لا يوجد حتي الان ما يثبت اننا في طريقنا لدولة مدنية حديثة تحترم مؤسساتها الثلاث.. التشريعية والتنفيذية والقضائية.. فالتعدي علي السلطات الثلاث بات هواية عند البعض.. فمثلا تقليص هيبة القضاء وأحكامة لم تقتصر علي رجل الشارع فقط بل مؤسسة الرئاسة نفسها تسهم في هد هيبة القضاء في وقت نحن في أحوج ما نكون لبث الثقة بين مؤسسات الدولة المختلفة..! وما حدث من ارهاب امام مجلس الدولة أمس الأول حين النظر في الطعون المقدمة علي كثير من احكام قضائية صدرت اخيرا يؤكد عزم الجماعة علي إرهاب القضاء للقضاء علي هيبته..فقد تجمهر كالعادة حشد مبرمج أمام مجلس الدولة في شبه مظاهرة تتلفظ بألفاظ لا تليق بدولة مدنية حديثة ولا بهيبة مجلس الدولة آملين ان يخون امنته بإرهابه حتي يصدر أحكاما تروق لجماعتهم ويسير علي هواهم وإلا كان القضاء مسيسا ويتبع هواه..! ولا اعرف كيف تخرج هذه الجماعات لترهب القضاء وتشكك في أحكامه بعدما اشاد الرئيس المنتخب بالقضاء ونزاهته وكان انتخابه هو عين الحقيقة بعدما سربت الجماعة انباء عن اعتزام القضاء تزوير الانتخابات ودون دليل مادي يدين به احدا غير الطمع في السلطة والاستحواذ بالنصيب الاكبر من تورته الحكم..! ألا تكفي ثقافتنا المعاصرة التي تهد في عضد الدولة.. الثقافة السائدة بيننا التي لا تدعم قيام دولة مدنية حديثة.. فلا يكفي ما ردده رئيس البلاد من انه يسعي لبناء دولة مدنية حديثه.. فلو كان ذلك كذلك لتنبه للثقافة قليلا.. فالثقافة يمكن ان تساعده في الاسراع بدولة حديثة.. ولابد ان يؤمن أولا بأننا لا نمتلك ادوات الدولة المدنية الحديثة حتي نتكلم عنها وهي »ثقافة تمكين الإنسان« و "أولوية المعرفة البشرية" و»انسانية الأخلاق« و"سنة التطور".. وبالتأكيد نحن لا نمتلك من الادوات السابقة شيئا بل ونعاديها..! ويكفي اننا نعاني منذ عقود طويلة من ضعف ثقافة المواطنة امام غول "ثقافة الملة" التي تعلي من شأن الانتماء الديني علي حساب الانتماء الوطني رغم تشدقنا في كثير من المناسبات بعبارات من قبيل "الدين لله والوطن للجميع". أما عن شكوانا من فقر ثقافة الديمقراطية الاربع فحدث ولا حرج.. والمباديء الاربعة التي تقوم عليها أي ديمقراطية حديثة هي "الاحتفاء بالتعدد" و»تشجيع الحوار وتجنب السجال« و"تحقيق المساواة" و"حماية الحريات" هذه المباديء تآكلت ولا يخفي علينا بمجرد العين الفاحصة لبطن المجتمع وقمته بين العامة والنخبة نتأكد من بعدنا عن ثقافة الديمقراطية وإعلاء قيم الجدال والانتصار في الحوار وكأنه سجال وليس حوارا..! ولم نسمع ممن تشدقوا بأنهم يسعون لدولة مدنية حديثة ما يفيد ماذا هم فاعلون في حياة تفتقر لثقافة الديمقراطية التي هي اساس الدولة المدنية الحديثة وعمودها الفقري.. اظن ان التحدي الحقيقي إذا كنا جادين سيكون في محاولة نشر هذه الثقافة الحديثة.. بل ومعرفة كيفية التغلب علي ثقافة قديمة مترسخة تم بناؤها علي مهل عبر سنوات طويلة بنت مفاهيم كأنها حقائق أبدية في أذهان الكثيرين رغم ثبوت فشلها.. ومع ذلك مازال البعض يتمسك بها.. مما يعني اننا في حاجة لأطباء نفسيين حتي نسهل علي بعض التحول للدولة الحديثة.. ولا أعلم متي ندرك أن الحكمة القديمة ناسبت ناسها وظروفها.. وعلينا ان نصنع حكمتنا الحديثة بأيدينا..! متي نؤمن أننا لابد ان نستفتي عقولنا في كل ما يستجد ويجري في أمور حياتنا ونعمل علي تحقيق مقولة فولتير "إنني مستعد ان أموت من أجل الدفاع عن حقك في التعبير عن رأيك مع مخالفتي الكاملة لما تقول".. بغير كل ذلك ابقي قابلني لو في دولة مدنية وحديثة كمان ..!