«وصلنا مقهي «زهرة البستان».. كان المقهي مزدحماً، جماعة يلعبون الطاولة، وبنات يدخّن، وماسح أحذية صعيدي ظهره متقوّس، وفي الممر شباب جالسون مع بنات، والرهبة تسرّبت إليّ... هذا هو الاختبار الحقيقي، من يعترف بهؤلاء يصبح أديباً، ومن لا يحصل علي اعتراف منهم، يظل طوال عمره في الظل». بهذا الأمل الخائف، يدخل عادل إبراهيم، الصعيدي المهاجر، عالم «زهرة البستان» (دار ميريت)، المقهي الذي تستعير رواية خالد إسماعيل الجديدة عنوانه، هو أحد أشهر مقاهي مثقفي وسط البلد. إذن : طريداً من بلدته الجنوبية، مضروباً بحب الكتابة، يصطدم عادل بقسوة القاهرة. يسترجع مشاهد حياته التي لفظته إلي هنا، متذكّراً عائلته التي دمّرها صراع الدولة والجماعات الدينية في الصعيد خلال التسعينيات، صراع تفجّر في صور تجارة وفتنة ودم. الخلافات التي تبدو دينية شكلاً، هي قبلية وطبقية وسياسية في الجوهر، لنتأمل مثلاً كلمات أبي الراوي خلال صراع العائلة علي المسجد «الجامع ده إحنا لينا فيه زي أي واحد، نصلّوا ونخطبوا ونعملوا كل حاجة، إحنا مش أقل من أبو أي حد... واللي عنده كلمة يلمّها، وبزيادة الحديث الفارغ... بلا حرام، بلا حلال» الكلمات السابقة دافع بها الأب عن حق ابنه يسري - شقيق الراوي في أن يَخطب في جامع العائلة، ينحاز الأب إلي «فقه» ابنه فقط لأنه ابنه و«بلا حرام، بلا حلال»، تماماً كما اعتقل البوليس يسري ليس بسبب تديّنه بل لنشاطه السياسي الخطير. يغيب الابن وراء قضبان السجن حتي تستيقظ العائلة محاصرة بالبوليس في قلب الليل «كان أبي راقداً علي المصطبة، وأمي راقدة علي الدكّة. العساكر والضباط الذين يرتدون الملابس المدنية، كلهم يحملون البنادق والرشاشات، كلها مصوّبة تجاه رأسي... قال «الباشا» الأبيض الوجه، الممتلئ الجسم، موجّهاً كلامه إلي أبي: اسمع يا حاج... اسمع كلامي ومش عاوز نص كلمة. قول يا باشا أنا سامع كلامك. - دلوقتي من سكات، هتطلع معايا، ندفن ابنك يسري، للمرة التانية أنا باقولك أهُه... هتطلع معايا، ندفنه، أي كلمة، أي شوشرة، هاخد التاني ده... فاهمني ولا لأ؟ لطمت أمي خديها وصرخت: اسم الله يا ولدي... يا غالي... فضربها ضابط يرتدي البدلة الميري السوداء بالكف، وأبي يرتعش». مات يسري في المعتقل، ودفن في الصمت تحت حصار العساكر، ولم يكن بطبيعة الحال حالة فردية، تمرض الأم وتموت قهراً ويتبعها الأب، ويكشف الابن الأكبر جمال عن وجه انتهازي طامع في الإرث البسيط. أمّا عادل، فلا يوقّر أحداً من غضبه حتي أبيه الراحل. «لعنت أبي في سري: يعني ابن الكلب اللي غار ده، كان ممكن يريّحنا قبل ما يتقلب (يموت)... كان كتب لكل واحد نصيبه». غضب الراوي يكشف في عمقه عن عجز عن المواجهة، البلدة المحكومة بالبوليس وبتوازن العائلات لا تسمح بالحياة. ليس غريباً إذاً أن يترك عادل كل شيء إلي القاهرة، مستهدفاً مقاهيها ومثقفيها، أملاً في اعترافهم بموهبته الأدبية التي أعجبت معارفه في الصعيد. لكنّ الأمر ليس بهذه السهولة... يتعرف إلي الوجوه القاهرية: علي نصار، أمير عواد، نظمي عبد الرحيم. يتورط في حياة تكرّ فيها أيام رتيبة، ويخفت الوهج: «في مقهي زهرة البستان، جلست، شربت الشاي، وقرأت الجرائد، ووجدتني وحيداً».