لم يكن البرلمان المصرى يومًا مجرد قاعة تُعقد فيها المناقشات، بل ظل عبر التاريخ خط الدفاع الأول عن الدستور وحقوق المصريين، فهو الحصن المنيع الذى يذود عن الوطن فى لحظاته الفارقة. ومع بداية كل فصل تشريعى، تتجدد آمال المصريين وطموحاتهم فى أن ينهض مجلس النواب بدوره الحقيقى، إدراكًا بأن العضوية ليست منصبًا شكليًا، بل أمانة وطنية ومسئولية جسيمة. وفى لحظة تأمل بعد عضويتى بالمجلس، استحضرت مواقف النائب القانونى الجليل الدكتور صوفى أبو طالب حين تولى رئاسة البرلمان، وتمسكه الصارم بنصوص الدستور فى أدق الظروف التى مرت بها الدولة، كما تذكرت خطابات العظيم مكرم عبيد ومواجهاته الشهيرة تحت القبة، حين جعل من الكلمة سلاحًا للدفاع عن الدستور ومن المنصة منبرًا لمحاربة الفساد، ولم يغب عن ذهنى القاضى والنائب عبد العزيز فهمى باشا، أحد واضعى الدستور المصرى، الذى رسخ مبدأ أن البرلمان ليس تابعًا للسلطة التنفيذية، بل شريك ورقيب عليها. هذه النماذج التاريخية تؤكد أن الحمل ليس بالأمر اليسير على مجلس النواب، فهناك قوانين تنتظر المناقشة، ومطالب عامة يترقب المواطنون كيف سيتعامل معها المجلس، وكيف يواجه بها الحكومة ويراقب أداءها. وأؤمن إيمانًا راسخًا بأن التشريعات لا بد أن تراعى مصالح الوطن والمواطن، فهى ليست نصوصًا جامدة، بل نصوص حيّة تنصت إلى تطلعات الناس وآمالهم، وتترجم أصواتهم إلى سياساتٍ وتشريعات، فصوت الشعب لا يجوز أن يُهمل، بل يُقرأ ويُحلل ويُترجم إلى واقع ملموس، فالنائب البرلمانى يؤدى دورًا مزدوجًا لا يقل أحدهما أهمية عن الآخر، الأول: تشريعى فى سن القوانين التى تنظم العلاقة بين الفرد والدولة، والثانى: رقابى يراقب به أداء السلطة التنفيذية ويحاسبها، والثالث: مجتمعى يتواصل فيه مع المواطنين لتلبية احتياجاتهم وحلقة وصل بينهم وبين ومؤسسات الدولة. ولا يجوز أن تُفرض التشريعات بمعزلٍ عن الواقع المجتمعى أو أن تُعبر عن تصوراتٍ نظرية بعيدة عن حياة الناس. كما أن الحصانة البرلمانية ليست غطاءً شخصيًا أو وسيلة للإفلات من المساءلة، فهى وُجدت لحماية الرأى الحر، لا لحماية الخطأ، ومن يتعامل معها على غير هذا النحو يرتكب خطأ جسيمًا فى حق الدستور والمجتمع، فالدولة تقوم على 3 سلطات متكاملة، وهى: تشريعية تراقب وتحاسب، تنفيذية تدير وتنفذ، قضائية تفصل بينهما عند وقوع الخلاف، وهذا هو جوهر مبدأ الفصل بين السلطات الذى يضمن التوازن ويصون الحقوق، ومن هنا تتجلى الأهمية المحورية للجنة التشريعية داخل البرلمان، بوصفها العقل القانونى الذى يراجع الصياغات، ويضبط النصوص، ويمنع تسلل العوار الدستورى إلى القوانين. وأتمنى أن ينجح هذا المجلس فى تحقيق تطلعات المصريين وآمالهم، وأن يكون القانون هو الحكم الأعلى، فالقوانين لم تُسن لتقييد الناس أو إرهاقهم، بل جاءت لحمايتهم، وصون حقوقهم، وتحقيق العدالة بينهم، وترسيخ دولة لا تعلو فيها إرادة فوق إرادة الدستور.