أجوب علي مدار سبع سنوات الكثير من الموالد في كل جنبات مصر، فشكلت هذ العمل الذي يضم صورا شتي لموالد مختلفة الأداء، وكان التحدي أن أشكلها في لوحة واحدة.
ومابين المشاهدة والملاحظة والحدس والكشف أنهكتك هذه اللوحة، هذا واضح للعيون التي في طرفها نقد فني؟
- لأني أستمتع دائما بلذة النص أو العمل، فقد كنت أتنقل بين لوحة المولد ولوحة سوق الجمعة، حتي التحمت إنسانيا وانحزت اجتماعيا وأبحرت وجدانيا مع أهل مصر الموازية، بثقافتها ونقائها وميراثها المحمول داخل الوجدان، فالموالد دنيا جاذبة، وظاهرة حرة، طليقة المشاعر، عفوية الحركة، محملة بكل النماذج من الأمي والعالم، والغني والفقير، والقوي والضعيف، والمنتمي واللا منتمي لطريقة بعينها، ومن ثم كان هدفي أن أصل الي هؤلاء الذين لا يعرفون شيئا عن الفن التشكيلي، بعد أن لاحظت أن من استلهموا الموالد من الفنانين عرضوها للخاصة والمهتمين بالفن فقط، لذلك حرصت علي أن يكون هذا العمل من الناس والي الناس، انسجاما مع مقولة راسخة في ذهني للفنان الراحل صلاح جاهين »العمل الذي يبقي هو الذي يخرج من الناس ويعود إليهم« وركزت علي الرموز الثقافية التي تحملها ملابسهم واكسسوارتهم وتشكيلاتهم وملامح وجوههم الدالة علي مكوناتهم، فأردت أيضا أن يروا أنفسهم في المرآة التشكيلية، وأن يشعروا أن هناك من يبحث عنهم بجدية واحترام وإكبار، وبالقدرة علي فض الاشتباك بين الجمهور والفن التشكيلي.
وتحقق حلمك في الوصول إليهم؟
- بجدارياتي هذه التي تحمل عالما لا نهائيا من الشخوص والمظاهر الاحتفالية والحسية التي يعيشها المحتفلون بالموالد الشعبية علي اختلاف طبقاتهم حينما تتساوي الهامات في حلقات الذكر، وتقترب النفوس في نقطة واحدة من الإشراق الروحي، حين تجمعهم الموالد في رحابها لنيل الرضا والقبول دينا ودنيا معا.
003 ألف علبة ألوان
❊ ربما هذه الشفرة هي التي اجتذبت القائمين علي »موسوعة جينيس للأرقام القياسية«؟.
- لم أضع قط في مخيلتي الدخول في سجلات الموسوعة العالمية وأنا أرسم هذه الجدارية، بل لم استطع الفصل طوال رحلتي مع الجدارية لقرابة سبع سنوات كاملة من التتبع والمعايشة الواقعية لموالد مصر، ولك أن نتخيل وجود أكثر من 363 طريقة تحتفل بموالد مشايخها، كان علي أن افهم وأتعمق في الفرق بين كل مولد وآخر، خاصة من الناحية الرمزية للألوان، فكل مولد له رمزية في اللون، مثل الأحمر للدسوقية، والأخضر في الأزرق وشريط اصفر للشاذلية، استخدمت ما يزيد علي 003 ألف علبة ألوان لكي تخرج الجدارية في صورتها النهائية، وأنا لا أنوي بيع الجدارية العملاقة،لكني آمل أن تتبناها وزارة الثقافة كواحدة من الأعمال التي تؤرخ لثقافة وتراث مهم في مصر وان تختار لها المكان اللائق بها.
ندخل »سوق الجمعة« كلوحة غير مسبوقة في الشكل والمحتوي إذ تنتشر شخوصها ومكانها عبر تسعة مقاطع، تمتد علي مساحة 32 متراً وارتفاع 041 سنتيمترا، شاغلته فشغلته ثلاث سنوات، بدون افتراق، وهو ابن البلد، جذوره ممدودة في الوجدان الشعبي الجمعي، وفي المسافة المتحركة بين الصعيد الجواني والقاهرة الحقيقية، استقطر هموم الوجوه والنفوس فاستغرقته السمات والقسمات، وهو بذلك لا يمكن مقارنة لوحاته بلوحات الفنانين المستشرقين الذين »مروا من هنا« مجرد مرور عابر، وسفر مؤقت، لا استبطان فيه ولا روح، ولا حياة ولا حيوية، ومن ثم حق لموسوعة »جينيس« أن تتألق بها دون غيره من المبدعين في العالم.
في وهج لوحات الثورة
في وهج لوحات الثورة والمحاكمة، ذات الأربعين مترا مساحة، والمتر ونصف المتر ارتفاعا، يشتعل الوجدان الشعبي ألقا وقلقا، وبريقا وحريقا، لدي المواطن البطل البسيط مع لصوصه وحكامه، والذين ظلموه، والذين أظلموا حياته، والذين كان يفترض أن ينيروها، والذين ثاروا عليه، والذين ثار هو عليهم، فثأر منهم، فأرقدهم خلف القضبان ليحاكمهم اليوم، ويتحكم في القادمين غدا، إن هم تشابهوا معهم أو تشبهوا بهم، ولقد انفجر هذا الغليان المنبعث من اللوحات الثائرة الي صدر الصفحة الأولي ل »لأخبار« بل اقترن بمانشيت المحاكمة بتجلياتها القاهرة، وتداعياتها الباهرة، ثمة 31 لوحة توثق وترصد وتثبت وتسجل دقائق التحول الكبير، بعواصفه ولطائفه، وأنواره ونيرانه، وبشاراته وإشاراته، منذ الموجة الأولي للمد الثوري يوم 52 يناير بزلزال الشرارة الأولي ل »بداية المظاهرات« ثم »انهيار الأمن المركزي« ثم »موقعة الجمل« و»المطالبة بدم الشهداء« و»تحية الشهداء« و»التحذير من الثورة المضادة« و»جمعية السلفيين« و»ثائرات مصر يطالبن في جمعة انقاذ الثورة« وصولا..إلي »المحاكمة«.
- هي لوحات تتحدث الي المستقبل والأجيال القادمة والمتعاقبة، لأنها أقوي من الكاميرا، لأنها محملة بالإحساس والتاريخ والثقافة والتطلع الي المستقبل، الفرشاة اعادة رؤية ، وانتخاب أبطال، واعادة تصميم العمل اللوحة تقول ما لم تستطع الكاميرا أن تفعله ، الاحساس غير ثابت، وانفعالي في كل لحظة، عمر اللوحة الزمني أطول من خلال الإحساس المتغير، دور الفنان في تصويرالأحداث التاريخية أن يعيد صياغة المستقبل من خلال الحدث الآني.
فرشاتك تقرأ المشهد الراهن؟
- لا أزال متشائما ويبدو أنني سأظل هكذا، وإن كان ثمة بصيص من الأمل بالغ الصعوبة، لكني لست مطمئنا لسرعة ما يحدث في الشارع المصري الآن، من حراك سياسي واجتماعي وظهور تيارات علي كل المستويات
لماذا؟
- أخشي أن يتزايد المد الديني السلبي في أشياء كثيرة بالنسبة لي كفنان، لأن طبيعة الدين، وطبيعة الشكل العسكري عملية معقدة، الأولي: طبيعة »الوالي« والأخري طبيعة »الآمر« والإثنتان قد لا تعطيان الفرصة للحالة الجمعية أن تبدع، فالأمل في شكل مدني للدولة يحترم كل الآراء ويحتملها أيضا، فحالات الإبداع ليس لها سقف، شريطة احترام الدين بالمعني العظيم والمستنير، واحترام الذوق العام، وهي حالات تتطلع إلي اللانهائي.
رسالة الي المشير
في وهج لوحة الثورة والمحاكمة أيضا يبعث الفنان طه القرني برسالة مفتوحة:
- أود من المشير محمد حسين طنطاوي إجراء مراجعة للجانب التاريخي في بانوراما حرب أكتوبر، إذ لابد من تصحيح المغالطات التاريخية في لوحاتها.
لماذا؟
- حتي تتناغم الحقيقة الفنية مع الحقيقة التاريخية بمعني أن لوحة العمليات العسكرية للحدث العظيم »السادس من أكتوبر3791« يتواجد فيها الرئيس أنور السادات وبجواره حسني مبارك وهذه ليست حقيقة تاريخية، الصحيح أن الذي ينبغي أن يكون في المشهد المرسوم هو»الفريق سعد الدين الشاذلي« لأنه كان رئيس الأركان ومسئول العمليات، آنذاك.
من ينهض بهذه المهمة؟
- أنا كفنان تشكيلي أعلن قيامي بهذه المهمة واستثمار جميع امكانياتي الفنية والثقافية، شريطة تشكيل لجنة متخصصة تراجع صور حرب 3791 وهناك أيضا بعض الأخطاء في الكثير من اللوحات مثل لوحة »الملك نارمر« الفرعوني، ولوحة »حرب الهكسوس« حيث رسمت خلفيات تتشكل من آثار وجبال ورموز لا تخدم طبيعة اللوحة، ولا تؤكد تاريخيتها.
علي أني أقول إن الفنان يجب أن يكون أمينا في نقل الواقع وتوثيق الوقائع، لكن الفنانين الكوريين الذي قاموا بمهمة رسم البانوراما واستغرقوا في رسمها ست سنوات ( بدأوها عام 3891 وسلموها عام 9891) كان يفعلون ما يملي عليهم من قبل القيادة السياسية ورجالها الذين أشرفوا علي تزييف التاريخ الحقيقي.
الفن سياسة ورسالة
إذن الفن سياسة في منظورك؟
- لأن الفن الصادق لابد وأن ينشغل بقضايا المجتمع والعالم، وأن الفنان الحقيقي يمتلك مقدرة التعبير عنها، فأعمال اي فنان لابد أن توضح مدي تفاعله وانفعاله مع الاحداث الجارية، الفن التشكيلي في الأصل حالة مجتمعية تتفاعل مع الناس، لكن الفنان إذا عزل نفسه، لم يصبح فنانا جماهيريا، والسبب هو تتبع رؤي الغرب الذي أبعدنا عن المواطنة، وللأسف اغلب فنانينا يعيدون استهلاك الفكر الموجود، وهذا ما لا ينبغي أن يكون أو يسود، الفنان ينتج فكرا، لا أن يكون مجرد مستهلك لثقافة الآخر، فالمفروض أن أبدع فنا من بيئتي، وأعيد صياغته بشكل يتناغم مع مصريتي وعروبتي وقوميتي وشرقيتي.
كيف يمكن التخلص من مرض الانعزالية، هذا المرض المزمن؟.
- عندما يحتك الفنان والفن بالمجتمع يتحول الانعزال إلي اتصال والتحام، فالفن أيضا رسالة، الفن التشكيلي مثله مثل المحاماة والقضاء يتفاعل مع المجتمع لكنه أصبح في مصر جزيرة منعزلة عن المجتمع، نحن نعيد فتح هذا الباب علي اللقاء الجماهيري من خلال تداول هموم الشعب بحالته الجمعية، لوحة سوق الجمعة - مثلا - هي بمثابة حجر ألقيته في البحيرة الآسنة للفن التشكيلي، حيث أسعي في كل أعمالي لأن يظل الفن التشكيلي جزءا اساسيا من المكون الثقافي للمصريين فلا قيمة للعمل الفني دون جمهور، فلا بد من وجود التقاء دائم بين الفنان والناس.
علي من تقع المسئولية الانعزالية، علي المؤسسة الثقافية؟أم علي المبدعين؟ أم علي الجماهير؟
- لا أبرئ الوزير الأسبق فاروق حسني كمسئول مسئولية مؤسسية كاملة عن ركود الحركة التشكيلية وتأخرها، هو بسياسته كان مسئولا عن انعزال الفن التشكيلي عن المجتمع، مسئول عن ثبات الحركة الفنية 32 عاما، مسئول عن عملية التجريف التي حدثت لهذا الفن، فلم يحاول أن يدفعه الي الأمام، مع أنه فنان تشكيلي! هذا الموقف الجامد انعكس علي الفنان التشكيلي، بمعني طغيان نزعة التعالي والعلوائية عن الناس، وفرق كبير أن تكون منتجا للفكرة، ومستهلكا للمذاهب الغربية، الحركة التشكيلية تحتاج دائما الي قائد، إما أن يكون ثوريا، أو سياسيا يأخذك يمينا أوشمالا، لقد خضع الفن التشكيلي الي عملية تسييس واضحة، هل تستقيم حركة تشكيلية عظيمة وميزانية قطاع الفنون المخصصة أقل من أجر ممثل من الدرجة الثانية في مسلسل رمضاني؟ هذا مستحيل!.
ألا تري أن الفن التشكيلي يكاد يختنق من حصار أجواء القاهرة، فلم يغادرها الي الأماكن الأخري الأنقي والأكثر رحابة وطلاقة؟
- اتفق معك في أن معظم مشاهد الفن التشكيلي لا تتخطي مدينة القاهرة، وبالتحديد حدود منطقة الزمالك وجاردن سيتي، لم تتحاور مع الناس في الأقاليم والمحافظات والقري والمناطق النائية، لم يتحرك الفنانون والفن التشكيلي عامة الي عالم الفلاحين والصعيد الجواني، والأحياء الشعبية التي هي السواد الأعظم من المصريين، إن حرمان الإقليمي من الفن التشكيلي خطأ كبير، انها الموطن الأصلي لينابيع المشاعر الحية، وما لم يتحمل الفنانون التشكيليون مسئوليتهم تجاه مدنهم وقراهم والناس هناك، فسينطبق عليهم تعبير»لم يصبهم الدور« في التمتع بلذة التعامل مع هؤلاء الناس، إن عدم الحراك الثقافي في المحافظات يساعد علي تراجع الفاعل مع الفن التشكيلي، لابد من مشروعات ثقافية لدي المحافظين حماية للذوق العام، ودعني أقول لك إن معظم فناني القاهرة يحاكون الغرب، مع أن لدينا في الداخل جذورا ضاربة في عمق الوجدان الجمعي المصري.
التخلي والتحلي والتجلي
أنت واحد ممن أعادوا اكتشاف فن الجداريات عن بينة وعرف ب»التخلي« عن السائد والمألوف، وب »التحلي« جماليا في لوحات المولد وسوق الجمعة،و ب »التجلي« في اختيار موسوعة جينيس للوحتك سوق الجمعة، وأيضا في إكبار الموسوعة العربية لك كواحد من أهم ثلاثة فنانين تشكيليين أعادوا فن الجداريات مرة اخري؟.
- الجداريات فن مصري أصيل، يرجع إلي عصور الفراعنة، وهي تمثل حالات ملحمية في كل شئ، في العلم في الطب في الفن في الفلك في الشعبيات في الرياضة في الحروب، الفن الفرعوني محمل بالمذاهب الفنية، وهو قادر علي إعادة انتاجه بشكل فني معاصر، وسر استبقائه أنه يحمل قيمة، والقيمة داخل الإنسان المصري موجودة في أعمال تحتمل الزمن ويحتملها، التواصل مع الأجداد ضرورة فنية وحياتية، كلنا امتداد لهم، قد ننظر - ولابد أن ننظر - الي الوراء أحيانا لننطلق الي الأمام أكثر، أنا أعيد صياغة الشكل الملحمي، أستمدها من جوهر شخصية الشعب المصري بتاريخه وجغرافيته، وبحاضره وحضارته، فكان طبيعيا أن أنتصر للناس، وأعيد صياغة المشهد التشكيلي المنعزل الي الشارع، بتحركي وتعمقي وسط الناس للتفاعل معهم، كقاعدة جماهيرية عريضة.
شركات توظيف اللوحات
أتوافقني الرأي - في سياق لعبة الفن الحديث - علي أن هناك ما يمكن أن نطلق عليه »شركات توظيف اللوحات«؟.
- نعم.. هناك مافيا خفية لاحتكار تجارة اللوحات تدار من حي الزمالك، وجاردن سيتي، ووسط البلد، نظرا لوجود أجانب كثيرين في مثل هذه الأحياء، الفساد طال الفن التشكيلي أيضا، وطال الفنانين بالطبع، وهي تجارة دولية، محبطة للفن التشكيلي، هناك احتكار للجداريات من قبل بعض الأسماء، هذا الاحتكار يؤدي إلي إزهاق الروح الابداعية لدي الشباب وفناني الصف الثاني علي وجه العموم، لدينا تجريف كامل للهوية تحت مصطلحات المدارس الغربية والمذاهب الأجنبية، ولعبة الفن الحديث، لو ركزنا علي رموز البيئة المصرية، لو حافظنا علي أصولنا وامتدادنا التاريخي لتغيرت خريطة الفن التشكيلي.
يزعجني ازدياد عزلة الفنان عن هموم مجتمعه، حتي أصبح الفنانون مشغولين ببيع اللوحات، والجمهور يمتنع، ثمة حصار من قاعات العرض للمشهد، تداول اللوحات مقصورا علي أصحاب رؤوس الأموال، وهذا كله جاء علي حساب شباب المبدعين، وكبارهم أيضا.
ما معني شراء لوحة بمائة مليون دولار في الغرب؟ هل هو اقتناء لمدرسة فنية بعينها؟ أهو استثمار و تجارة؟
- أعظم استثمار للفن التشكيلي أن يوضع في قالب يحكمه الفكر الجاد، والشكل النقدي يعطي اللوحة استحقاقاتها الفنية، علي أننا ينبغي أن نعترف بأن السوق المصري تحكمه شريحة محددة يتحكم فيه بعض الأسماء وبشكل شخصي.
و... أغادر بوتقة الإبداع التشكيلي، وأتباعد رويدا، وأصداء لوحات الفنان طه القرني، التي تشكل مشروعه الثقافي السياسي بظلالها وألوانها، ودراما قضاياها، وإشكالياتها وتشكيلاتها، تحرضني علي تكرار الزيارة، لأنها إبداعات فنان لا يريد أن يهدأ، ولن، فهو فنان يتميز بدرجة حادة من الذكاء، تتحول به إلي إحساس عميق، يخلق في ذاته توترا ، فإذا أقر فر منه الوهج، وهو المتوهج دائما وأبدا، وهل يعرف الفنان الحقيقي إلا.. التوهج؟!.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.