في زيارة لأحد الأحياء بمدينة بورصا التركية جلسنا مع رئيس الحي لنتعرف علي الأساليب التي تنتهجها الأجهزة لحل المشكلات..في البداية حدثنا عن تاريخ الحي الذي يرأسه..قال إن المباني الفخمة والحدائق الجميلة التي مررتم بها لم تكن من عدة سنوات إلا مجرد أحياء عشوائية ومقالب للقمامة لا يتخيل أحد أنه سوف يأتي عليها يوم وتتحول إلي هذه الصورة الجميلة المبهجة. سألناه: وهل تملك الدولة القدرة علي دفع المليارات ليستخدمها مسئولو الأحياء في تحويل مقالب القمامة والمساكن العشوائية إلي حي راق يزغلل العيون ؟!..جاءت الإجابة صادمة: الحكومة لم تعطينا مليما واحدا!!..ومن أين أتيتم إذن بالتمويل؟!..رفع ذراعه إلي أعلي ثم أشار بأصبع السبابة إلي رأسه وقال من هنا.. من المخ! ازداد شغفنا لمعرفة المزيد من الإيضاحات وطالبناه بتفاصيل أكثر..قال إنه عندما تولي مسئولية الحي جلس مع أعضاء المجلس يفكرون في حلول مبتكرة تساعد في التغلب علي العشوائيات والمساكن القديمة المتهالكة التي كانت السمة الغالبة التي ينطبع بها الحي..بعد نقاشات ومداولات توصلنا إلي فكرة عملية لإحلال البيوت القديمة بمساكن جديدة وعمارات فاخرة تتخللها الحدائق الغناء وفي نفس الوقت تكون متنزها ومتنفسا لسكان الحي وفوق كل هذا تكون بمثابة بوابة لتشغيل عشرات من شركات المقاولات. استطرد رئيس حي "يلدريم" في الحديث قائلا:اتفقنا علي ألا نعطي تصريحا بترميم أو تنكيس أية مبان قديمة..ومن يتقدم من السكان بطلب للحي من هذا النوع نجعله يجلس مع إحدي شركات المقاولات التي تتولي الاتفاق معه علي هدم المبني القديم المتهالك وإنشاء مبني فاخر من عدة طوابق في إطار تخطيط حديث للمنطقة التي يوجد بها المبني..سألنا رئيس الحي: وأين يذهب صاحب العقار القديم وأهله طوال فترة إعادة البناء؟..قال: تلتزم شركة المقاولات بتوفير محل إقامة ملائم حتي ينتهي البناء وعندها يتم تسليم محل الإقامة الجديد مجهزا بكل متطلبات البيت الحديث.. سألنا: وماذا تكسب شركة المقاولات؟..قال رئيس الحي إن الشركة تقوم بتسويق بقية المبني الجديد لمن يريد من سكان الحي أو من خارجه محققة أضعاف أضعاف ما صرفته علي عملية هدم القديم وإنشاء الجديد. خلال الحوار مع رئيس مدينة "يلدريم" فاجأنا الرجل بأن منصب رئيس الحي لايأتي بالتعيين من قبل الدولة ولكن من خلال انتخابات تنافسية تعطي الفرصة لأهل الحي لاختيار من يدير شئونهم، وفي حالة تقاعسه عن أداء عمله بالصورة التي تحقق صالح الناس وتوفر لهم المزيد من الخدمات فإنهم يملكون آلية إسقاطه وإزاحته من منصبه ،لهذا السبب فإن أي رئيس حي يصل الليل بالنهار في العمل الجاد احتراما لأصوات الناخبين من ناحية وأملا في أن يحظي بثقتهم فيعيدوا انتخابه لفترة جديدة، فضلا عن أن تميزه وتقديمه للحلول المبتكرة خلال توليه مسئولية الحي يؤهله لتولي مناصب مهمة في الدولة. بعد جلسة الحوار أخذنا رئيس الحي في جولة بالمبني لنري كيف يتعامل موظفو الحي مع الجمهور فكانت الصدمة الثانية..قال لنا إن انجاز أي مصلحة للجمهور مهما كانت صعوبتها لايستغرق أكثر من نصف الساعة.. يجلس المواطن في غرفة الانتظار يحتسي الشاي أو غيره من المشروبات المجانية حتي يحل دوره. في البدروم يوجد "سوبر ماركت" مخصصا للفقراء من أبناء الحي يستلمون منه الحصة المخصصة لهم من المواد الاستهلاكية التي يحتاجون إليها شهريا..المفاجأة الأكبر كانت في وجود قاعة كبيرة تمتلئ بالأجهزة الكهربائية ومستلزمات البيوت..عندما سألنا رئيس الحي عنها قال إن كل المحتويات هي نتاج التعاون مع أثرياء الحي الذين يتبرعون بجزء من زكاة أموالهم لمساعدة الفقراء في تجهيز بناتهم وأبنائهم للزواج وكلها توزع مجانا لغير القادرين. تذكرت تلك الزيارة المبهرة وأنا أقرأ أن لجنة الخمسين بالدستور قد قررت أن يكون اختيار المحافظين ورؤساء الوحدات المحلية بالانتخاب بدلا من التعيين، وذلك أملا في أن يؤدي أسلوب الانتخاب في تطوير الأداء من أجل تحقيق انجازات في صالح المواطنين بدلا من منهج "السبوبة" أو طريقة " شيلني وأشيلك " التي كانت ومازالت للأسف هي أدوات تنفيذ أي عمل يتم عبر الأجهزة المحلية ،وهو الأمر الذي يؤدي إلي انتشار الفساد وتغليب المصلحة الخاصة علي المصلحة العامة في المواقع كافة. .. عشرة علي عشرة يا لجنة الدستور.