في أثناء حملة الاستفتاء علي الخروج من الاتحاد الأوروبي، لوح معارضو البريكست بانفصال اسكتلندا عن المملكة المتحدة في حال اختيار الطلاق من بروكسل، وحينها أدان الرافضون لأوروبا الموحدة ما اعتبروه حملة »تخويف وتسميم». اليوم وبعد مرور 9 أشهر علي تصويت البريطانيين للبريكست، عادت آليات استقلال اسكتلندا للعمل بقوة مرة أخري بعدما أوقفتها »لا»، بنسبة 55%، للانفصال عن المملكة في استفتاء جري في سبتمبر 2014، علماً بأن 62% من الاسكتلنديين صوتوا لصالح البقاء في الاتحاد الأوروبي في أثناء استفتاء عموم المملكة في يونيو 2016، ولكي يبقي الاسكتلنديون ضمن ركاب قطار أوروبا الموحدة فليس أمامهم من طريق سوي الانفصال بدورهم عن بريطانيا. نيكولا ستورجين، رئيسة وزراء اسكتلندا، ستتقدم الأسبوع الجاري بطلب لبرلمان بلادها لإجراء استفتاء آخر علي الانفصال عن بريطانيا في الفترة ما بين خريف 2018 وربيع 2019، كي لا تكون أدنبره »مجبرة» علي مغادرة الاتحاد الأوروبي لا سيما أن »تغيرات مادية» طرأت علي الموقف بشكل عام منذ استفتاء 2014. وتري ستورجين أن علي »اسكتلندا اختيار مستقبلها بنفسها قبل فوات الأوان»، بعبارة أخري قبل انتهاء فترة العامين المقررة لانفصال لندن بشكل كامل. من جانبها ردت تريزا ماي، رئيسة وزراء بريطانيا، فيما بدا وكأنه مبارزة بين امرأتين حديديتين، معبرة عن أسفها لتلك »الرؤية الضيقة التي تثير انقساماً وتخلق شكوكاً اقتصادية هائلة في أسوأ لحظة ممكنة». كما اتهمت ماي الحزب القومي الاسكتلندي الحاكم الذي تترأسه ستورجين، بأنه » لا يفكر سوي في مصالحه، والسياسة بالنسبة له مجرد لعبة». ويبدو أن موافقة البرلمان الاسكتلندي علي طلب ستورجين محسومة، إذ أن الأغلبية فيه لتحالف نواب الحزب الحاكم وحزب الخُضر وكلاهما مؤيد لإعادة الاستفتاء. ولكن لكي تتمكن اسكتلندا من تنظيم الاستفتاء بإجراءات دستورية سليمة فإنها بحاجة لموافقة الحكومة والبرلمان في بريطانيا، وفي هذا الإطار رفضت ماي الإفصاح عن نواياها، ولكنها دافعت بنبرة حماسية عن »الاتحاد الثمين» لمكونات المملكة المتحدة. وإذا كان لماي الحق الدستوري في منع الاستفتاء الاسكتلندي فكيف لها تسويق ذلك المنع سياسياً؟ حيث إن استفتاء البريكست أجري أولاً وأخيراً تحت مسمي إرادة الشعب الإنجليزي، فكيف لها أن تنكر علي الآخرين حق مارسه شعبها؟ حتي الآن تبدو ستورجين في موقف أقوي من ماي، إذ أنها تسلط الضوء علي الدفاع المستميت لرئيسة وزراء بريطانيا عن البريكست، وفي نفس الوقت نبرة »العجرفة والاستعلاء» التي تتحدث بها تجاه أي حديث عن انفصال اسكتلندا. ولو قررت ماي البقاء ضمن السوق الأوروبية الموحدة لإرضاء الاسكتلنديين فإن ذلك سيشعل نار الغضب لدي حزبها وكل المصوتين علي انفصال كامل عن الأوروبيين، وبذلك فإن ستورجين ستكون الحاضر الغائب في مفاوضات العامين المقبلين بين بريطانيا والأوروبيين، خاصةً بعد رفض طلب تقدمت به لماي بالحصول علي وضعية خاصة باسكتلندا بما يحفظ لها الارتباط بالاتحاد الأوروبي بعد انفصال بريطانيا.. موقف دفع ستورجين لوصف ماي بأنها »حائط من التصلب». • محمد عبد الفتاح