يبدو أن تنظيم " داعش" قد نجح فيما فشل فيه الرئيس العراقى السابق صدام حسين، عندما حاول طمر الهوية الكردية بترحيل العراقيين ليقطنوا فى الاقاليم والمحافظات الشمالية التى يهيمن عليها الكرد. فقد ادت الحرب الدائرة بالعراق الان الى تغير التركيبة السكانية باقليم كردستان شبه المستقل في شمال العراق بعد اضطرار الالاف من العراقيين للفرار شمالا بعيدا عن اتون الحرب الدائرة . ومدينة "شقلاوة" هى احد مدن اقليم كردستان و التى يبلغ تعدادها نحو 25 الف نسمة ،خير مثال على اختلال التوازن السكانى الجديد ، فالمدينة التى تقع وسط التلال المغطاة بأشجار الصنوبر، و لطالما كانت ترحب بزوارها الذين يعتبرونها منتجع يهربون اليه فى ايام الحر و القيظ بالسهول العراقية ، اصبحت الان معقل من معاقل اللاجئين العرب السنة بعد فرار نحو 30 الف عراقى معظمهم من مدينة " الفلوجة" بعد سقوطها فى ايدى "داعش" . ويقول" نوزاد هادي Nawzad Hadi" محافظ "أربيل" وهى واحدة من ثلاث محافظات التي تشكل اقليم كردستان" ان منتجع " شقلاوة" ليس وحدة الذى اصبح قبلة للاجئين العرب و الفارين من الحرب بل الاقليم كله ، حيث يقدر عدد الفارين الى اقليم كردستان و مدنه باكثرمن 1.5 مليون نسمة و ذلك منذ اصبحت مناطق السنة بوسط العراق فى حرب مع داعش".. و يضيف " هادى " ان استيلاء " داعش" على المدينةالعراقية المركزية "الرمادي" فى شهر مايو الماضى ، قد عجل بأحدث موجة من الوافدين، حيث وصل محافظة " اربيل" نحو 25 الف عراقى في هذا الشهر وحده ، هذا و يبلغ تعداد سكان اقليم كردستان نحو 5.2 مليون نسمة ، و استيعاب هذا العدد من اللاجئين العرب قد احدث بالفعل تحول ديموجرافي ضخم فضلا عن وضع ضغطا هائلا على الموارد العامة، وتدفق العراقيين العرب يهدد بإعادة تشكيل هوية كردستان ذاتها وتقويض الهدف الذي يتقاسمه الأكراد، وهو انشاء دولة مستقلة في نهاية المطاف . ويقول "خالد صالح" الذي يدير جامعة كردستان في أربيل " مع هذا العدد الكبير من اللاجئين والمشردين داخليا، من المحتمل جدا ان لا يعودوا الى مواطنهم ، و سيبقى الكثيرون منهم بكردستان ، وهذا سيكون سيناريو كابوسى إذا ما استمر لعدة سنوات". العرب والأكراد لديهم تاريخ طويل من النزاع في شمال العراق، و خلال عهد صدام حسين استخدم الأسلحة الكيميائية لقمع الانتفاضات الكردية وسيساسات التطهير العرقى ضد سكان المناطق الكردية كجزء من حملته "لتعريب" الاكراد ، الذين عمدوا الى أجبار بعض من هؤلاء المستوطنين العرب على مغادره اراضيهم بعد الغزو الامريكي عام 2003 .. وبعد مرور اكثر من عقد على هذا التغيير الا انه مازال الشك متبادل بين الجانبين، وامتد في بعض الأحيان إلى العنصرية الصريحة. وقد ظلت كردستان العراق، التي تحميها قواتها الأمنية الخاصة المعروفة باسم "البشمركة"، فى حالة استقرار نسبي وآمنة على مدى العقد الماضي، بينما بقية أنحاء البلاد سقطت فى شرك العنف الطائفي.. و قد اضطرت السلطات المحلية مع تزايد اعداد اللاجئين للاقليم، الى فرض قيود على هجرة العراقيين الآخرين مؤخرا، وعلى الرغم من هذا مازال اقليم كردستان لكثير من العرب السنة الذين فروا من "داعش" ، وجهه جاذبة أكثر بكثير من بغداد أو المدن العربية الأخرى بالعراق، التي اصبحت الميليشيات الشيعية تهيمن عليها بصورة متزايدة. "ميادة الكردى" عراقية سنية، تبلغ من العمر 30 عاما، نجحت هى و عائلتها المكونة من 26 فردا فى النزوح من من الفلوجة ، و تعيش الان هى واسرتها في منزل غير مكتمل البناء بمدينة "شقلاوة"، حيث تغطي الأغطية البلاستيكية النوافذ، وزودتهم البلدية باثنين من المراحيض المتنقلة لوضعها خارج المنزل، وعلى الرغم من قسوة الحياة فى هذا الوضع الا ان "ميادة" تقول أنها سعيدة انها قد وصلت أخيرا كردستان ، وان الصراع بين الشيعة والسنة جعل مدينتها غير آمنة "الجميع يقاتلون بعضهم البعض، ونحن في الوسط، ولم يعد لى امل فى الرجوع للفلوجة او الرمادى ، واذا سمحت لنا الحكومة بالبقاء فسنبقى هنا لبقية حياتنا". وفى اقليم كردستان، ومع تزايد المخاوف من تسلل أنصار تنظيم " داعش" بين موجات النازحين العرب، حظرت خدمات الأمن المحلية الدخول البري للعرب العراقيين الذين ليس لديهم رعاة محليين. ويقول " ماجد شاكر" (50 عاما) الذي وصل إلى أربيل مايو و يستأجر الآن منزل بغرفة نوم واحدة مع ثمانية من أقاربه في شقلاوة" لقد كان من الصعب بالنسبة لى الحصول على إذن لدخول بغداد من الرمادي على عكس الدخول الى كردستان، ومعظم الناس الذين أعرفهم يريدون أن ياتوا الى كردستان لأنه آمن". ويقول جاره "حنش أحمد هادي" البالغ من العمر 50 عاما ،و هو جندى بالبيشمركة الكردية ، ان لديه مشاعر مختلطة حول القادمين الجدد من الجنوب، و على الرغم من هذا فقد ساعدهم على الاستقرار "، مشيرا: " لقد كنت لاجئا في إيران لمدة 21 عاما، لذا اعى و احترم ما يمر به اللاجئين ". ويصف "رزكار ناصر" رئيس بلدية" شقلاوة " الوضع فى مدينته قائلا " اصبح العرب العراقيين النازحين لشقلاوة يشكلون الآن سبعة من أصل 10 مواطنين يتلقون العلاج بالمراكز الطبية التي تديرها الحكومة، وأطفالهم ذهبون الان لمدارس تم انشائها خصيصا لهم تدرس باللغة العربية، حيث يتم تعليمهم من قبل لاجئين عرب اخرين". ويضيف رئيس البلدية ، انه ومع طوفان السكان الجدد، ارتفعت الإيجارات في المدينة، واصبحت الكثير من المساكن بعيدة عن متناول السكان المحليين لارتفاع الايجارات، ومع ارتفاع تكاليف المعيشة زادت علاقات الشجار والخلاف بين إقليم كردستان والحكومة المركزية في بغداد حول كيفية تقسيم عائدات النفط العراقي، وهو ما أجبر الحكومة الكردية على تأخير دفع الرواتب لموظفي الحكومة لعدة أشهر. ويقول "ناصر" ان الاحباط يسيطر على الناس، ولا يمكن أن نضمن السيطرة على استيائهم ، فعندما كان لازما مواجهة "داعش" قام البشمركة بالقتال ، و يستشهد منهم من يستشهد في الخطوط الأمامية كل يوم بينما الشعب العربي لم يقاتل وهرب… ووسط تدفق المزيد من اللاجئين يوميا على اقليم كردستان ، اقترح بعض الساسة الأكراد بالفعل اتخاذ تدابير جذرية للتعامل مع التدفق العربي على الاقليم . . و كما يقول "كمال كركوكي" رئيس البرلمان السابق لاقليم كردستان وهو مسؤول كبير في اكبر حزب تابع للحكومة" يجب أن تكون هناك مخيمات، فمن الخطأ جدا ترك هؤلاء الناس للعيش بحرية داخل المجتمع، ففى وقت ما سوف يرسل داعش اعضاء من التنظيم كخلايا نائمة بين اللاجئين". ولكن " نوزاد هادي" محافظ أربيل، يؤكد أنه لم تقع أية حوادث أمنية تنسب إلى العراقيين العرب. وكان التفجير الانتحاري الأخير بالقرب من القنصلية الامريكية من أعمال المتطرفين الأكراد المحليين.. وحول اقتراح حصر الوافدين الجدد وارسالهم إلى المخيمات، يقول "هادى: "من يستطيع بناء هنا مخيم لمائة الف اسرة؟ لا أحد يستطيع أن يفعل ذلك ".