الأوقاف تكشف حقيقة منع إذاعة الشعائر في رمضان عبر مكبرات الصوت| خاص    مطرانية ديرمواس بالمنيا تنعي ضحايا حادث انهيار سور بدير ابوفانا بالمنيا    جامعة الإسكندرية تشارك في يوم التعاون العلمي والأكاديمي المصري الفرنسي بباريس وتوقّع اتفاقيات دولية جديدة    محافظ الجيزة: دخول 9 مدارس جديدة وتوسعات الخدمة بإجمالي 317 فصلًا دراسيًا في الفصل الدراسي الثاني    شريف فتحي يفتتح الجناح المصري المشارك في المعرض السياحي الدولي بإسطنبول    مباحثات مصرية سلوفينية لتوسيع التعاون في الموانئ والطيران والعمالة الماهرة (تفاصيل)    وثائق أمريكية تكشف علاقة جيفري إبستين بنشر الفوضى في مصر بعد 2014    ترامب ينشر فيديو مسيئا ل أوباما وزوجته والبيت الأبيض يصدر بيانا عاجلا    جميل مزهر ل "الجلسة سرية": الحل العربي ركيزة التحرير والعمق القومي سند القضية الفلسطينية    تفاصيل اللحظات الأخيرة في حياة سيف الإسلام القذافي|فيديو    الأهلي ينهى تدريباته استعدادا لمواجهة شبيبة القبائل (فيديو)    أرتيتا يؤكد اقتراب عودة ساكا ويحذّر من صعوبة مواجهة سندرلاند    غدا، أولى جلسات قضية عاطل ضبط بحوزته مخدرات وسلاح ناري في السلام    غرق طفل بترعة الفاروقية في مركز ساقلته بسوهاج    ارتفاع حرارة الجو.. هيئة الأرصاد تكشف أعلى الدرجات المتوقعة غدًا    دراما رمضان 2026، طرح البوستر الرسمي لمسلسل "حد أقصى"    جميل مزهر: الانشقاقات في الجبهة الشعبية نتاج خلافات فكرية لا انقسامات تقليدية    تعاون مصري بريطاني لتعزيز مكافحة مقاومة المضادات الميكروبية وتدريب الكوادر الطبية    طريقة عمل برجر اللحم بدون فول الصويا    رئيس جامعة الإسكندرية يستقبل الخبير الدولي الدكتور ين لي Yin Li المتخصص في جراحات المريء بالمعهد القومي للأورام ببكين    الزمالك يهزم طلائع الجيش فى انطلاق المرحلة الثانية بدورى محترفى اليد    ثقافة الإسماعيلية يطلق مبادرة "كلنا جوّه الصورة" لمواجهة التنمّر    ليلة في حب يوسف شاهين بالمعهد الفرنسي.. نقاد ومبدعون: سينماه خالدة مثل أدب شكسبير    أسعار الفراخ فى رمضان.. رئيس شعبة الدواجن يبشر بخفضها بعد طفرة الإنتاج    ضبط "سيارة الموت" بالغربية بعد تركيب مصابيح مخالفة تعيق رؤية قائدي الطريق    وزارة «التضامن» تبدأ تحصيل قيمة تذكرة الطيران للفائزين بقرعة حج الجمعيات الأهلية    "الزراعة" تستعرض أنشطة مركز البحوث الزراعية في الأسبوع الأول من فبراير    ترامب يربط تمويل 16 مليار دولار في نيويورك بوضع اسمه على مطارات ومحطات    منتخب مصر للشابات يخسر أمام بنين بهدف في ذهاب التصفيات المؤهلة لكأس العالم    محمد عثمان الخشت: التسامح المطلق شر مطلق.. ولا تسامح مع أعداء الدولة الوطنية    الأزهر للفتوى يوضح حكم الصيام بعد النصف من شعبان    بلدية المحلة يكتسح ديروط برباعية فى دورى المحترفين وبروكسى يهزم وى    رئيس الحكومة اللبنانية يتسلم الورقة الأولية للخطة الوطنية لحوكمة المخيمات الفلسطينية    فيضانات تضرب شمال المغرب.. إجلاء أكثر من 154 ألف شخص خلال 10 أيام    فرق الفنون الشعبية المشاركة بمهرجان الثقافة والفنون تستكمل عروضها بساحة دخول معابد فيله    حملات على سلاسل المحال التجارية والمنشآت الغذائية والسياحية بأسوان    رمضان 2026 - الصور الأولى من كواليس تصوير "إعلام وراثة"    افتتاح جهاز الجاما كاميرا بوحدة الطب النووي بمستشفيات سوهاج الجامعية    بحوزته مليون جنيه وسيارة.. ضبط متهم بالتنقيب عن خام الذهب في قنا    سيميوني يشيد بفوز أتلتيكو على بيتيس    تربية نوعية بنها تحصد المراكز الأولى في ملتقى الإبداع السابع بأسيوط    الذهب يرتفع والفضة تتراجع وسط تباين شهية المخاطرة العالمية    المساجد تمتلئ بتلاوة سورة الكهف.. سنة نبوية وفضل عظيم يوم الجمعه    خشوع وسكينه.....ابرز اذكار الصباح والمساء يوم الجمعه    صفاء أبو السعود: الإعلام شريك أساسي في بناء الوعي المجتمعي ونشر المفاهيم السليمة    تحذير من الأرصاد بالتزامن مع انطلاق الدراسة غدا.. فيديو    الأوقاف تحيي ذكرى وفاة الشيخ كامل يوسف البهتيمي    8 قرارات جمهورية مهمة ورسائل قوية من السيسي ل شباب مصر    معهد الشرق الأوسط بواشنطن يستضيف وزير البترول والثروة المعدنية في لقاء موسع    جيش الاحتلال الإسرائيلى يعتقل 60 فلسطينيا من الضفة الغربية    صفقات الدوري الإيطالي في ميركاتو شتاء 2026.. أديمولا لوكمان يتصدر القائمة    6 فبراير 2026.. أسعار الحديد والأسمنت بالمصانع المحلية اليوم    بعد نجاح لعبة وقلبت بجد.. وزارة الصحة تواجه الإدمان الرقمى بعيادات متخصصة    أصالة تشعل موسم الرياض بليلة طربية منتظرة.. والجمهور على موعد مع باقة من أنجح أغانيها    لماذا لا تقبل شهادة مربي الحمام؟.. حكم شرعي يهم كثيرين    فرح يتحول لعزاء.. تفاصيل وفاة عروس وشقيقتها ويلحق بهم العريس في حادث زفاف المنيا    بعثة الزمالك تتوجه إلى زامبيا استعدادًا لمواجهة زيسكو بالكونفدرالية    بعد حديث ترامب عن دخول الجنة.. ماذا يعني ذلك في الإسلام؟    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



صدر حديثا كتاب «الحجر والصولجان» للكاتب خالد عزب
نشر في الدستور الأصلي يوم 20 - 08 - 2014

صدر عن الدار المصرية اللبنانية في القاهرة كتاب الحجر والصولجان من تأليف الدكتور خالد عزب في مصر الفرعونية أكتشف الفراعنة أهمية الصورة في السيطرة على الجمهور، لذا نقشت جدران المعابد بنقوش مصورة تحكي عظمة الفرعون وهيبته وهيبة دولته وجذوره المقدسة، فكان يستخدم لهذا الغرض الهيروغليفية وهي علامات تصويرية كان يفهمها كل المصريين كأداة لإيصال هذه الرسالة .

تعد قبة الصخرة والحرم القدسي الشريف حولها أبرز العمائر التي تحمل مضامين حضارية. يعود تشييد القبة إلى العصر الأموي، الذي شهد نزاعا حضاريا بين الدولة الأموية والدولة البيزنطية على السيطرة على العالم القديم. واتخذ هذا النزاع صورا متعددة.

منها تعريب طراز أوراق البردي التي كانت تصنع في مصر. وتعريب للنقود في إطار سياسة رسمها عبد الملك بن مروان الهدف منها إرضاء الشعور الديني والسياسي للمسلمين، ورغبته في إعادة حق ضرب النقود إلى الخلافة في شخص الخليفة كمظهر من مظاهر الملك والسلطان بعد أن انتزع حق ضرب النقود كثير من الولاة والثائرين فكان الإصلاح النقدي سببا هاما في القضاء على الفوضى السائدة تحقيقا للاستقرار السياسي. فضلا عن أن النقد العربي الخالص يعبر عن سيادة الدولة وخروجها من تحت عباءة النفوذ الاقتصادي البيزنطي، لذا اتجه عبد الملك إلى الاستقلال الاقتصادي بتعريب النقود، فضلا عما يتيحه هذا من توحيد النظام النقدي في دولة تمتد عبر مساحات شاسعة من الأراضي.

اتجه عبد الملك بن مروان في إطار هذا المخطط الشامل إلى العمارة التي ترمز إلى سيادة الدولة واتجاهاها الفكري، ففي القدس تبنى مشروعا ذا طابع سياسي ديني حضاري، يرتكز على الاهتمام بعمارة الحرم القدسي الشريف خاصة قبة الصخرة والمسجد الأقصى، لارتباط هذا الحرم بالعقيدة الإسلامية فهو أول القبلتين، وفيه صلى الرسول بالأنبياء واليه كان إسرائه ومنه كان معراجه. ولما كانت عمارة الحرم آنذاك بسيطة لا تتناسب مع ما حولها من كنائس، خاصة كنيسة القيامة المقدسة لدى المسيحيين، ومع ما قد تحدثه عمارة الكنائس في نفوس بعض المسلمين، ورغبة عبد الملك في إثبات الهوية الحضارية الجديدة للمدينة. تبنى مشروع عمارة قبة الصخرة والمسجد الأقصى.

ويلفت الانتباه من هذا المشروع قبة الصخرة، أبرز آثار الحرم، فهي تعد أول عمل معماري واع لعظمته بل متباه بها، انتهى من بنائها عام 72 ه / 692 م. وهى ترى من مسافات بعيدة، وهى مبنية فوق صخرة مقدسة، حولها ممرين يدوران حولها بمسقط مثمن، شامخة في الهواء في مركز الحرم القدسي على تل من تلال القدس.

وهذه القبة ذات التصميم الهندسي الذي يصل لحد الكمال والروعة كانت مزخرفة بالفسيفساء على كل سطوحها داخلا وخارجا، وكانت ومازالت تبهر الرائين حتى أن كثيرا منهم لم يملكوا أنفسهم من إضفاء كل صفات البريق واللمعان عليها، مهملين في الوقت نفسه، للأسف، أن يخبرونا ماذا كانت تلك اللوحات الفسيفسائية تمثل، ولا نستطيع أن نحكم على موضوعات فسيفساء القبة حكما كليا لأن جزءا كبيرا من الفسيفساء الأموية فقد، ولكننا نملك بعض الشواهد على هذه الموضوعات من فسيفساء الرواق المثمن الداخلي، يمكن عند ربطها بدقة عمارة القبة الانتهاء إلى الرمزية السياسية لها.

إننا هنا أمام تساؤلات عديدة تطرح نفسها هذا المبنى ورمزيته. إن التوجهات السياسية والإعلامية والعقيدة تبرز في الآيات القرآنية المختارة بدقة، وفي تركيز وضع صور تيجان الملوك في الرواق حول القبة وبمواجهتها. فالنص القرآني يحتوى على كل الآيات التي تتكلم عن المسيح في موقعه الإسلامي المختار كنبى مرسل. والتيجان تبدو أشبه ما يكون بالتيجان الحقيقية للملوك المغلوبين، التي كان أباطرة الرومان والبيزنطيين يضعونها في معابدهم و كنائسهم كعلامات نصر ورمز إيمان بأفضلية معتقدهم. وبالتالي يمكن هنا أن ننظر إلى هذين العنصرين الزخرفيين على أنهما بالنسبة لبناة قبة الصخرة وسيلتي دعاية لدينهم ولدولتهم المنتصرين، خاصة إذا تذكرنا أن قبة الصخرة قد بنيت في القدس التي كان أغلب سكانها المسيحيين ما زالوا يدينون بالولاء لإمبراطور القسطنطينية البيزنطي، في وقت كانت الدولة الأموية فيه في خضم صراع مرير مع البيزنطيين في شمال بلاد الشام.

فالقبة مبنى معماري ذا رمزية سياسية ينبئ في القدس عن رغبة الدولة الأموية في بث حضارة جديدة تعبر عن أتباع الدولة المقمين في المدينة، ويوجه رسالة إلى الآخرين عن مدى قوة الدولة ومضمون رسالتها. وظلت قبة الصخرة بلونها الذهبي، رمزا المدينة القدس، يعلوها الهلال الذي يوازى اتجاه القبلة. وعندما استولى الصليبيون على القدس نزعوا الهلال من فوق قبة الصخرة،وأقاموا مكانا صليبا من الذهب. وعندما استرجع صلاح الدين القدس مرة أخرى سنة 583 ه / 1187 م. تسلق بعض المسلمون القبة واقتلعوا الصليب، وأعادوا الهلال إلى مكانه. هكذا شكل الموقع الذي شيدت علية قبة الصخرة جانبا من الرمزية السياسية .

كان الضريح معلم بارز من معالم السلطة السياسية ورمزيتها في العديد من مدن العالم الإسلامي وأبدع المعمار في تكوينه وزخرفته ليصبح أحد مفاخر السلطة، وبلغ هذا الأمر ذروته في ضريح تاج محل في الهند، يقع الضريح على الضفة اليسرى من نهر جمنا، وهو عبارة عن ضريح من النوع المعروف بأضرحة الحدائق. تتقدمه حديقة فخمة بها حوض ماء تنعكس فيه صورة المبنى نفسه .

وعلى البعد وراء الضريح بناء آخر عبارة عن مسجد. ويتقدمه خان يستخدمه حاليا بوابة ضخمة. والضريح مصفح بالمرمر الناصع البياض في حين أن البناءين أمامه وخلفه من الحجر الأحمر. وهذا يؤدى إلى إبراز الضريح بمرمره الأبيض. والضريح مشيد على مسطبة مربعة طول ضلعها حوالي 5. مترا يزخرفها وحدة مكرره من دخلات معقودة قليلة الغور ومسطحه من الداخل، وفي كل ركن من أركان المسطبة مئذنة. والضريح مقام وسط المسطبة.

وهو بناء مشطوف الأركان، وفي كل شطف عقدان فارسي ضخم ( مدبب ) وفي كل من جانبي المدخل عقدان يتماشيان مع عقدى الأركان ويفصل بين العقود جميعا أعمدة رشيقة مندمجه ترتفع إلى ما فوق سطح الضريح، وحجر المدخل عميق بعض الشيء ويؤدى إلى باب الضريح،وهو باب معقود وفوقه نافذة تكاد تساويه في الشكل والحجم. ويعلو البناء قبة بصلية ضخمة فوق رقبة طويلة. وفي أسفل القبة شريط من وحدات نباتية أشبه بشجيرات محورة تبدو وكأن القبة تنبثق منها. وتحف برقبة القبة قباب أربعة تقوم على ثمانية عقود مفصصة ترتكز على دعائم، أما في الداخل فيوجد قبران من المرمر هما قبر شاه جهان وزوجته ممتاز محل. وسطح البناء من الداخل على هيئة قبة نصف كروية هي القبة الداخلية التي تعلوها القبة الخارجية البصلية. جمع تاج محل إذن بين الفخامة في المظهر والدقة في النسب المعمارية والجمال في العناصر الزخرفية.
يعرف نموذج تاج محل بأضرحة الحدائق،وان كان بناؤه ارتبط بوفاء شاه جهان لزوجته، إلا أنه ضريح سلطوي يعبر عن قوة السلطة واستقرارها في الهند، ومن أبرز نماذج هذه الأضرحة في الهند ضريح همايون في دلهى 1565 م. وهو أن كان أقل جمالا من تاج محل إلا أنه يشبهه، ويشكل ضريح تاج محل قمة التطور نحو الكمال الفني والمعماري.
يقودنا استخدام القبة في العمائر الضريحية، إلى لفت الانتباه أن القبة كمفردة معمارية تغرى بتحميلها بمدلول رمزي، ظهر هذا في صورة تحدى حضاري قبله العثمانيون حينما أرادوا التفوق على آيا صوفيا، فعندما فتحت القسطنطينية على يد السلطان محمد الفاتح دخلها ثم زار كنيسة آيا صوفيا، وأمر بأن يؤذن فيها للصلاة إعلانا بجعلها المسجد الجامع للمدينة. وأعطى الفاتح حرية العبادة للديانات في المدينة في عقب ذلك.

ومنذ ذلك الحين مثلت قبة آيا صوفيا بضخامتها وارتفاعها الشاهق تحديا حضاريا للعثمانيين. أخذ المعماريون هذا التحدي مأخذ الجد. وكان هدفهم ليس تقليد آيا صوفيا بل التفوق عليها.

ومن هذا المنطلق اتخذوا من القبة المركزية رمزا للدولة العثمانية والإسلام. حيث اعتبر المسجد هو الرمز الحي للإسلام الذي تسعى الدولة لنشرة كدين، وتمثل القبة المركزية بالمسجد الدولة بينما تمثل القباب الأصغر الأقاليم والولايات التابعة لها. ويؤكد هذه الرمزية استخدام القبة كوسيلة رئيسية للتغطية قبل فتح القسطنطينية. وكانت القبة عند قدماء الأتراك تمثل السماء. ومن المحتمل في ضوء ذلك أن تكون القباب عندهم رمزا للسماء التي تغطى وتحمى الدولة خاصة مع ملاحظة أن الأعمدة والدعائم التي كانت تحملها يسجل عليها أسماء الخلفاء الراشدين الأربعة الذين اعتبروا عند الصوفية أقطابا يحملون أركان العالم.
علقت قبة آيا صوفيا أذهان العثمانيين والأوربيين، خاصة مع التأثير الضخم الذي تركته كنيسة آيا صوفيا ( هاجيا صوفيا ) منذ إنشائها في القرن السادس الميلادي بكل فخامتها،

على عمارة الكنائس في أوروبا. وفي هذه الكنائس استخدمت القبة شبه الكروية بشكل تغلب عليه الرمزية. ولم يكن قطر قباب هذه الكنائس يتعدى العشر أمتار، ورفعت على أعمدة عالية، وهى طريقة لم يستخدمها المعماريون العثمانيون.
لقد حافظت القبة في أوروبا على دلالتها الرمزية، ففي كنيسة " سانت بيتر " في روما كان إنشائها مشروعا يحمل مفهوما مثاليا ونظريا تصوره ليوناردو دافنشى في أول الأمر ثم قام برامانت بتطويره، ولكن الذي بناه ميشيل أنجلو الذي أضاف عليه المزيد من التحسينات الإنشائية. ولعل استمرار التنويع في تصميم القبة يوضح مدى رسوخ القبة كمفهوم رمزي في التقاليد الأوربية. بدءا من استخدامها في الكنائس حتى بناء قاعات الاجتماعات في القرن العشرين .
شاع في أوروبا اختلاف الشكل الخارجي عن الداخلي للقبة. إذ شيدت القباب بصدفتين واحدة خارجية وأخرى داخلية. وأولى المعمار مطلق عنايته للشكل الخارجي، وهو ما يبين مدى رمزيتها في التعبير عن المبنى عن بعد. ويختلف المعمار العثماني عن الأوروبي في ذلك، فهو يطبق حساب المثلثات للقباب شبه الكروية ذات الشكل الخارجي والداخلي الموحد مع تطوير تكاملها في ملامح الشكل الخارجي المركب والفراغ الداخلي، مما أوجد لديهم معالجة مكانية أصلية كاملة. جوهرها الإنشائي هو البساطة المتفردة في تاريخ طراز القباب. باستثناء معابد الآلهة الرومانية. وكذلك عناصر الأضرحة الإسلامية في الشرق.
دأب الأتراك تبعا لسيطرة فكرة آيا صوفيا على أذهانهم على المقارنة المعمارية ما بين تخطيط مسجد بايزيد وتخطيط آيا صوفيا .شيد مسجد بايزيد باستانبول بين عامي 1501 و1506 م، على يد المهندس خير الدين، وبصرف النظر عن وجود قبة مركزية ونصفي قبة في المسجد، فانه لا وجه لمقارنة أحد المبنيين بالآخر،لا من حيث التخطيط ولا من حيث أسلوب البناء. والحقيقة أنهما يختلفان تماما، وكل منهما عالم مستقل بذاته. فمسجد بايزيد يمثل تطورا طبيعيا للعمارة العثمانية السابقة عليه. أما آيا صوفيا، فإنها وان أثارت إعجاب المعماريين العثمانيين، إلا أن الأفكار التي أوحت بها إليهم كانت موجودة في أسالبيهم وفنون عمارتهم.
استمر المعماريون في استانبول في تطوير عمارة القباب، فشيد مسجد سليم الأول بقبة بلغ قطرها 24 مترا،وهى بذلك تمثل نجاحا رائعا من الناحية التقنية،إلا أنها تفتقد دفيء الإبداع .فثقل القبة يقع على الجدران. وهى غير مرتفعة وهو ما عكس ضعفها وعدم تعبيرها عن قوة السلطة أو قوة عمارتها. وكان على العمارة العثمانية أن تنتظر سنان.
ظفر عصر كل من السلطانين سلميان القانوني وسليم الثاني بالمعماري العظيم سنان. قام سنان في أول أعماله باستكشاف ما يمكن أن يعطيه الفراغ المتاح آخذا في الاعتبار استمرارية التقاليد المعمارية العثمانية التي ظهرت في أزنيك وبورسة وأدرنة. وتظهر أهم مراحل عبقرية سنان المعمارية من خلال ثلاثة آثار عظيمة هي : مسجد شهزادة ومسجد السليمانية باستانبول والسليمية بأدرنة.
كان بناء شهزادة بأمر من السلطان سليمان القانوني لسنان، وكان ذلك العام 1548 م،واستغرق هذا العمل أربع سنوات، ونرى فيه المحاولة الأولى لسنان في معالجة مشكلة قباب آيا صوفيا وبايزيد، عندما ابتكر النموذج المثالي للمبنى ذي القبة المركزية وأنصاف القباب الأربعة حولها. وسنان بهذا العمل يكون قد حقق أحلام مهندسي النهضة.
بنى بعد ذلك سنان مجمع السليمانية للسلطان سليمان القانوني على واحدة من ربوات استانبول التي تطل على خليج القرن الذهبي المؤدى لمضيق القرن البسفور. واستفاد من مدرجات هذه الربوة في تصميمه، قام التصور الذي وضعه سنان للمسجد على أن يكون وحدة مستقلة لها فناء ذو بوائك، وأن يعكس تخطيطه الداخلي مظهرة الخارجي، وجعل قطر القبة الرئيسية بالمسجد 5. , 26 مترا وارتفاعها 53 مترا، وهى أكثر قباب استانبول ارتفاعا بعد آيا صوفيا وترتكز القبة على أربع دعامات ضخمة، ولزيادة اتساعها من ناحيتي المدخل والقبلة أضيف لهما نصفا قبة من كل ناحية بارتفاع 4. مترا. ثم وسعت هاتان المنطقتان بحنيات ركنية إضافية. أما المساحتان الموجودتان الى اليمين واليسار فقد غطيت كل منها بخمس قباب. وبدلا من الرتابة التي قد تنجم عن استخدام قباب صغير ة متماثلة. فقد عمد سنان الى ابتكار جذاب غير مألوف يتلخص في تبادل بين قبة صغيرة وأخرى كبيرة حسب المساحة التي تغطيها القبة. وكانت القبة الوسطى هي الأكبر وتتعادل في اتساعها مع القبة الركنية،وبهذا يكون قد تم نوع من التكامل بين منطقة وسط المسجد وبين منطقة البلاطات الجانبية،ويكون المظهر الخارجى كشف بوضوح عن داخل المسجد بكل تفاصيله الدقيقة. وإذا كان الداخل إلى المسجد يمتلئ بإحساس باللانهائية،فما ذلك الا نتيجة لارتفاع القبة الشاهق ولابداعات الزخارف الخزفية التي تكسو القبة.
أبدع سنان وهو في الثمانين من عمره، مسجد السليمية في ادرنه، وأشتمل هذا المسجد على كل الابتكارات والتجديدات التي استحدثها سنان حتى ذلك الحين، بالإضافة إلى مستحدثات العمارة العثمانية، استغرق بناء هذا المسجد خمس سنوات من 1569 إلى 1574 م. وهو يمثل الرمز الحي لمدينة أدرنه وللدولة العثمانية. أنشىء هذا المسجد بأمر من السلطان سليم الثاني. يظهر هذا الأثر متجليا من بعيد بقبته الكبيرة ذات قطر يبلغ 5. , 31 مترا أي أكبر من قطر آيا صوفيا وبمآذنه الأربع الرشيقة، التي تدور حول رقبة قبته المثمنة، وتتوافق ضخامة القبة وارتفاعها مع المساحة الكبيرة في الداخل،حتى لكأنه يمكن اعتبارها قمة التطور في بناء القباب في العالم بأسرة. وجاء في ( تذكرة البنيان ) التي يقال أنها من إملاء سنان، وصف لهذه المنشأة بقولة .... ( وترتفع المآذن الأربع عند أركان القبة الأربعة، ولكنها ليست غليظة كالبرج، مثلما هو الحال في مآذن اوج شرفلى. ولا يخفي بالطبع ما هناك من صعوبات تواجه بناء مآذن سامقة كمآذن السليمية، التي تضم كل منها ثلاث سلالم منعزلة. واذا كان قد شاع بين المهندسين المسحيين القول بتفوقهم على المسلمين،لانه لم تقم في العالم الإسلامي كله قبة تضارع أو تنافس آيا صوفيا،فقد حز في نفسي كثيرا أن يقال أن بناء قبة بمثل ضخامة آيا صوفيا، ربما يكون من الأعمال العسيرة ولهذا قررت مستعينا بالله إقامة هذا المسجد في عهد السلطان سليم خان، جاعلا قبته أوسع من آيا صوفيا بمقدار ستة اذرع وأعمق منها بمقدار أربع أذرع). وقبة السليمية محمولة على ثماني دعامات قوية، لها سنادات طائرة.
هكذا أصبح سنان أستاذا كبيرا في بناء القباب وفي تنسيق المساحات، وعبقريا باقتدار ونجاح في تصميم القباب المركزية التي كانت الأمل والمثل الأعلى عند معماري عصر النهضة في إيطاليا. وبراعة سنان أتت من المفهوم المعماري الذي انطلق منه، والذي يهدف إلى نسق بنائي سليم ومساير لمتطلبات حل مسائل الفراغ والحجم. ويبدو أن تصور سنان نابع من التجليات العضوية للعمليات المعمارية التي يتحكم المعماري في كل خطوة من خطواتها. ففي المساحات الداخلية الواسعة قد نتصور الأبدية في التعبير عن المنحنيات السماوية للقباب والعقود الكبيرة مقارنة بالتسطيح أو الامتدادات السطحية للحياة البشرية ممثلة في الخطوط الأفقية المستقيمة للأجزاء السفلية. وفي الواقع أن هذه الازدواجية أعلى وأسفل تلك الفراغات الضخمة هي التي توجد المضمون العاطفي في عمارة سنان.
وإذا كان للقباب في بعض استخداماها رمزية سياسية مباشرة كانت أم غير مباشرة، فقد استخدمت أيضا للتعبير عن مقر الحكم أو العرش بصورة صريحة فقد كان يعلو قصر الإمارة في دمشق قبة خضراء أعطت القصر اسمه. كما قام الحجاج بتقليد سادته بإقامة قبة خضراء لدار الإمارة في واسط. وكان يعلو قاعة العرش أو الحكم بقصر الذهب في بغداد قبة كبيرة خضراء على رأسها تمثال فارس بيده رمح يعبر عن قوة الدولة وبطشها في مواجهة أعداءها. وفي سامراء تميزت الدار الخاصة بالخليفة المعتصم بجناح قاعة العرش المؤلف من قاعة مربعة مركزية مسقوفة بقبة. واستخدمت القبة الخضراء كذلك لتسقيف دار العدل في بقلعة صلاح الدين الأيوبي بالقاهرة، التي شيدها الناصر محمد بن قلاوون لتكون مقرا لنظر المظالم ولاستقبال السفراء وكذلك للعرش المملوكي، ومقرا للاحتفالات الرسمية، هكذا كان للقبة مدلول سلطوي رمزي منذ فترة مبكرة في تاريخ العمارة الإسلامية .
استمر هذا النمط من التفكير في عصرنا هذا فالملك الحسن الثاني ملك المغرب الراحل مسجده الكبير، كان يخاطب الحس الديني الصوفي لدى أهل المغرب. واختياره أن يكون معمار مسجده مغربي يخاطب من خلاله الحس التاريخي لدى المواطن المغربي الذي يرى في فاس ومكناس والرباط مترادفات من هذا الفن هنا وهناك تذكره بأمجاد المغرب في العصور الماضية، فهو هنا يستنطق بصورة غير مباشرة التاريخ في وجدان المواطن المغربي، أما كبر المسجد فهو يجسد الروح العربية في الزهو والافتخار وفي نفس الوقت يقيم الرهبة تجاه هذا الملك.
إن استخدام العمارة في إثارة الرهبة أو للتدليل على العظمة والقوة أمر غير مستغرب ليومنا هذا، فمحطات التلفاز تقدم عناصر القوة المعمارية كدليل على الإنجاز الحضاري، هذا ما حرصت عليه ماليزيا في برجا بتروناس، بل إن تنظيم القاعدة حينما دمر برجا مركز التجارة العالمي بنيويورك، كان في حقيقة الأمر يهاجم الرأسمالية الأمريكية في أعظم صورها، وحين قامت مصر بإحياء مكتبة الإسكندرية كمشروع ثقافي مصري، تريد به أن ترسخ دورها الثقافي في الساحة الدولية، وأن تعيد بناء صورتها أمام العالم كدولة تؤمن بالتعددية الثقافية، مستغلة بذلك جذور تاريخية لها رواجها الدولي.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.