فضيحة امتحانات الثانوية العامة هذا العام ليست مجرد خيانة للأمانة من بعض موظفي المطبعة السرية، ولا هي مجرد فساد في وزارة التعليم، أو تقصير من المسئولين فيها. الأمر أكبر من ذلك بكثير. إننا أمام النتيجة الطبيعية لاكثر من ربع قرن من الفساد في التعليم الذي كان وما يزال يعكس صورة لفساد أكبر اجتاح المجتمع ونخر كالسوس في جسد الدولة، وخلق مجتمعا تراجعت فيه قيمة العلم والعمل، وطغي فيه سلطان الفساد والفهلوة وانتشر فيه التدين الزائف بينما غابت القيم الحقيقية التي تتمسك بالشرف والصدق وتحترم عرق الكادحين، وتجعل الكفاءة والتفوق المسار الحقيقي للتقدم، وليس الثروة ولو جاءت من طريق حرام، ولا الوجاهة ولو جاءت بالغش والتدليس. الرئيس السيسي تطرق الي القضية في خطابه الأخير، وأكد ان ما حدث في امتحانات الثانوية العامة هذا العام لن يتكرر، وأن نظاما جديدا سيوضع لتأمين الامتحانات من ناحية، ولتخفيف العبء عن الطلبة وعائلاتهم، وضمان نظام عادل للقبول بالجامعات. والمهمة ليست سهلة في ظل الظروف التي تحدثنا عنها، وفي ظل الفساد الذي عشش في مؤسسة التعليم كغيرها من المؤسسات. ومع ذلك فالأمر ممكن اذا تضافرت الجهود، وكانت الحرب علي الفساد حربا حقيقية تشمل الدولة كلها، وتجفف منابع الفساد في كل مكان. ومع ذلك، تبقي هذه المهمة مجرد بداية لفترة انتقالية وعلاج لمشكلة الثانوية العامة وحدها. وتظل المهمة الاساسية هي الاصلاح الشامل لمنظومة ا لتعليم، وهو ما سبق ان أشار الرئيس السيسي الي أنه عملية شاقة ولكنها ضرورية، وأنها تحتاج لبرنامج يعد جيدا ليكون لدينا التعليم الذي نرجوه لأبنائنا ولبلادنا.. وهو برنامج لن يكتمل قبل عشر سنوات من العمل الجاد والتخطيط العلمي وتوفير الموارد المالية والبشرية. العمل علي هذا البرنامج هو الذي يستفز قوي الفساد في المؤسسة التعليمية وربما كان ما حدث في الثانوية العامة هذا العام جزءا من المقاومة التي لابد ان نتوقعها لأي برنامج اصلاحي يضرب مصالح قوي الفساد التي اصبحت تسيطر علي العملية التعليمية وتحول المدارس الي أماكن مهجورة، وتجعل من «السناتر» وسيلة لتدمير التعليم وتحيل الجامعات الخاصة من خدمة للمجتمع الي أكثر الانشطة ربما علي حساب التعليم الحقيقي!! ومع ذلك فإن التعامل مع قوي الفساد ممكن. لكن المطلوب هو ان يكون أي برنامج لاصلاح التعليم هو برنامج يتبناه المجتمع كله عن اقتناع، ويدرك أنه البديل المطلوب والضروري لتقدم مصر. مهزلة امتحانات الثانوية العامة هذا العام لن تتكرر كما وعد الرئيس، لكن السؤال الاساسي سيبقي : كيف نحشد امكانيات الدولة وقوي المجتمع لنبدأ الاصلاح الشامل للتعليم مدركين ان التأخير ليس في صالحنا، وان مافيا الفساد في هذا القطاع بالذات قد توحشت؟!