اضطرتني ظروف الحياة أن أخوض غمار أسواق القاهرة للتسوّق، الأمر الذي جعلني أتقابل وأتحدّث مع عشرات البائعين في مختلف التخصصات، وكلما قمت باختيار منتج مصري الصنع كان كل بائع يُحذّرني بصوت الفاهم الحاذق: "بس يا أستاذ.. ده مصري"، ويأخذه من يدي ويناولني منتجاً مستورداً، حتى وصل الأمر أنني كنت أشتري "ربسوس" فوجدت البائع يُقدّم لي منتجات أجنبية مستوردة لحلويات فرنسية، وعندما اخترت ما أعرفه وما كنت أستهلكه في طفولتي، وجدته هو الآخر يُحذّرني بنفس اللهجة الأبوية أن هذا المنتج مصري وعليَّ أن أختار منتجاً آخر حرصاً على سلامتي. وحتى ينتهي الأمر بنكتة، التقيت أمس صديقاً قديماً لي حكى لي أنه كان يقوم بجولة قاهرية لأستاذ سويدي وعائلته يزورون مصر لأول مرة، وكانوا يريدون مشاهدة فاصل من الرقص الشرقي، وعندما بحث في الأمر وجد راقصات من اليابان وروسيا ورومانيا وغيرها من الدول، وعندما سأل عن راقصات مصريات جاءت الإجابة أنهن أصبحن لا يعرفن كيف يرقصن رقصاً شرقياً، وأن الخواجات أفضل كثيراً، كان لا بد أن أُفكّر ملياً في هذا الأمر. يشغل الاستهلاك حيزاً كبيراً في حياة الإنسان من حيث الزمن وكذلك من حيث الأهمية الرمزية، وتتضافر عشرات العوامل في تحديد السلوك الاستهلاكي للفرد، وتندرج هذه العوامل في دوائر تخصصات علوم الاقتصاد والاجتماع والنفس. تصوّر الاقتصاديون الكلاسيكيون أمثال: "آدم سميث" و"دافيد ريكاردو" و"جون ستيوارت ميل" أن المستهلك يتصرّف دائماً برشد وعقلانية، وأن اختياراته تكون دقيقة وقائمة على دراسة ما يحتاجه بالفعل، وكذلك دراسة الأسعار المتداولة في السوق. ثم جاء آخرون وأكّدوا العكس أن دوافع المستهلك تكون في العادة غير رشيدة ولا عاقلة، ثم جاء الفرويديون ليقوموا بدراسة الوظيفة الرمزية للاستهلاك، وبناء على ما قدّموه يمكن فهم اتجاه مستهلك ما لشراء منتج للونه مثلاً أو للشكل الذي يتخذه وعلاقة هذا بتاريخ الفرد النفسي. اليوم يُؤكّد العلماء أن هناك احتياجات نفسية مؤكّدة وراء عملية الاستهلاك وهي أولاً: الأمن، وثانياً: الانتساب للمجتمع المحيط، وثالثاً: إضفاء القيمة والاحترام، ورابعاً وأخيراً: التحقق. وأمام الاحتياجات النفسية للمستهلك تتشكّل ذهنية هذا الفرد أو وضعيته الفكرية إزاء سلوكه الاستهلاكي، وذهنية المستهلك هذه هي مجموعة اعتقاداته ومشاعره ونواياه الاستهلاكية إزاء المعروض. ويكون هذا المستهلك مثل الحرباء التي تغيّر لونها بصفة مستمرة تبعاً للبيئة المحيطة؛ فالمستهلك هو الآخر تتغيّر ذهنيته الاستهلاكية بصورة متصلة بتغيّر مجموعة الاعتقادات والمشاعر والنوايا. كيف يمكننا إذن التعامل مع هذا المستهلك الحرباء للتأثير عليه ليغيّر من سلوكه الاستهلاكي؟ الأمر غاية في الصعوبة؛ فالدراسات الأخيرة تشير إلى أن عملية التأثير في السلوك الاستهلاكي العام أصبحت أصعب كثيراً مما كانت عليه منذ أقل من عشر سنوات. تداخلت في هذا: الزيادة المطردة في المعروض، والثورة التقنية، وسيولة المعلومات، وأخيراً تنامي الشبكات الاحتكارية، لا بد من تحليل ما هو قائم. نحن اليوم نعيش حالة كراهية وتحقيراً للذات أصبحت تأخذ شكل الظاهرة الاجتماعية شديدة الخطورة، الاحتياجات النفسية للمستهلك تدفع كلها في اتجاه شراء ما هو غير مصري، والأمر يتعدّى عامل الجودة وسمعة المنتج المحلي إلى ما هو اجتماعي ونفسي. ف"الربسوس" المصري على سبيل المثال كان أفضل كثيراً من مثيله الفرنسي، ولكنه شعور اجتماعي عام تنامى بهدوء في اتجاه مشاعر دونية دفينة في طريق انتحار جماعي. فكما الحرباء تعيش في عزلة وفي حالة توحّد، أصبحنا نسير وحدنا ونظهر أسوأ ما فينا ونتلذذ بإظهار أوجه ضعفنا. يُؤكّد العلم الحديث أن قادة الرأي يمكن أن يلعبوا دوراً مهماً في التأثير على السلوك الاستهلاكي، ولذلك تلجأ الشركات كثيراً إلى تأجير جهود مشاهير للدعاية لمنتجاتها. وعلينا اليوم التوجّه إلى قادة الرأي للتأثير في المجتمع. ليس بالتأكيد بالقول: "اشتري مصري". ولكن بدراسة اجتماعية ونفسية تحلل الأسباب والدوافع وبناء عليها يتم توجيه جهود قادة الرأي. على الحرباء أن تغيّر لونها، وأن تعود مرة أخرى للون طمي النيل. عن الشروق بتاريخ 1/ 8/ 2010