رغم العواصف الشديدة التي يتعرض لها الرئيس عبد الفتاح السيسي في تجربته في الحكم إلا انه مازال حتى الآن يتمتع برصيد شعبي أكبر من كل التحديات التي يواجهها.. لقد جاء الرجل في لحظة صعبة أوشكت مصر فيها ان تواجه مصيرا غامضا كانت أقل التضحيات فيه حربا أهلية تضع مصر في نفس السياق الذي سقطت فيه أربع دول عربية مرة واحدة.. لم ينس المصريون للرئيس السيسي انه حمل رأسه على كفه وغامر بحياته والقى بنفسه في هذا المجهول لكي يخرج بالمصريين من هذه المحنة القاسية.. إن الأزمة الحقيقية التي يعيشها الرئيس السيسي ان حماسه يتجاوز كثيرا كل من حوله وانه يحاول ان يجري بسرعة مذهلة في سباق مع الزمن والأحداث والبشر لأنه يدرك حجم التحديات التي تحيط بنا وطنا وبشرا ومكانا.. كنت أعتقد ومازلت ان الرئيس السيسي أخرج مصر من كارثة كبرى أمام فشل ذريع لتجربة الإخوان المسلمين في الحكم وهذا الفراغ الرهيب الذي خلفته في الشارع المصري ثورتان وخلع رئيسين وما لحق بالشارع المصري من خسائر فادحة في المال والأرواح والأمن والاستقرار.. حين نتحدث عن تجربة الرئيس السيسي في عام ونصف عام لا يمكن ان نتجاهل مجموعة من النتائج التي تحققت وعشناها واقعا وحياة حتى وان تغافل الإعلام عنها ولم تنجح مؤسسات الدولة في شرحها للناس.. لا يمكن ان نتجاهل قضية أمن المواطن المصري وما شاهدناه من غياب للأمن وحالة الفزع التي عاشها المصريون طوال عامين بعد ثورة يناير في مواجهات دامية سقط فيها الشهداء والضحايا في كل أرجاء المحروسة ان عودة الأمن إلى الشارع المصري كان انجازا كبيرا لا يدرك أهميته وقيمته إلا كل من عانى طوال الأيام الصعبة التي عشناها في ظل أمن غائب وحشود من الكراهية تهدد كل شىء.. لا نستطيع ان نتجاهل معركة جيش مصر مع الإرهاب في سيناء ورغم كل التضحيات التي تحملها الجيش والشرطة إلا ان انتزاع جزء من سيناء كان يمثل تهديدا لكل مقومات الدولة المصرية التي لم تستطع ان تحافظ على ترابها الوطني.. ان تطهير سيناء من حشود الإرهاب يبقى صفحة من صفحات الولاء والانتماء لجيش مصر العظيم. لا نستطيع ان نتجاهل ان الشعب المصري استطاع ان يؤكد إرادته وهو يكتشف خديعته الكبرى في جماعة الإخوان المسلمين وكان المصريون يحتاجون إلى مائة عام أخرى لكي تتحرر إرادتهم من هذه المحنة.. لا نستطيع ان نتجاهل إعادة بناء قواتنا المسلحة رغم كل الظروف الصعبة التي تعرضت لها جيوش المنطقة كلها حين تم تدميرها لتفقد الأمة العربية أهم مقوماتها العسكرية خاصة ما حدث للجيش العراقي والجيش السوري وما حدث للجيش الليبي والجيش اليمني كان من الممكن ان يتعرض جيش مصر لمؤامرات مشابهة لو شهد الشارع صداما أو انقساما بين القوى الوطنية أدت إلى إشعال حرب أهلية.. استطاعت مصر ان تنجو بجيشها من تلك التصفيات التي تعرضت لها الجيوش العربية.. ولم يتوقف الأمر على إنقاذ جيش مصر من المؤامرة بل ان ما شهدته هذه المؤسسة من عمليات التطوير والتسليح والتجديد فاق كل التوقعات حتى أصبح الجيش المصري واحدا من أقوى عشرة جيوش في العالم.. لقد تمت هذه المعجزة في ظل ظروف دولية صعبة ومؤامرات خطيرة وقبل هذا كله في ظل إقتصاد منهك يتعرض لصعوبات وأزمات خطيرة.. لا يمكن لنا ان نتجاهل تلك المحاولات الناجحة التي أعادت مصر إلى دورها ومسئوليتها في العالم الخارجي من خلال سلسلة من الزيارات التي قام بها الرئيس السيسي شرقا وغربا وأعادت للدور المصري الكثير من تأثيره على المستوى الإقليمي والدولي.. لا نستطيع أيضا ان نتجاهل سلسلة الإنجازات التي شهدتها مصر في فترة قصيرة للغاية ابتداء بالطرق وآلاف الكيلو مترات التي أضافت بعدا إقتصاديا جديدا وانتهاء بآلاف الشقق التي تم توزيعها على الأسر الفقيرة مرورا على ما حدث في قناة السويس الممر العالمي والمناطق الاستثمارية ومشروعات التوسع العمراني والإنتاجي والإقتصادي ومواجهة الأزمات التموينية بحلول جذرية في توفير السلع.. هذه أشياء لا ينبغي ان نختلف عليها خاصة انها انجازات عشناها وعايشناها في فترة زمنية قصيرة في عمر الشعوب وسط هذا كله يواجه الرئيس السيسي عواصف شديدة في تقديري ان أخطر ما فيها ما يجري في الداخل.. قد يرى البعض ان مؤسسات الدولة لا تجيد الحديث عن انجازات المرحلة وان بعضها فشل في التواصل مع المصريين بل ان بعضها وضع الدولة نفسها في مشاكل وأزمات ليس هذا وقتها على الإطلاق.. هناك أزمة صامتة بين الدولة ورأس المال الخاص وللأسف الشديد انها مجهولة الأسباب ان الدولة لم تتخذ موقفا صارما ضد رجال الأعمال رغم ان لديها من الأسباب إذا أرادت الكثير جدا الذي يدين الكثيرين منهم.. ان الدولة حاولت ان تحرك فيهم نخوة الولاء للوطن ولكنهم لم يستجيبوا بل ان البعض منهم تمادى فيما يشبه الخصومة دون أسباب مقنعة.. وبقى موقف رجال الأعمال حتى الآن سرا غامضا رغم كل ما طرحته الدولة من أفكار ونوايا إيجابية تجاه هؤلاء ابتداء بتعديلات قانون التصالح في الكسب غير المشروع وانتهاء بالتسويات التي عرضتها في قضايا الأراضي أو المشروعات المتوقفة أو تيسيرات المشروعات السياحية ولكن بقى صندوق تحيا مصر دليلا على عدم الاستجابة لدى هؤلاء.. هناك حلقة مفقودة مع الإعلام كان السبب فيها موقف الحكومة من التشريعات الخاصة بالصحافة والإعلام وقد تأخرت كثيرا.. ولاشك ان موقف رجال الأعمال قد انعكس بصورة أو أخرى على الإعلام لأن معظم وسائل الإعلام الخاصة يمتلكها رجال الأعمال وبعضهم يتصور انها يمكن ان تكون وسيلة ضغط وابتزاز للدولة وقد ساعد على هذه الصيغة حجم الأموال الضخمة التي يتلقاها بعض الإعلاميين للقيام بهذه الأدوار دون مراعاة لقدسية المهنة ورسالة الصحافة وأخلاقيات العمل الإعلامي والظروف التي تعيشها مصر.. هناك غموض شديد حول موقف الحكومة وعدد من المسئولين فيها في كثير من المواقف والشواهد، لقد غاب صوت الحكومة في أحداث كثيرة وكان الأولى بها ان تشرح للمواطن ما شهدته مصر في الشهور الماضية من إنجازات لا أحد في الحكومة كلها يجيد التواصل مع الشارع ولعل هذا ما جعل الرئيس السيسي يتصدى بنفسه لهذا الدور حين يتصل بالمذيعين للحديث عن إنجازات شهور قليلة قضاها في الحكم.. لا أتصور ان هذه من مسئوليات الرئيس، ان هذا يمثل قصورا في الأداء الإعلامي للدولة كان الرئيس قد وعد بلقاء شهري يتحدث فيه للشعب ولا أدري لماذا توقف هذا التقليد وكان من الممكن ان يكون شيئا ناجحا ومؤثرا.. الأخطر من ذلك ان المواطن المصري لا يعرف الكثير عن تلك الدائرة التي تحيط بسلطة القرار بل ان الكثير من القرارات صدر دون تمهيد أو توضيح وما أكثر القرارات الغامضة التي دار حولها جدل كثير ولم نجد أحدا يوضح للناس الحقيقة بقدر ما كان الرئيس السيسي واضحا في بداياته بقدر ما أحاطت به الآن دوائر من الغموض لا تتناسب مع شخصيته وأسلوبه في العمل والحياة. ان غياب التنسيق بين مؤسسات الدولة ممثلة في الحكومة والبرلمان والإعلام كان سببا في تشويه أشياء كثيرة.. هل يعقل ان تغطي معركة مع أحد أعضاء مجلس الشعب على زيارة مهمة يقوم بها رئيس الدولة لمنطقة من أهم مناطق الإقتصاد العالمي وهي اليابان وشرق آسيا.. هل يعقل ان تشوه المهاترات والشتائم والبذاءات على الفضائيات وجه مجتمع يسعى للتقدم ويحاول ان يتجاوز أزماته ومشكلاته.. هل يعقل ان يتصل رئيس مصر بالمذيعين لكي يقدم للشعب كشف حساب عن إنجازات فترة حكمه أين مؤسسات الدولة وأين مئات المستشارين والعاملين والمسئولين في هذه المؤسسات.. هناك بعض السياسات التي تحتاج إلى توضيح وشرح للحقائق.. ما هي الرسالة التي يمكن ان تصل إلى رجال الأعمال لكي يشاركوا في مسيرة مصر نحو المستقبل ما هي وسائل تشجيع هؤلاء بعد كل ما قدمته الدولة حتى الآن وأين هم من إعادة تشغيل عشرات بل مئات المصانع التي توقفت عن العمل.. كيف تستعيد الدولة تواصلها مع الإعلام بجدية وحسم بعيدا عن أساليب الرقابة وكبت الحريات، ان الإعلام يفتقد الرؤى وتعبث فيه كثيرا لغة المال سواء من الداخل أو الخارج هناك أموال كثيرة تدفقت من الخارج على الإعلام المصري وهي تعمل لجهات مشبوهة أين الدولة من كل ما يجري على أرضها أين مؤسساتها الرقابية والأمنية من هذه الكوارث.. وقبل هذا كله أين إعلام الدولة الذي تضاءل كثيرا أمام سطوة وحشود ومغالطات الإعلام الخاص.. هناك خطأ ما في اختيارات بعض المسئولين في مواقع السلطة والدليل هذه الأزمات التي يسببها تصريح لمسئول أو كلام يفتح أبوابا للأزمات أو قطيعة بين الشارع والمسئول ولا شك ان اختيارات المسئولين مازالت رغم تغير الظروف تخضع لجوانب أمنية والكثير منها يفتقد الدقة والشفافية إلا انها في النهاية تقع في إطار مسئولية صاحب القرار أمام الشعب لأنه المسئول عن اختياراته.. نحن الآن أمام برلمان جديد وبعد أيام سنكون أمام وزراء جدد وهناك إنجازات ضخمة تحتاج إلى المتابعة والرصد والمطلوب ان تشهد مصر في المرحلة القادمة تنسيقا متكاملا بين مؤسسات الدولة لأنها حتى الآن تعمل كجزر منفصلة.. ان معارك البرلمان تشد الشارع تماما عن كل ما يجري في مصر من إنجازات وهناك أشخاص تستهويهم لعبة الإعلام في البرلمان والحكومة وعدد من مؤسسات الدولة وينبغي ان نتخلص من مثل هذه الشوائب التي شوهت حياة المصريين في كل شىء.. من وقت لآخر تبدو في الأفق أشباح تكتلات لمراكز قوى جديدة وأصحاب مصالح يتصورون أن الزمن يمكن أن يعود للوراء ويعود الزواج الباطل بين السلطة ورأس المال ولا شك أن الدولة بكل مؤسساتها تدرك خطورة ذلك وتسعى لكسر هذه التربيطات قبل ان تصبح عبئا على سلطة القرار. إننا نواجه تحديات كثيرة خارجيا وداخليا.. أمامنا معركة تدور في كل أرجاء العالم العربي بين الوجود واللا وجود ومازالت مصر تمثل سدا منيعا ضد كل المؤامرات التي تسعى إلى تقسيم هذه المنطقة ولن تستطيع هذه القوى الوصول لأهدافها إلا إذا فقد الشعب المصري وحدته وتماسكه وإيمانه بهذا الوطن.. مازلنا نواجه آثار العهد البائد من نظام فاسد حكم هذا الشعب ثلاثين عاما واستباح ثرواته وموارده وترك لنا أرثا طويلا من الفساد.. مازلنا نواجه عصابة دينية فاشلة قسمت المصريين إلى شيع وأحزاب وهي تسعى إلى تدمير كل شىء لتحقيق أهدافها في الوصول إلى السلطة.. مازلنا نعاني أزمة حادة مع شباب مصر وهو الأولى بالاهتمام والرعاية من كل قضايانا التافهة التي استهلكت الوقت والجهد والمعاناة .. مازالت أمامنا طبقات فقيرة تريد حياة أفضل ومستقبلا آمنا ورخاء للجميع.. مازالت أمامنا معارك ضارية مع الأمية والجهل والتخلف والسوقية في السلوك.. مازالت أمامنا رحلة طويلة لتطوير التعليم وتوفير الخدمات الصحية لكل مواطن وتحقيق منظومة توفر الحياة الكريمة لمجتمع يعاني منذ سنوات طويلة.. مازالت أمامنا أحلام كثيرة في ان تستعيد مصر وجهها الحضاري والثقافي في ديمقراطية حقيقية وأحزاب سياسية واعية تدرك مسئوليتها ونخبة تعيد للمواطن المصري دوره ومسئولياته.. إنها أحلام كثيرة لن تحققها المعارك والصراعات ولن تعيدها الشتائم والبذاءات وعلينا جميعا شعبا وحكومة ان ندرك مسئوليتنا في إنقاذ مصر من كل ما يحيط بنا من المؤامرات وان نأخذ طريقنا إلى المستقبل لكي نبنيه معا. ..ويبقى الشعر فى الركن ِ يبدو وجهُ أمي لا أراهُ لأنه سكنَ الجوانحَ من سنينْ فالعينُ إن غفلتْ قليلا ً لا تري لكن من سكنَ الجوانحَ لا يغيبُ وإن توارى .. مثلَ كل الغائبينْ يبدو أمامى وجهُ أمى كلما اشتدتْ رياحُ الحزن ِ.. وارتعدَ الجبينْ الناسُ ترحلُ فى العيون ِ وتختفى وتصيرُ حزنًا فى الضلوع ِ ورجفة ً فى القلبِ تخفقُ .. كلَّ حينْ لكنها أمى يمرُ العمرُ أسكنُها .. وتسكنني وتبدو كالظلال ِتطوفُ خافتة ً على القلبِ الحزينْ منذ ُ انشطرنا والمدى حولى يضيق وكل شيء بعدَها .. عمرٌ ضنين صارت مع الأيام ِ طيفًا لا يغيبُ .. ولا يبينْ طيفًا نسميه الحنينْ .. فى الركن ِ يبدو وجهُ أمي حين ينتصفُ النهارُ .. وتستريحُ الشمُس وتغيبُ الظلالْ شيءٌ يؤرقنى كثيرًا كيف الحياة ُ تصيرُ بعد مواكبِ الفوضى زوالا ً فى زوالْ فى أى وقتٍ أو زمان ٍ سوف تنسحبُ الرؤى تكسو الوجوهَ تلالُ صمتٍ أو رمالْ فى أى وقتٍ أو زمان ٍ سوف نختتم الروايةَ.. عاجزينَ عن السؤالْ من قصيدة "طيف نسميه الحنين" سنة 2009 نقلا عن جريدة الأهرام