تصدرت الصحف وصفحات التواصل الاجتماعي أخبار امتحانات الثانوية العامة المؤسفة, حيث تناولت اخبار الغش الجماعي والالكتروني وتسريب الامتحانات وايضا ردود الفعل الغاضبة من المهتمين بمستقبل الأمة فمنهم من طالب بإلغاء امتحان الثانوية وإعادته, كما حدث في1961 عندما حدث أول تسريب بامتحان الثانوية العامة وتعالت المطالب باستدعاء الجيش للاشراف علي الامتحانات, كما نادي البعض بإقالة الوزير.. كل هذه الآراء للتصدي لهذه المأساة لم تصب قلب الحقيقة, وهي أن الثانوية العامة بوضعها الحالي لم تعد تصلح كامتحان مسابقة للالتحاق بالجامعة, كما أن الديوان العام للوزارة وليس الوزير فقط بل والمنظومة التعليمية كلها تحتاج إلي ثورة حقيقية تتطلب قرارات حاسمة تحدث تغييرا شاملا, فمما لا شك فيه أن نجاح أي نشاط إنساني يتوقف علي حسن إدارته, فالإدارة الناجحة هي أساس نجاح أي نشاط إنساني, فما بالنا بالعملية التعليمية, ولا نبالغ إذا قلنا أن فساد التعليم في مصر يرجع بالدرجة الأولي إلي الاضطراب الإداري بالديوان العام لوزارة التربية والتعليم فهو الهيئة المركزية المخططة والمنفذة والمشرفة لكل أمور التعليم العام في كل نواحيه, وبالتالي فإن الوزارة مسئولة مسئولية كاملة عن فساد التعليم, ولذا يجب إعادة النظر في هيكل الوزارة بشكل عام وأن يؤخذ بجدية أمر اللامركزية كمرحلة أولي للإصلاح الإداري للوزارة وقد نادي بذلك الكثيرون وعلي رأسهم طه حسين في كتابه مستقبل الثقافة في مصر الذي صدر في ثلاثينيات القرن الماضي. حيث أشار فيه إلي أن المركزية المفرطة في وزارة المعارف هي سبب مشكلات التعليم في مصر, كان ذلك عندما كان عدد سكان مصر لا يتعدي عشرين مليونا, ولكم أن تتخيلوا الحال وتعداد مصر الآن يتعدي90 مليونا. والحقيقة أن جوهر المشكلة التعليمية تكمن في انحياز شرائح واسعة من المجتمع وعلي رأسهم أولياء أمور الطلبة إلي عمليات الغش لحرصهم علي أن يحصل ابناؤهم علي درجات مرتفعة في امتحان الثانوية تؤهلهم للالتحاق بكليات القمة ويساعدهم في ذلك نظام تعليمي فاسد يسمي السناتر التي أصبحت بديلا عن المدرسة الوطنية, واتبعت طرقا شاذة في التعليم تعتمد فقط علي الحفظ والاسترجاع ثم يجيء امتحان الثانوية العامة ليختبر عند الطلاب هذه القدرة فقط, وليس قدرات التفكير واعمال العقل والاستعداد الذهني عند الطلاب للالتحاق بالكليات التي يتقدمون لها, ونتيجة لذلك يحصل بعض الطلاب علي100% من الدرجات ويفشلون في كليات القمة التي يوزعهم عليها مكتب التنسيق. والغريب في الأمر أن أولياء الأمور الذين انحازوا إلي عمليات الغش بأشكاله المختلفة لم يدركوا أنهم بفعلتهم هذه يزرعون في ابنائهم وهم قادة المستقبل بذرة الفساد وهي الغش.. هذه الصفة الذميمة التي حرمها الإسلام في قول الرسول الكريم من غشنا فليس منا ثم نأتي بعذ ذلك لنتباكي علي الفساد الذي انتشر في المجتمع, ونحن الذين زرعنا بذرته, والحل الذي نراه لعلاج هذا المرض الذي تفشي في المجتمع المصري وتسبب في الفساد المالي والإداري والخلقي في مصر هو إعادة النظر في المرحلة الثانوية واضعين في الاعتبار الاحتياجات الحقيقية للمجتمع مع الاهتمام بالتعليم الفني وجعل الثانوية العامة نهاية مرحلة وليس امتحان مسابقة للالتحاق بالجامعة, وعندها يتوقف الدور الالزامي للدولة للتعليم ويترك الشاب الحاصل علي الثانوية العامة ليحدد مستقبله وفقا لقدراته الذهنية وطموحه لكي يواصل تعليمه العالي, ولذا يجب أن يكون هناك امتحان قبول للجامعات اسوة بجامعات العالم المتقدم يقوم بالإعداد له القطاعات العلمية بالمجلس الأعلي للجامعات. إن هذا هو الحل الأمثل لوقف طوفان الفساد في امتحان الثانوية العامة والذي استمر عشرات السنين حتي صبغ المجتمع كله بالفساد وجعل من ابنائه لقمة سائغة لطيور الظلام لنشر أفكارهم المدمرة التي نتج عنها الإرهاب الذي نواجهه الآن, ولن يتوقف الفساد في المنظومة التعليمية بوضع حلول سطحية ومؤقتة دون استئصال المرض من جذوره بإلغاء امتحان الثانوية العامة كامتحان مسابقة للالتحاق بالجامعة, وباتخاذ هذا القرار الجرئ الشجاع نكون قد خدمنا التعليم قبل الجامعي لأنه سوف ينهي مشكلة السناتر التي انشئت خصيصا لهذا الامتحان وتسببت في هدم المنظومة التعليمية, كما أنه سو ف يخدم التعليم الجامعي إذ سيكون للجامعة رأي ورؤية في نوعية وعدد الطلاب الذي سوف يلتحقون بها من خلال امتحان القبول الذي ستعده الجامعة وبذلك لن تكون مدرجات الجامعة مليئة بطلاب كارهين للدراسة التي تقدم إليهم كما هو حادث حاليا. وخلاصة القول إن هذا كله يأتي لمصلحة المجتمع انطلاقا من أنك إذا اردت أن تهدم مجتمعا فإبدأ بهدم التعليم مثلما هو موجود الآن وإذا اردت أن تصلح مجتمعا فابدأ بإصلاح التعليم وهو ما نتمناه لمصرنا الحبيبة في عهد الانجازات الحالي. د. أحمد دويدار عبده البسيوني أمين اتحاد الجامعات المصرية الاسبق