د. أيمن الرقب انطونيو غوتيريش «قد أكون آخر أمين عام لهذه المنظمة التى تمتلك القدرة على التأثير، وأن أى بديل عن الأممالمتحدة ليس قوى عظمى، بل فوضى عظمى». تنتهى مهمة الأمين العام للأمم المتحدة السيد انطونيو جوتيريش نهاية هذا العام، وقد تولى هذه المهمة عام 2017م، وشغل المنصب لدورتين متتاليتين. تميز السيد انطونيو جوتيريش بمواقفه الإنسانية والدفاع عن الأممالمتحدة، وفى كلمته التى ألقاها فى الثلاثين من يناير الماضى والتى اختتمها بجملة «قد أكون آخر أمين عام لهذه المنظمة التى تمتلك القدرة على التأثير، وأن أى بديل عن الأممالمتحدة ليس قوى عظمى، بل فوضى عظمى». كلمات واضحة وصريحة استهل بها الأمين العام انطونيو جوتيريش كلامه بأن ما يخشاه أن يسود قانون شريعة الغاب على العالم بحجة السلام. هذه الكلمات بمثابة إشارة واضحة حول مجلس السلام العالمى الذى يؤسسه الرئيس الأمريكي، حيث يخشى الأمين العام للأمم المتحدة أن يصبح هذا المجلس بديلا للأمم المتحدة ويتحكم فيه رجل واحد. لقد اشتملت كلمة الأمين العام للأمم المتحدة السيد جوتيريش الكثير من التوصيات وكأنها خطبة وداع رغم أن أمامه عدة أشهر فى هذا المنصب، وكأن الرجل يقرأ المستقبل القريب المليء بالصراعات ويحذر من القادم، قدم خلال كلمته هذه عدة توصيات من أهمها: ثورة القيادة: حيث يرى السيد انطونيو جوتيريش بأنه آن الأوان لتقود الأممالمتحدة امرأة، هذه التوصية الجريئة بمثابة رسالة للمجتمع الدولى بضرورة كسر الجمود التاريخى فى أكبر منصب دبلوماسى عالمى منذ تأسيس الأممالمتحدة بعد الحرب العالمية الثانية. الاستقلال المالي: شدد السيد انطونيو جوتيريش على ضرورة تنفيذ مشروع الأممالمتحدة (80)، والذى يضع قواعد لإصلاح الوضع المالى فى المنظمة الدولية للتخلص من الابتزاز المالى والسياسى خاصة تمنع واشنطن عن سداد التزاماتها المالية للمنظمة الدولية، هذا المشروع حسب كلام السيد انطونيو جوتيريش سيجعل المنظمة أكثر رشاقة وكفاءة، وأقل عرضة لأى ابتزاز مالى وسياسي. الحقوق المدنية: لم ينس الأمين العام للأمم المتحدة السيد انطونيو جوتيريش البعد الداخلى فى العالم، وبالتحديد فى الولاياتالمتحدةالأمريكية، وهذه جرأة معهودة عند الرجل، حيث دعا السلطات الأمريكية لضرورة ضبط النفس تجاه المتظاهرين، فى إشارة منه إلى أن قيم الديموقراطية يجب أن تصان فى دولة المقر لتعطى نموذجا يحتذى به فى العالم. القضية الفلسطينية كانت حاضرة فى كلمة السيد انطونيو جوتيريش كما جرت العادة، حيث أكد على ضرورة إنصاف الشعب الفلسطيني، ووقف القتل فى غزة والضفة، وضرورة إنقاذ حل الدولتين، كما أشار فى مطلع هذا الشهر إلى أنه عاجز عن وقف معاناة الشعب الفلسطيني، متمنيا من العالم عدم تكبيل أيدى المنظمة الدولية لتنفيذ المستضعفين فى العالم. كما أكد على ضرورة قيام دولة فلسطينية فى الأراضى المحتلة عام 1967م تعيش بسلام بجانب دولة الاحتلال الإسرائيلي، وطالب الدول الكبرى بضرورة العمل على تحقيق هذا الهدف. يستعد هذا الرجل طيب الأخلاق للرحيل على وقع رياح تعصف بالعالم، يغادر أنطونيو جوتيريش مسرح الأحداث تاركاً خلفه تركة مثقلة بالهموم ربما يكون قد نجح فى أن يكون صوتاً أخلاقياً عالياً، لا يعبأ بتهديدات المتنفذين فى العالم، حلفاء الاحتلال الإسرائيلي، لكنه اصطدم بواقعية سياسية صعبة همشت دور المنظمة الدولية، وأضعفت شخصيتها الاعتبارية. فالإصلاح مهم لهذه المنظمة الدولية، مع ضرورة معالجة تأثير فيتو مجلس الأمن على قرارات الجمعية العمومية حيث تفقد الدولية شخصياتها الاعتبارية عندما يستخدم حق النقد الفيتو الذى يقهر قرارات الشعوب. الأمر لا يقف عند تأسيس مجلس سلام عالمي، بل قد يمتد تأثيره ليصبح بديلا لمنظمة الأممالمتحدة، وكأنه انقلاب ناعم على شكل المؤسسات الدولية القائمة منذ الحرب العالمية الثانية، وتغير ملامح العالم دون الحاجة لحرب عالمية جديدة، ما نخشاه كما أشار الأمين العام للأمم المتحدة أن يتحول هذا الأمر لفوضى عالمية تدمر شكل الاستقرار الدولي، ويصبح مستقبل العالم فى يد رجل وليس مؤسسة.