السنوسي محمد السنوسي كثيرون راهنوا على د. محمد البرادعي منذ أن طيّرت وكالات الأنباء العالمية والمحلية خبر ترشّحه لرئاسة الجمهورية قبل عام تقريبًا من الإطاحة بالمخلوع محمد حسني مبارك.. فالرجل له اسمه ومكانته..
وكان من الطبيعي أن تزيد هذه المراهنة، وترتفع أسهم البرادعي بعد نجاح الثورة التي لا شك أنه كان أحد أبرز وجوهها، وعوامل اندلاعها.
وبقدر ما كان إعلان ترشح البرادعي للانتخابات قبل الثورة لافتًا للانتباه، ومثيرًا للفضول والتساؤلات؛ بقدر ما كان خبر انسحابه من السباق الرئاسي مثيرًا ولافتًا كذلك.
الغريب في انسحاب البرادعي ليس فقط "جوهر" الموضوع - وهو الانسحاب- وإنما أيضًا "توقيت" هذا الانسحاب!
لسببين: أولاً: لأنه يأتي بعد أسبوع تقريبًا من نشر البرادعي لما قال عنه إنه خطته لإنقاذ الاقتصاد المصري، ولم يحدث شيء لافت للانتباه - بعد نشر هذه الخطة التي جاءت في سياق الدعاية الانتخابية- يستدعي الانسحاب... فلماذا انسحب إذن؟!
ثانيًا: أنه يأتي قبل 11 يومًا من مرور سنة على ذكرى الثورة، وهي المناسبة التي يُحضِّر لها كثيرون.. ولم يكن من المتخيَّل أبدًا أن يكون احتفال د. البرادعي بالمناسبة، هو إعلان انسحابه!!
إذا أخذنا في الاعتبار الدعوات الكثيرة التي تسعى للاحتفال بهذه الذكرى الأولى للثورة، بما بين هذه الدعوات من تناقض.. حيث بعضها يدعو لثورة ثانية، وآخرون يدعون لتكثيف الضغوط على المجلس العسكري، فضلاً عمن يدعون للفوضى وإحداث ارتباك منظّم وإضراب عام (لا يخلو من عنف!) يكون مقدمةً لرفض واسع ليس فقط للمجلس العسكري بل أيضًا لرفض الانتخابات جملةً وتفصيلاً التي جرت منذ أيام قليلة.
إذا أخذنا كل هذا في الاعتبار، لربما رأينا أن د. البرادعي أراد أن يُطْلق حملته الرئاسية من جديد، لا أن ينسحب من المعركة!
كيف ذلك؟! د. البرادعي وكثيرون يعلمون أن هناك حالة ركود في الشارع السياسي الآن، البعض يفسر هذا الركود بأنه "ترقب" لما بعد الانتخابات البرلمانية، ولما قبل الرئاسية.. والبعض الآخر يرى أنه "يأس" مما آلت إليه الثورة حيث لم يستفد منها إلى الآن رجل الشارع العادي.. بل إن رجل الشارع هذا قد تضرر كثيرًا من الثورة..
طبعًا اليأس لا يمكن أن يكون من الشريحة الأكبر من الجماهير، وإلا لما ذهبت للانتخابات أصلاً وسجلت نسبة حضور 60% في سابقة هي الأولى من نوعها في التاريخ المصري.. بل هو ممن يريد أن يحتكر الثورة، ويرى أن دور هذه الشريحة التي ذهبت للانتخابات كانت ضد الثورة في بدايتها، ولذلك فهي حسب رأيه لا يمكن أن تشكّل مصير الثورة بأصواتها مهما بلغت!! (هكذا والله قالت إحدى "الثوريات" التي سقطت في الانتخابات!!).
ولذلك من المتوقع أن تكون هناك استجابة ما لمحاولات تسخين الشارع يوم 25 يناير القادم، خاصة بعد براءة بعض من يحاكَمون في قضايا قتل الثوار.. فكأن د. البرادعي أراد أن ينسحب من المشهد "الراكد" استعدادًا للتجاوب مع محاولات التسخين هذه، وليكون انسحابه أيضًا بمثابة صبّ للبنزين على نار الغضب المكتوم والقابل للانفجار لأي سبب..
فالذين كانوا يراهنون على البرادعي من شباب الثورة واللبراليين، خاصة في مواجهة تصاعد الإسلاميين الذين حصدوا أغلب نتائج الثورة عن طريق صندوق الانتخاب، سيجدون في إعلان انسحاب البرادعي انطفاءَ آخر شمعة أمل بالنسبة لهم، ولذلك ستزيد محاولاتهم في تسخين الشارع ضد المجلس العسكري الذين يقولون عنه إنه يسعى لإبرام صفقة مع الإسلاميين، وأيضًا ضد الإسلاميين الذين يعتبرهم شباب الثورة قد قفزوا على الثورة وحصدوا نتائجها.
أرجوك لا "تتوه" مني أيها القارئ العزيز.. فنحن نحاول قراءة ما يشبه "فكّ الشفرات"، ونحتاج إلى شامبليون آخر.. لا سيما في جو عدم الثقة الذي يشمل الجميع!!
فكل أطراف المشهد الآن من المجلس العسكري، وشباب الثورة، والأحزاب، والتيارات، والمستقلين، ورجل الشارع العادي "حزب الكنبة".. لا أحد يثق في الآخر، والكل يحاول أن يتغدى بالآخر قبل ما يتعشى به!!
ومع الأسف هذا ضد الثورة وضد الانتخابات.. بل ضد مصر!! ويثبت من جديد صدق رهان مبارك المخلوع الذي قال: إما أنا أو الفوضى.. ألا لعنة الله على مبارك وعلى الفوضى معًا!!
فكما طرح د. البرادعي نفسه أيام مبارك كمنقذ وبديل له، فهو يريد تكرار هذا الطرح وسط حالة الارتباك التي يمكن أن تحدث في الذكرى الأولى للثورة.. حتى لو لم يكن هو وراء هذا الارتباك (أرجو ألا يظن أحد بأنني أتهم د. البرادعي بالسعي لإحداث فتنة!!)
من الصعب جدّا أن أتصور أن د. البرادعي الذي وقف ضد مبارك، وأعلن ذلك بصراحة، وطالب بتغيير مواد الدستور المعرقلة للترشح للرئاسة، ثم كان له هذا الزخم والحضور أثناء الثورة وبعدها.. يمكن أن ينسحب من المشهد بسهولة، خاصة وأن ظروف مصر السياسية قبل شهر تقريبًا لم تتغير.. فلماذا الانسحاب الآن؟!
وأقولها بكل صراحة: ليس عيبًا أن يكون انسحاب د. البرادعي "مناورة" سياسية، وإعادة طرح لنفسه وأفكاره من جديد.. فالسياسة لا تعرف "العيب" ما دام هناك التزام بالوسائل السلمية.. لكن يجب أن ندرك أن ظروف مصر لا تحتمل "المناورات" التي ممكن أن تنقلب إلى "مغامرات"، حتى من دون قصد أصحابها!
وأنه حان الوقت لتنتقل الثورة من "الميادين" إلى "الصناديق".. ثم تظل الميادين حارسة لإرادة الجماهير، وليس معاكسة لها، أو منقلبة عليها..
وتحياتي للدكتور البرادعي الذي أرجو أن يستمر في السباق الرئاسي إلى آخره، لنرى بحقّ سباقًا بين أقوياء وليس بين كومبارس..