أبوشقة: لن نسمح بالمساس ب الرئيس أو الجيش أو الشرطة المصرية.. فيديو    وائل غنيم يعمل بخطة محددة ويستهدف كسر هيبة الدولة.. فيديو    نادي قضاة مجلس الدولة بالإسكندرية يهنئ رئيس مجلس الدولة الجديد    المصريون فى نيويورك يواصلون الاحتشاد لدعم وتأييد مصر والرئيس السيسى    ضياء رشوان: «الاستعلامات» لا تتدخل في عمل المراسلين الأجانب    على مدار 3 أيام.. قطع الكهرباء عن عدة مناطق بالقليوبية    أكثر 5 أسهم إنخفاضاً بالبورصة اليوم بعد نزيف التراجعات    "الإسكندرية التجارية": الاتفاق على تسيير رحلات شارتر بين مصر ودبي    القائمة العربية في إسرائيل تقرر دعم جانتس لإسقاط نتنياهو    «مصر» يوقع بروتوكولات تعاون لتنمية قرى صعيد مصر    رسائل قادة مصر والعراق والأردن من نيويورك: تعزيز التعاون السياسي والاقتصادي والإستراتيجي.. دعم الحل السياسي الشامل للقضية الفلسطينية.. القضاء على التنظيمات الإرهابية.. وتأمين حرية الملاحة في الخليج    ترامب يعلن عن إجراء أول تدريب عسكري مشترك مع الهند في نوفمبر    تفجير عبوة ناسفة ومقتل 12 مواطنا.. السعودية تصدر بيانا عاجلا حول هجوم كربلاء الدموي    الجزائر تحاكم رموز نظام بوتفليقة.. شقيق الرئيس وجنرالات بالمخابرات الأبرز    رئيس البرلمان العراقي يؤكد ضرورة إبعاد بلاده عن شبح الحرب    ترتيب الدوري الإنجليزي بعد نهاية الجولة السادسة    المصري ب10 لاعبين فقط يتعادل أمام حرس الحدود    صدمة قوية ل بيراميدز قبل مواجهة بلوزداد الجزائري في الكونفدرالية    لامبارد: كنا أفضل من ليفربول وأكثر هجومًا وأتمنى أن نستمر بهذا الأداء    ميدو يطير إلى إيطاليا للمشاركة في احتفالية أفضل لاعب بالعالم    الأرصاد تعلن درجات الحرارة المتوقعة غد    بعد سرقتها .. صحة القليوبية تشكل لجنة لجرد عهدة مستشفى طحانوب    تأجيل محاكمة المتهمين في قضية "فساد المليار دولار"    جسم غريب يثير الذعر بشارع مصدق.. والمفرقعات: «شنطة بداخلها بوكيه ورد»    شرطة التموين تحرر 1008 مخالفات تموينية خلال 24 ساعة    بالصور| ناهد السباعي وأبو بكر شوقي ضمن حضور "1982" في "الجونة السينمائي"    اليمنية أروى توجه رسالة حب للشعب المصري والقوات المسلحة    معرض توت عنخ آمون يحطم الأرقام القياسية في تاريخ فرنسا    إعصار قوي يضرب اليابان يحول دون إقامة بعض مباريات كأس العالم للركبي 2019    مرجان ل"الفجر الرياضي": حصلنا على الموافقة الأمنية بحضور 5 آلاف مشجع للقاء الأهلي وكانو سبورت    حبس عصابة تخصصت في خطف الحقائب بالطالبية    إطلالة جريئة لمذيعة «العربية».. ومتابعون: «جوهرة»    التعليم: التابلت بديلا للكتاب بدءًا من العام المقبل    النائب محمد زين الدين يشيد بتصريحات وزير قطاع الاعمال العام لحل مشكلات صناعات الغزل والنسيج    بالفيديو.. شرطة هونغ كونغ تستخدم الغاز المسيل للدموع لتفريق المحتجين    فيديو يثير غضب جماعة الإخوان وتسعى لحذفه من مواقع التواصل .. تعرف عليه    خالد الجندى: الظن واجب فى هذه الحالة ليس حراما.. فيديو    وزارة الصحة: 499 ألفا سجلوا بياناتهم في التأمين الصحي الشامل ببورسعيد    دورات تدريبية للطلاب والخريجين بقسم الاستعاضة الصناعية المتحركة ب"أسنان الأزهر"    منة فضالي على البحر في إطلالة جديدة (صور)    النادي الإعلامي يفتح التسجيل لحضور النسخة الثانية من "منتدى إعلام مصر"    "الأثقال" يكشف دور "الرياضة" واللجنة الأولمبية في ملف أزمة إيقاف الاتحاد دوليا    "الشباب والرياضة" تنظم ملتقى توظيف لشباب الخريجين بالفيوم    فتح باب التسجيل ببرنامج التأهيل التربوي لطلاب الأزهر في جنوب سيناء    أحمد العوضي يفضح المقاول الهارب محمد علي: عندك مرض هوس الشهرة    بعد وقف الزنتاك والراني تعرف علي البدائل    وزير الأوقاف يعتمد 15 محفظًا جديداً    حكم صلاة الرجل مع زوجته جماعة في البيت .. هل يحصل على الثواب كاملا    قلعة صلاح الدين تحتضن مهرجان "سماع" الدولي للإنشاد الديني    موعد حفل جوائز The Best فى ايطاليا (الصور)    انفجار ماسورة صرف وثعابين.. شكاوى أولياء الأمور في أول يوم دراسة بالغربية    انطلاق مؤتمر "الجهاز الهضمي والكبد والأمراض المعدية".. الأربعاء    «الزراعة» تبحث التعاون في تسويق منتجات الصوب الزراعية من محاصيل الخضر    بيان عاجل من القوات المسلحة    وزير النقل وسفير المجر في جولة تفقدية بمصنع «سيماف» (تفاصيل الزيارة)    هل قول صدق الله العظيم بدعة؟ .. الإفتاء ترد    طرح أول دواء مصري يخفض السكر عبر الكلى وليس البنكرياس    الابراج اليومية حظك اليوم برج الحوت الإثنين 23-9-2019    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





هيكل في كتابه المجهول: تعاون المثقفين مع الثورة ليس غاية المنى بل نوع من الولاء السياسي
نشر في الدستور الأصلي يوم 08 - 02 - 2010

حياتنا الفكرية فى حاجة إلى المزيد من المناقشات من أجل بلورة عقائدنا الوطنية
هيكل وعبدالناصر أثناء افتتاح تجديدات الأهرام فى الستينيات
في الفصل الثاني من كتابه أزمة المثقفين يبدو هيكل وكأنه يريد أن يزيل الالتباس الذي ساد في أوساط المثقفين بعد نشر المقال الأول من سلسلة مقالاته والذي شكل الفصل الأول من الكتاب فقد أثيرت ضجة حول الكتاب كانت حول أسباب إثارة المسألة وتوقيتها، وعلاقة عبد الناصر بها . ويبدو أن الفصل كله كان بهدف إزالة أي التباس أثير سواء علانية عبر كتابات صحفية أو غير علني في أحاديث المثقفين .
ويبدأ هيكل بطرح سؤال: لماذا فتحت المناقشة في هذا الموضوع؟ ويجيب هناك 3 ملاحظات أستأذن في إبدائها: من حيث تركت الخيوط أعود إلي التقاطها من جديد، لكي أذهب مع الحديث إلي الأزمة الثانية، التي بلورت ولا أقول صنعت أزمة المثقفين في علاقتها بقوة الدفع الثوري وتلك هي أزمة المطالبة بعودة الحياة النيابية ورجوع الأحزاب!
ويقترح، القيام بوقفة قصيرة عند الضجة التي أثارها الجزء الأول من هذا الحديث، الذي تعرض فيه لأزمة المثقفين في شكلها العام قبل قيام ثورة 23 يوليو 1952، ثم علي وجه التخصيص لأزمة المطالبة بعودة الجيش إلي ثكناته في أعقاب تصديه لتنفيذ الثورة.
والوقفة القصيرة التي يقترحها يري أنها ضرورية. ذلك أن الجزء الأول من الحديث هو نقطة بدايته، ومن المحتم دائماً لضمان سلامة أي حديث أن تكون نقطة بدايته واضحة. إن وضوح نقطة البداية في الحديث هو قوة دافعة له في الاتجاه الصحيح، ويشير هيكل الي أنه لقد تمني أن يتحول هذا الحديث إلي مناقشة عامة واسعة النطاق. وقد تحُقق له ذلك بفضل الآلاف ممن كتبوا إليَّ خلافاً أو اتفاقاً. وبسماحة عشرات الألوف من الذين جعلوا الموضوع موضوعهم وناقشوه بينهم ووصلوا فيه أو لم يصلوا إلي نتيجة.. والملاحظة الأولي التي يطرحها هيكل هي : لقد سئلت: - ما قصدي من إثارة هذا الكلام الآن، ولماذا العودة إلي ما فات؟و يجيب : - إن مقصدي الحقيقي هو طرح الموضوع للمناقشة العامة الحرة، إنني أشعر أن حياتنا الفكرية في حاجة إلي مزيد من المناقشات العامة الحرة لبلورة عقائدنا الوطنية والمساعدة علي صياغتها في صورة شبه كاملة. ولقد تصورت أن هذا الموضوع بالذات يجب أن يكون بداية أي مناقشة لأنه يتصل في صميمه بحق المناقشة أصلاً وأساساً. إن مرور الأيام علي الأزمات، من غير مواجهتها مواجهة صريحة لا يحل هذه الأزمات، وإنما يحولها إلي عقد. ومن ناحية أخري، فليس في حياة الأمة شيء «فات» وشيء «لم يفت». إن الحاضر ابن شرعي للتاريخ، والغد استمرار متطور لليوم. أما الملاحظة الثانية إذا كان هناك من يتصور أنني أردت أن أعلق في رقبة المثقفين وحدهم مسئولية الأزمة كلها، وأحملهم نتائجها، فليس ذلك ما أردت.
والملاحظة الثالثة أن هناك من رأوا أنه لم تكن هناك أزمة مثقفين وإن اختلفت بينهم الأسباب في التدليل علي صحة رأيهم.
بعضهم قال: إنه لم تكن هناك أزمة لأن المثقفين قاموا بدورهم.
وبعضهم قال: إن الضباط الذين قاموا بثورة 23 يوليو هم في عداد المثقفين، وبالتالي فأين هي الأزمة؟
وبعضهم قال: إن المثقفين تعاونوا مع قوة الدفع الثوري، بعد 23 يوليو، ووضعوا كل علمهم تحت أمرها، دون تحفظ ودون سلبية.. وإذن ماذا؟، وأريد أن أتلكأ دقيقة واحدة أمام كل رأي من هذه الآراء. - إن القول «بأنه لم تكن هناك أزمة لأن المثقفين قاموا بدورهم»، هو في ظني وبصراحة! محاولة هروب! - إن مجرد خروج طليعة من الضباط الشبان من داخل صفوف الجيش ودخولهم إلي ميدان العمل الوطني السياسي الذي لم يؤهلوا له بالطبيعة... وأكثر من ذلك كله استجابة الجماهير لهم، استجابة بعيدة وعميقة، لإحساسها بقدرتهم علي التعبير عن مطالبها الأصيلة. ذلك كله دليل وجود الأزمة. دليل وجود الأزمة من حيث هو دليل علي الفراغ الذي كان يملأ ميدان العمل الوطني قبل الثورة. إن الجيوش ليست بالطبيعة طليعة الثورات. الجيوش بالطبيعة هي حماية الأمر الواقع. والثورة بالطبيعة هي محاولة تغيير الأمر الواقع. ومن ثم فالصدام بين الاثنين أقرب إلي التصور من أي احتمال آخر. ومع ذلك فإن الأمر لا يحتاج إلي الاستعانة بالقرائن حتي تستخلص النتائج. كيف كان الوضع القائم قبل 23 يوليو وأين مكان المثقفين فيه والمثقف هو المواطن الواعي للعمل العام، وليس تقييم العلم والوعي مرتبطاً بالشهادات الدراسية وحدها في تصوري.
لقد كانت الأحزاب السياسية هي تنظيمات العمل العام وهذا أمر طبيعي.
والأحزاب السياسية هي في واقع أمرها تعبر عن مصالح اقتصادية وتلك بدهية علمية لم تعد الآن موضع جدل.
ولقد كانت ملكية الأرض هي المصلحة الاقتصادية الأساسية في مصر وبالتالي فإن الأحزاب السياسية الحاكمة كانت في حقيقتها تمثيلاً لملاك الأرض.. لكبار ملاك الأرض بالطبع. واستطاعت هذه الأحزاب أن تجذب إليها فضلاً عن أبنائها، المثقفين من أبناء ملاك الأرض جماعات من المثقفين من طبقات أخري، ولكن الظروف جعلتهم يتحولون بولائهم إلي الطبقة الحاكمة.. يريدون أن يكونوا جزءاً منها أو امتداداً لها. ولولا أني لا أريد أن أعرّض بأحد لاستعرضت الأحزاب الثلاثة الكبري التي كانت قائمة قبل الثورة، وهي الوفد والأحرار الدستوريون والسعديون، واستعرضت أسماء أعضائها، أحاول أن أتخذ منها ومنهم أمثلة علي ما أريد أن أقوله.
وفي هذه الأحزاب الثلاثة، كان الوفد هو أقربها للجماهير بحكم قيادته لثورة 1919، وبحكم بقائه مع قوة الدفع الذاتي لها التي استمرت حتي توقيع معاهدة سنة 1936، فلفظت آخر أنفاسها. وما حدث لحزب الوفد خلال سنوات حكمه يعد ذلك من 4 فبراير 1942 إلي 8 أكتوبر 1944، ثم من 3 يناير 50 إلي 26 يناير 1952 معروف مشهور، فليس هدفي هو التجريح أو التشهير، وإنما أنا أحاول استخلاص نتيجة سياسية مؤداها أن الوفد وهو أكبر تنظيمات العمل العام قبل الثورة، وأكثرها قدرة علي جذب المثقفين، وأقربها بحكم ماضيه اتصالاً بالجماهير، لم يكن قادراً علي تحقيق الثورة. لقد كان ارتكازه علي كبار ملاك الأرض في حد ذاته عائقاً مانعاً يباعد ما بينه وبين الثورة التي كان يجب أن تكون إعادة توزيع الأرض خطوتها الأولي، هذا فضلاً عن الظروف الأخري التي أفقدت الوفد فاعليته ومن ثم قدرته علي تحمل مسئولية الثورة. ولقد كانت هذه الصورة كلها، أساس ما كان يشكو الناس منه قبل الثورة، من قيام الأحزاب علي غير برامج، وإنما علي مجرد أسماء الأشخاص، كذلك ما كان يشكو الناس منه، من سهولة التنقل بين الأحزاب، فالأحزاب الثلاثة في حقيقتها كانت حزباً واحداً، من حيث كونها مصلحة واحدة تمثل كبار ملاك الأراضي، والذين جذبهم بريق الثروة والسلطان إلي ناحيتهم من المثقفين.
وتحليل هيكل يتجاهل موقف مثقفي الطليعة الوفدية مثل الدكتور محمد مندور وعزيز فهمي وغيرهما، فهذا التجمع الشبابي داخل الوفد أعطي للحزب طابعا اشتراكيا، في مواجهة محاولات سيطرة كبار الملاك علي الحزب ممثلة في فؤاد سراج الدين . وكان مصطفي النحاس زعيم الوفد يحتضن هذا الجناح في مواجهة الذين يريدوا أن يدفعوا الوفد إلي أقصي اليمين.
ويستكمل هيكل تحليله بالقول إنه في مواجهة هذه الأحزاب الثلاثة التي اضطلعت بالحكم كانت هناك مجموعات أخري، من تنظيمات العمل العام، استطاعت أن تجذب إليها أعداداً من المثقفين، ولم يجذبهم إليها إيمانهم الكامل بها، بقدر ما جذبتهم محاولة البحث عن طريق. وكان الإخوان المسلمون أكبر هذه التنظيمات ولكن فلسفتهم ضاعت ما بين التلفت إلي الوراء، وما بين النزعة إلي الإرهاب. وكانت التنظيمات الشيوعية تليهم في القوة ولكن الثورة كانت في تقديرهم لا تصنع محلياً، وإنما استيرادها، واستيرادها جاهزة ملفوفة بالسيلوفان الأحمر مختومة بالنجمة الحمراء من الاتحاد السوفيتي أمر لا مناص منه!
وهيكل هنا يتجاهل تعدد التنظيمات الشيوعية والتي كان بعضها يبحث عن طريق مصري للاشتراكية، ولم تكن كلها تسعي إلي استيراد الثورة.
ويضيف هيكل أن الحزب الوطني كان أصغر هذه التنظيمات وربما أطيبها ولكنه علي أي حال أبعدها عن قدرة العمل الثوري! وهذا الكلام غير منقطع الصلة عن دور قيادات الحزب في التعاون مع رجال الثورة في سنواتها الأولي .
وضيف هيكل: كما أن الأحزاب الثلاثة الحاكمة استطاعت أن تشد إلي سلطانها جماعات كبيرة من المثقفين الذين كان بمقدورهم أن يقودوا الثورة، فإن هذه التنظيمات الثلاثة غير الحاكمة.. استطاعت أن تشتت جماعات كبيرة أخري من المثقفين وأن تستنزف منهم طاقة كانت يمكن أن تدفع الاتجاه نحو الثورة. ثم تبقي بعد ذلك من المثقفين جماعة الذين آثروا أن يتوافروا علي عملهم الفني سواء في وزارات الدولة أو في منشآت القطاع الخاص، هؤلاء آثروا لسبب أو لآخر ألا يمارسوا العمل العام. وهؤلاء قضيتهم ظاهرة ودورهم لا يحتاج لتفصيل كبير. كذلك كانت صورة العمل السياسي العام قبل الثورة. وإن كان الإنصاف يقتضيني أن أقول بسرعة كلمتين: الأولي: إنني بهذا التحليل، لا أسلب من الأحزاب والتنظيمات القديمة مواقف لها مهدت للثورة، إني أسلم بوجود مثل هذه المواقف، ولكنها تأثير ظروف مرحلية، لا تقدر علي المضي في فتح الطريق وصولاً إلي الثورة. الثانية: إنني بهذا التحليل، لا أستبعد وجود عدد من المثقفين خارج الأحزاب والتنظيمات التي عددتها، وخارج الأعمال الفنية، عدد من المثقفين كان ينظر إلي ما يجري حوله من غير رضا، ولكنه لم يملك تعبيره عن عدم رضاه غير أن يضرب كفاً بكف، ويتحسر! ولكن الحسرة شيء. والثورة شيء مختلف.
حصيلة هذه الصورة للعمل السياسي في النهاية هي وجود فراغ هائل كبير كان بنفسه هو الذي دعا الطليعة من ضباط الجيش الذين تحركوا ليلة 23 يوليو إلي حركتهم... هو الذي ناداهم وأكاد أقول وألحُّ عليهم في النداء. أكاد أقول هذا وأنا أذكر حديثاً لجمال عبدالناصر قال فيه: «لم أكن واثقاً أن الثورة ستنجح ولم يكن النجاح هو كل ما أريده، لقد كان حسبي أن نتحرك، وحتي لو جاء الصباح فوجدنا جميعاً معلقين في المشانق، فلقد كان يكفيني أن يقال، إن هذا الجيل من شباب وطننا لم يرض أن يقف ساكتاً أمام كل هذا الذي يجري في وطنه.
ويقدم هيكل إضافة صغيرة لكي ينتهي من حديثه يرد بها علي من يقول: «لقد كان الجيش هو الذي وقف حائلاً دون الثورة.. كان الجيش في يد الملك، وكان يهدد به دائماً». حيث يري أن هذا القول في ذاته دليل آخر علي الأزمة، لأنه يري الثورة ليست عملاً يمارس تحت ظل الأمان والضمان. إنما هي اندفاع إلي التضحية بدافع الإيمان. ويضيف إن شعبنا الذي ثار علي نابليون في مطلع القرن التاسع عشر لم يطلب ضمانات من الجنرال كليبر قائد مدفعية نابليون قبل أن يعلن الثورة علي الغاصب الفرنسي. إن شعبنا الذي ثار علي الاحتلال البريطاني سنة 1919 لم يطلب ضمانات من الجنرال ماكسويل قائد الجيوش البريطانية في مصر وقتها حتي لا تخرج جيوشه لضرب الثورة. بل إن شعبنا الذي استطاع في ومضة إحساس ثوري أن يسقط معاهدة صدقي بيفن سنة 1946، لم يطلب من قائد ثكنات قصر النيل ألا يفتح مدافعه الرشاشة من نوافذ الثكنات علي المظاهرات الشعبية في ميدان الإسماعيلية. بل في ليلة 23 يوليو ذاتها في مصر، لم يذهب جمال عبدالناصر ليقابل الفريق محمد حيدر القائد العام للقوات المسلحة بأمر الملك لكي يطلب منه ضمانات حتي لا تتحرك فرق الجيش ضد الطليعة الصغيرة الثائرة وتسحقها سحقاً قبل أن يطلع ضوء النهار! إن الثورة إيمان وتصميم.. ولا يمكن أن تتضاءل لكي تصبح مجرد تأكيد وضمان! والأمثلة في العالم فضلاً عما ذكرته من أمثلة تاريخنا الوطني عديدة حية أمامنا. كاسترو، فيدل كاسترو- أستاذ قانون شاب- قاد مجموعة من الشباب والطلاب بدأوا كعصابة في جبال سييرا مايسترا، ثم استطاعوا أن يهزموا جيش الطاغية باتيستا وكان جيشاً ضخماً مسلحاً بأحدث العتاد وأقواه. بن بيلا، أحمد بن بيلا- شاب جزائري- أشعل الشرارة الأولي في ثورة مسلحة من أعظم الثورات في عصرنا الحديث واجهت ومازالت تواجه حتي الآن جيش فرنسا الكبير، تسنده وتعززه إمكانات حلف عسكري عالمي هو حلف الأطلنطي.
القول إذن بأن الجيش هو الذي كان يقف عائقاً دون الثورة، هو دليل في الواقع علي انعدام الروح الثورية. ولو كان محتماً علي قياس هذا المنطق أن يتراجع الحق دائماً أمام القوة، إذن لكان من المفروض علي شعبنا أن يقبل الإنذار بالاستسلام يوم 31 أكتوبر 1956، لقد واجهتنا جيوش اثنتين من الدول العظمي وحشدت ضدنا الطائرات تندفع إلي أجوائنا موجات بعد موجات، وسدت بالأساطيل خط الأفق أمامنا، وقذفت منها الجحافل بعد الجحافل تقتحم شواطئنا. مع ذلك كله رفضنا الإنذار. وقفنا بالحق ضد القوة. لم تطلب الروح الثورية في شعبنا يومها ضمانات أو تأكيدات. وإنما اندفع شعبنا إلي التضحية.
وكان اندفاعه فهماً عميقاً وأصيلاً لمعني الثورة! أنتقل الآن إلي القول بأن أزمة المثقفين لم توجد قط لأن الطليعة الثائرة من ضباط الجيش الذين قاموا بالثورة هم في عداد المثقفين؟ وإني لأتفق مع هذا القول في جزء منه وأختلف معه في جزء وليس من شك في أن ضباط الجيش هم في عداد المثقفين في أي وطن من الأوطان. ولكن ثقافتهم بطبيعة عملهم يجب أن تكون ثقافة فردية. أي أنه يمكن أن يكون لأي منهم موقف فكري معين. ولكن الذي لا يجب أن يكون هو أن يتحول هذا الموقف الفردي إلي موقف عام يتحول بعد ذلك إلي إرادة عمل عام. في هذه الحالة يخرج الجيش عن طبيعة مهمته فيصبح أداة سياسية تحمل سلاحاً وهو ما لا ينبغي أن يكون. والجيوش الوطنية يمكن أن تكون حارسة الثورات الوطنية، ولكنها ليست بطبيعة الأمور صانعة هذه الثورات. ولربما كان أعظم ما في ثورة 23 يوليو هو أنها لم تكن مجرد حركة جيش، وإنما كانت حركة طليعة شابة بقي اتصالها بالجماهير الشعبية متصلاً، ثم ناداها الفراغ في مجال العمل الوطني خارج الجيش، ودعاها، وألح في دعوته حتي استطاعت أن تقوم بثورتين في ليلة واحدة، ثورة في داخل الجيش لتمسك بزمامه عند منتصف الليل، وثورة تنطلق بالجيش في الشارع تنضم إلي الجماهير مع الفجر. ثم يبقي أن أصل إلي القول، ويشير هيكل إلي أن المثقفين تعاونوا مع قوة الدفع الثوري بعد 23 يوليو ووضعوا كل علمهم تحت أمرها، دون تحفظ ودون سلبية». وفي تعرضي لهذه النقطة فإني أريد أن أفرق بين شيئين:
الولاء السياسي للثورة كنظام حكم.
والولاء الثوري لها شركة فيها وتفاعلاً متكافئاً معها. وليس من شك أن الثورة لقيت من فئات المثقفين ما كانت في حاجة إليه من الولاء السياسي. لقد تعاونوا معها بكل ما في قدرتهم في المشروعات التي تصدت لتنفيذها ولكن هذا كله يدخل في باب الولاء السياسي. إن الثورة ليست مجرد مشروعات يتم تنفيذها. إنما الثورة شيء أعمق من هذا من حيث إنها تغيير أساسي في تكوين المجتمع. هنا يفترق «تحسين الأوضاع» الذي هو هدف أي حكومة في الظروف التقليدية علي أحسن الفروض، عن عملية «الثورة»، «تحسين الأوضاع»، وهو محاولة تحقيق ما يمكن تحقيقه في ظل الظروف القائمة. و«الثورة» هي ضرورة تحقيق ما يجب تحقيقه ولو أدي الأمر إلي إزالة الظروف القائمة. «تحسين الأوضاع» مهما خلصت نياته ومهما واتته الظروف لا يتمني من الناحية الاجتماعية أكثر من تقريب الفوارق بين الطبقات. أما «الثورة» فإنها لا يمكن مهما كانت الظروف أن تقبل ما هو أدني من «تذويب» الفوارق بين الطبقات تذويباً كاملاً ونهائياً. هنا لا تصبح «الثورة» مجرد مشروعات. وإنما تصبح «الثورة» عملية تشكيل المجتمع من جديد علي أساس يمنح كل مواطن فرصة متكافئة تنمو معها مواهبه، وحقاً في الثورة الوطنية يتكافأ مع هذه المواهب. من هنا فإن القول بتعاون كثير من المثقفين مع قوة الدفع الثوري بعد 23 يوليو ليس هو غاية المني. إنما هو من نوع الولاء السياسي. ولقد كان الدور الطبيعي الواجب للمثقفين، ليس مجرد أن «يتعاونوا» مع الثورة، وإنما أن «يتفاعلوا» مع الثورة، أن «يتبنوا» قضيتها، أن «يأخذوها»، أن «يعطوها» من فكرهم «نظريتها الوطنية»، أن يصوغوا من أعماق ضميرهم وعلمهم، عقيدتها الثورية.. أي طريقها إلي التغيير السياسي والجذري للمجتمع المصري. إن التعاون في المشروعات جزء مهم وأساسي من دور المثقفين في خدمة التطوير الوطني. ولكن إعادة البناء الاجتماعي والمشاركة فيه بالعلم والتجربة والوعي الذي هو خلاصة لهما هو العمل الثوري في المرحلة الحالية من النضال الشعبي تأهباً للثورة وتنفيذاً لها. ولقد كان الضباب الذي أحاط بالجانب الثوري من دور المثقفين علي أي حال هو جزء من أزمتهم الكبري قبل 23 يوليو. ولعل من أبرز مظاهر عملية ذوبان الثلوج، التي أشرت إليها، والتي قلت إنها بدأت ما بين قوة الدفع الثوري وما بين المثقفين، إنه تلوح الآن بوادر حركة فكرية ثورية بين جماعات المثقفين يزداد تفتحها يوماً بعد يوم. لقد استطاعت «قوة الدفع الثوري» أن تضع أمام المثقفين أعظم مشروعاتها. وضعت أمامهم مشروع «الثورة ذاتها»، متمثلاً في هدف مضاعفة العمل القومي في عشر سنوات علي أساس من العدل الاجتماعي. أم كانت دراسته، بواسطة الآلاف من المثقفين في كل النواحي تطلعاً ثورياً موضوعياً يستوحي ظروفنا الوطنية. لم يكن مجرد محاولة للاقتباس من الغرب أو من الشرق. وإنما كان لأول مرة دراسة شاملة علي الطبيعة لمجتمعنا. وعندما بدأت دراسة مشروع «الثورة ذاتها» بدأ ذوبان الثلوج. بدأ العلم والخبرة ونتيجتهما الوعي يقتربان جميعاً من التجربة الحية علي الطبيعة.
والملاحظ هنا أن هيكل عدل عن الكثير من مواقفه التي طرحها في الجزء الأول من الكتاب، وأعاد الاعتبار لدور المثقفين ومواقفهم، وأكد أن رجال الثورة يريدون تغيير المجتمع وهو ما يفتح المجال أمام حوار جدي مع المثقفين.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.