القنعرة الكذابة التى يتحدث بها قيادات فى التيار الإسلامى عن أغلبيتهم فى الشارع دليل على جهل فخور بنفسه إلى حد مثير للغثيان، صحيح أن بعضًا من هؤلاء القيادات لا بد أن تؤثر فيهم سنوات الهروب فى صحراء وفيافى وجبال أفغانستان وباكستان، وبعضهم كذلك يتكفل فرطُ الاعتقالات التى تعرضوا لها بضرب مركز التوازن فى تفكيرهم، إلا أن هناك من لم تمسّ قدمه عتبة سجن، ولم تلمس يداه صخرة فى جبل أفغانى، ويقول هذا الهراء معتزا ومغترا كذلك، وقد وصلت المسألة إلى حد الهطل السياسى، حين زعموا أن مظاهرات ميدان النهضة بلغت خمسة ملايين متظاهر، لكن هذا من وجهة نظرهم كذب فى سبيل الله طالما أنه كذب على من يعتبرونهم ملحدين كفرة أو أقل إسلاما! إن تيار الإخوان وحلفاءهم يكذبون ليس كى يصدقهم خصومهم (لعلهم يكذبون كى يثيروا غضبهم)، لكن كى يصدقهم جمهورهم، جمهور السمع والطاعة المستعد أن يصدق أن العلبة دى فيها فيل!
فالحقيقة، كما قلت وكتبت قبلا، أن الإخوان كجماعة وأفراد لا يمكن أن تمثل أكثر من نصف فى المئة من التسعين مليون مصرى، هذا النصف فى المئة لا يمكن أن يدَّعى لنفسه أغلبية أو غالبية على الإطلاق، حتى لو كانوا منظَّمين، وحتى لو أنهم يمكن استدعاؤهم فى أى مُلِمّة كأنهم جنود أمن مركزى، وحتى لو بثّوا الذعر فى الناس بإعلان استعدادهم للعنف وللموت فى سبيل ما رباهم عليه آباؤهم فى الجماعة.
ثم إن أقصى ما حصل عليه مرشحهم فى الانتخابات الرئاسية فى المرحلة الأولى، حيث المكانة الجماهيرية الحقيقية الكاشفة لحجم كل فصيل، كان خمسة وعشرين فى المئة من الناخبين، وهو ما يعنى أنهم فى أحسن أحوالهم قادرون على جلب تأييد ربع المصوتين فى الانتخابات (وليس ربع المصريين). لاحظ كذلك أن مرشحى التيار الإسلامى كلهم (مرسى وأبو الفتوح والعوا ومع تحفّظ أن عددًا من غير أنصار التيار الإسلامى قد صوّت لصالح أبو الفتوح!) حصلوا فى الانتخابات الرئاسية فى المرحلة الأولى على قرابة تسعة ونصف مليون صوت، بينما حصل مرشحو التيار المدنى فى ذات المرحلة على نحو ثلاثة عشر مليون صوت، وهو ما يشرح توازن القوى بين الإسلاميين ومنافسيهم فى انتخابات مفتوحة بين الطرفين!
لكن الإخوان ومندوبهم أسرى الأغلبية الكاذبة فى المجلس المنحل، وهو فضلًا عن أنه منحل، فإنه لم يقدم للإخوان الغالبية إطلاقًا، فقد حصلوا مع أحزاب تحالفت معهم على اثنين وأربعين فى المئة من المقاعد، وذلك فى انتخابات كانت عارًا وعوارًا، ولا تتمتع بالحد الأدنى من السلامة والاستقامة الانتخابية، وفى ظرف تاريخى لا يمكن أن يتكرر، ومع ذلك فإن الجماعة مهووسة بهذه اللحظة، وتمسك فيها بديلها وأسنانها، وتحتجّ بها، وهى حجة بالية ومنتهية ومنحلة ولا قيمة لها فى التعبير عن جماهيرية الإخوان هذه الأيام، والتى لا تمثِّل فيها الجماعة ولا مندوبها أى غالبية.
من ناحية أخرى هناك فئة من التيار الإسلامى سواء من داخل الإخوان أو من المنشقين كذبا عليهم تخدم الإرهابيين والإرهاب فى ما لا تتسخ يداهم، هذه الفئة تظهر بابتساماتها البلاستيكية على شاشات التليفزيونات، وبما ظن هؤلاء أنهم نجحوا فى صناعته من صورة الإسلامى المعتدل المنفتح لكن بمجرد احتدام الخلاف وتصاعد درجة الغليان تنمحى الأقنعة وتذوب عن وجوههم ويرجعون إلى هذا الإسلامى المتطرف المتغطرس الذى يظن أنه محتكر الدين وصاحبه، مترفعا عن هؤلاء المعارضين الذين لا يشاركونه تديّنه والتزامه، هذه الفئة تستغل الآن المتطرفين والإرهابيين من جماعاتهم فى ترويع المعارضين والتباهى بعنفهم وتهديد مخالفيهم والاغترار بالقوة وهو سلاح لا يتورعون عن التلويح به والتحريض عليه واستخدامه، مهللين له ومبررين، وتجلى هذا بمنتهى الصفاقة فى حصار المحكمة الدستورية وفى إرهاب قضاة مجلس الدولة!
بعض الكَذَبة من هؤلاء المعتدلين لا يُدينون العنف ولا الإرهاب بل يطلبونه ويحضون عليه ويفخرون به ويستخدمونه ويزينون استخدامه ويبررون اللجوء إليه، وهذا كاشف لا شك عن جوهر التعصب والتطرف الذى لم يدع مجالا للعقل ولا حتى لتماسك الكذب الذى يحترفونه منذ سنين!