رئيس الطائفة الإنجيلية يشارك في احتفال رأس السنة الميلادية بكنيسة مصر الجديدة    رئيس البورصة المصرية: أغلب الشركات أبدوا موافقة على قرار مد التداول لنصف ساعة إضافية    سوريا.. قتيل وإصابات في صفوف الأمن بانتحاري يستهدف دورية في حلب    مواعيد مباريات دور ال 16 بأمم أفريقيا 2025    مصرع وإصابة 4 أشخاص في حادث بقنا    أحمد السقا عن سليمان عيد: مقدرتش أدفنه    ختام أنشطة البرنامج التدريبى للطاقة الشمسية فى بنبان بأسوان    محافظ الأقصر يسير على كورنيش النيل لمسافة 5 كيلومترات لمشاركة المواطنين استقبال العام الميلادي الجديد    خالد عكاشة: مصر أنجزت السلام بجهد وطني خالص وتدير أزمات الإقليم بصلابة    الرئيس الإيراني يدعو إلى التضامن بدلا من الاحتجاجات    خلال مشاركته المحتفلين بالعام الجديد في احتفالية شركة العاصمة الجديدة رئيس الوزراء يؤكد لدينا مؤشرات إيجابية تُبشر بسنوات من التقدم والتنمية    مدير التربية والتعليم يتفقد ورش تدريب المعلمين الجدد بالإسكندرية | صور    حبس الأب وصديقه فى واقعة خطف طفل بكفر الشيخ وعرضهما غدا على محكمة الجنح    رئيس جامعة كفر الشيخ يتفقد مطعم المدن الجامعية للاطمئنان على جودة التغذية| صور    أحمد السقا يحسم الجدل حول عودته لطليقته مها الصغير    إليسا ب حفل العاصمة الجديدة: أحلى ليلة رأس السنة مع الشعب المصرى.. صور    أم الدنيا    الإفتاء: الدعاءُ في آخر العام بالمغفرة وفي أولِه بالإعانة من جملة الدعاء المشروع    مستشفيات جامعة بني سويف: إنقاذ مريضة مصابة بورم خبيث في بطانة الرحم والمبيض    محافظ الجيزة: أسواق اليوم الواحد حققت نجاحًا كبيرًا وافتتاح سوق جديد بإمبابة الأسبوع المقبل    كاف يعلن الاحتكام للقرعة لحسم صدارة المجموعة السادسة بأمم أفريقيا    28 يناير.. الحكم على طالبات مشاجرة مدرسة التجمع    كنوز| «الضاحك الباكي» يغرد في حفل تكريم كوكب الشرق    العثور على جثة شخص أمام مسجد عبد الرحيم القنائي بقنا    العملة الإيرانية تهوي إلى أدنى مستوى تاريخي وتفاقم الضغوط على الأسواق    معتز التوني عن نجاح بودكاست فضفضت أوي: القصة بدأت مع إبراهيم فايق    عن اقتصاد السّوق واقتصاديات السُّوء    إكسترا نيوز: التصويت بانتخابات النواب يسير بسلاسة ويسر    هل يجوز الحرمان من الميراث بسبب الجحود أو شهادة الزور؟.. أمين الفتوى يجيب    ظهور مميز ل رامز جلال من داخل الحرم المكي    أمم أفريقيا 2025| انطلاق مباراة السودان وبوركينا فاسو    صلاح يواصل استعداداته لمواجهة بنين في ثمن نهائي أمم أفريقيا 2025    وزير «الصحة» يتابع تنفيذ خطة التأمين الطبي لإحتفالات رأس السنة وأعياد الميلاد    خالد الجندي: الله يُكلم كل عبد بلغته يوم القيامة.. فيديو    "التعليم الفلسطينية": 7486 طالبًا استشهدوا في غزة والضفة الغربية منذ بداية 2025    وزير الصحة يتابع تنفيذ خطة التأمين الطبي لاحتفالات رأس السنة وأعياد الميلاد المجيد    الداخلية تضبط تشكيلًا عصابيًا للنصب بانتحال صفة موظفي بنوك    بشرى سارة لأهالي أبو المطامير: بدء تنفيذ مستشفي مركزي على مساحة 5 أفدنة    حصاد 2025.. جامعة العاصمة ترسخ الوعي الوطني من خلال حصادًا نوعيًا للأنشطة العسكرية والتثقيفية    ذات يوم 31 ديسمبر 1915.. السلطان حسين كامل يستقبل الطالب طه حسين.. اتهامات لخطيب الجمعة بالكفر لإساءة استخدامه سورة "عبس وتولى" نفاقا للسلطان الذى قابل "الأعمى"    دون أي مجاملات.. السيسي: انتقاء أفضل العناصر للالتحاق بدورات الأكاديمية العسكرية المصرية    حصاد 2025| منتخب مصر يتأهل للمونديال ويتألق في أمم أفريقيا.. ووداع كأس العرب النقطة السلبية    دينيس براون: الأوضاع الإنسانية الراهنة في السودان صادمة للغاية    إيمري يوضح سبب عدم مصافحته أرتيتا بعد رباعية أرسنال    إجازة السبت والأحد لطلاب مدارس جولة الإعادة في انتخابات النواب بأسوان    وزارة الصحة: صرف الألبان العلاجية للمصابين بأمراض التمثيل الغذائى بالمجان    إصابة 8 عاملات في حادث انقلاب ميكروباص بالطريق الصحراوي القاهرة–الإسكندرية بالبحيرة    صقور الجديان في مهمة الفوز.. السودان يواجه بوركينا فاسو اليوم في كأس أمم إفريقيا 2025    "القومي للمسرح" يطلق مبادرة"2026.. عامًا للاحتفاء بالفنانين المعاصرين"    السودان يواجه بوركينا فاسو في مباراة حاسمة.. صقور الجديان يسعون للوصافة بكأس أمم إفريقيا    السودان وبوركينا فاسو في مواجهة حاسمة بكأس أمم إفريقيا 2025.. تعرف على موعد المباراة والقنوات الناقلة    رابط التقديم للطلاب في المدارس المصرية اليابانية للعام الدراسي 2026/2027.. يبدأ غدا    محافظ أسيوط: عام 2025 شهد تقديم أكثر من 14 مليون خدمة طبية للمواطنين بالمحافظة    «اتصال» وImpact Management توقعان مذكرة تفاهم لدعم التوسع الإقليمي لشركات تكنولوجيا المعلومات المصرية    قصف وإطلاق نار اسرائيلي يستهدف مناطق بقطاع غزة    مصرع طفل صدمه قطار أثناء عبوره مزلقان العامرية بالفيوم    توتر متصاعد في البحر الأسود بعد هجوم مسيّرات على ميناء توابسه    رضوى الشربيني عن قرار المتحدة بمقاطعة مشاهير اللايفات: انتصار للمجتهدين ضد صناع الضجيج    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



منير عليمي : نترجم الرواية لنكتشف أنفسنا ونكتشف العالم
نشر في صوت البلد يوم 02 - 05 - 2017

الكتابة عوالم مفتوحة، الكثير من الكتاب كانوا وسيظلون يدافعون عن هذا التمشي ضد القولبة وهو ما انتهجوه حتى في أعمالهم الأدبية، التي تكسر الحواجز الأجناسية والفكرية والجمالية، لتقديم ما هو جديد دائما، فما هو جديد يجب أن يكون متجاوزا، وما هو متجاوز هو بالضرورة حر، حر خلف الحواجز والحدود.. التقينا المترجم والشاعر التونسي منير عليمي في حوار معه حول الترجمة والشعر والتداخل الأجناسي في الكتابة والإبداع.
نبدأ حديثنا مع عليمي عن رواية بوهوميل هرابال “عزلة صاخبة جدا” التي نشرت منذ أيام عن منشورات المتوسط وأطلت على القارئ العربي لأول مرة هذه الأيام من خلال معرض أبوظبي الدولي للكتاب في دورته السابعة والعشرين. إذ يعتبرها مترجمها رواية غيّرت الكثير من عالم الرواية، ليس في التشيك فقط، بل في أوروبا عامّة، لأنّها قطعت مع مقولة الشكل والبناء الجاهزَيْن في الرّواية.
صناعة السلاح
يقول منير عليمي “هذه الرواية بمثابة تجربة جديدة، كانت عبارة عن تحدّ بالنّسبة إلى بوهوميل هرابال كي يجعل من اللغة الشّعرية أساسا لعمل سردي، وتلك هي قوة الرّواية التي أرّخت لفترة عصيبة من تاريخ التّشيك خاصّة وتاريخ أوروبّا عامّة، بأسلوب نجح في صياغة صورة جديدة ومختلفة عمّا نسمّيه اليوم الواقعيّة السحريّة في الرّواية”.
لدى ضيفنا عدد من الترجمات الشعرية، التي عمل فيها على أشعار عالمية مختلفة ومجهولة بالنسبة إلى القارئ العربي، لكنه اختار اقتحام عالم النشر برواية، نسأله هنا عن سبب اختياره لهذه الرواية تحديدا، وإن كان ذلك تأكيدا لميل سوق النشر إلى الروايات وتفضيلها على الشعر، ليجيبنا “نحنُ نطالع دائما كي نصطدم بعالم غير عالمنا، وكلّما عثرنا على عالم مخالفٍ حملنا أنفسنا وسعينا إلى الإقامة فيه. لا وسيلة للإقامة في هذا العالم غير التّرجمة.
قرأت عمل بوهوميل هرابال ووجدتُ نفسي أغوص داخل عملٍ روائي يحمل بين صفحاته عوالم شعرية مغايرة تماما لما كنتُ أحمله من تصوّرات حول الشّعر والرواية عموما. أستطيعُ القولَ إن رواية ‘عزلة صاخبة جدا‘ أعادت الصّخب إلى كلّ قراءاتي السّابقة ودفعتني إلى إجراء محاكمة عادلة لرؤيتي إلى الشّعر والسّرد والفلسفة والفكر بأبعادها المختلفة، ولهذا السّبب أقدمتُ على ترجمة هذا الكتاب”.
يرى عليمي أن ترجمة الرّواية باتت عمليّة ضروريّة الآن كي نتعرّف على أنفسنا وفق نظرة الآخر الرّوائي. ومن ناحية أخرى يعتقد أن الرّواية مهدّدة دائما لأنها تقف دوما وقفة المتّهم والقاضي في آن واحد وذلك لما تشهدهُ من تغيرات ونظريات جديدة تتصارع فيما بينها. أمّا الشعر فهو، في رأيه، كائنٌ أرحب يعيشُ داخل الكون ويمتدّ إلى خارجهِ وبالتّالي هو مسيّر كلّ شيء ولا يقفُ أي جنس أدبي بمعزلٍ عنه، ومسألة نشره مرتبطة بالتّرجمة في حدّ ذاتها، فهي عملية صعبة جدا وعبارة عن كفاح طويل من أجل قذف روح جديدة في نصّ بجسدٍ جديد وهواء صالح للعيش. وبتحقق هذه الرّوح يتحقق الشعر الذي نركض خلفهُ بأكثر من لغة ولا ننال منهُ إلا القليل.
عن الترجمة وعلاقته بها يقول الشاعر والمترجم التونسي “الترجمة عملية قراءة بعينٍ ثالثة. ترجمتُ الكثير من القصائد، ولكن عندما فكّرتُ في محاولة نشرها لم أجد رابطا بين كلّ تلك النّصوص سوى أنها تنتمي إلى الشّعر في معناه الواسع. ترجمة الشّعر تثبتُ أنّ أخطر شيء في هذا العالم هو الكلمات، فهي محرّك كلّ شيء. أن تترجم نصّا شعريا فذلك أشبه بصناعة سلاح جديدٍ وذلك السّلاح نفسه سيكون في يد أكثر من جندي؛ فالمترجمُ هنا هو المسيّر لحرب أبديّة يقودها الشّعر في قلوب شعراء وكتّاب وروائيين وعليهِ هنا أن يكون عادلا. الترّجمة تظلّ عملية قراءة بالنّسبة إلي وأحيانا تتحوّل إلى عملية بحث عن مدى قدرة نصّ ما على العيش داخل بيئة غير بيئته”.
المترجم كغيره من المبدعين في العالم العربي يواجه الكثير من الإشكاليات، وهنا يلفت عليمي إلى أن المترجم مثلهُ مثل كلّ شاعر أو روائي يظلّ فريسة وطنهِ ونخبه البائسة التي تريدُ السّيطرة على كلّ شيء. فهو يعاني من ضيق مجالات التّعامل إضافة إلى غياب المؤسسات التي تدعم الترجمة والمترجمين؛ إذ الترجمة آخر اهتمامات وزارة الثقافة في تونس مثلا، وآخر اهتمامات الجامعات التي لا تولي هذه المسألة اهتماما، كما يقول.
الشعر ضد الاحتضار
نتطرق مع منير عليمي إلى تجربته كشاعر خيّر عدم نشر مخطوطاته، والاكتفاء بنشر نصوص هنا وهناك، ليقول “لا بدّ من الإشارة إلى كوني أنتمي إلى جيل جديدٍ من الشعراء الذين حاولوا جاهدين أن يمسحوا الغبار عن المشهد الأدبي التونسي الممزق والذي تتحكم فيه مؤسسات رسمية مختلفة كانت وما زالت من أكبر المدافعين عن سوق الرّداءة الأدبيّة”.
ويتابع “الشعر تجربة تولدُ أبدية من البداية أو حاملة نعشها معها؛ ف‘الشاعر الحقيقيُّ هو من يولدُ ساعة موتهِ‘. كلّ ما أكتبهُ الآن ينتمي إلى تجربة جيل جديد كاملٍ. لكن لا يمكنُ تقييم ما أكتبه إلا بعد صدور العمل الأوّل الذي لن يطول كثيرا. مسألة نشر الشعر باتت معقدة في تونس، حيث لا توجد دور نشر بالمعنى الحقيقي وذلك لغياب فهم حقيقي لطبيعة المشهد الثقافي في تونس، فمن يمثلون الكاتب التونسي من المنتمين إلى تنظيمات واتحادات لا علاقة لهم بما يحملهُ الجيل الجديد من تصوّرات حقيقية لبناء واقع مغاير يصلِحُ من وضعية دور النشر والتوزيع في تونس. إذا لم يحدث تغيير جذري في صلب وزارة الثقافة فستتحوّل هذه الوزارة بمرور الوقت إلى مستودع كبير لكل ما هو جامد”.
نتطرق مع عليمي إلى الحديث حول رؤيته للشعر التونسي اليوم، ليقول ضيفنا “يشهد الشعر التونسي اليوم ثورة حقيقية بقيادة جيل قطع أشواطا جديدة من أجل كتابة نصّ حقيقي ومتجاوز، جيل لا يصدّق ما يراهُ معلّقا في السّماء العالية لكنّه يصدّق دائما مرارة الأشواك التي يلتقطها بكفّه كي يترك للدم مساحة للكتابة، جيل يكتبُ بدموعه ودمه مع كلّ المسحوقين في هذا الوطن الذي ما زال يركضُ خلف حلمه. لكن هذا لا ينفي وجودَ مشاريع هدم قائمة تسعى جاهدة إلى زرع الرّداءة في كلّ زاوية”.
يحدثنا عليمي عن مشاريعه الأدبية اللاحقة من شعر وترجمة وإن كان يفكر كبقية الشعراء في كتابة رواية، ليقول “أفكّر في طباعة مجموعتي الشّعرية الأولى هذه السّنة إضافة إلى بعض الكتب في مجال التّرجمة التي ستصدر قريبا عن دور نشر تونسية وعربية. أما بالنّسبة إلى الرواية فهي مرتبطة تماما بعملية الكتابة بمعناها الواسع.
إذا حدث وكتبت رواية فالشعر هو ما سيدفعني إلى ذلك، لأنه كما أشرتُ سابقا هو محرّك كلّ شيء، فالرواية الخالية من الشعر أشبهُ بصخرة لا نبض فيها. الشعر هو الحياة لأنه لا يؤمن بموت الإنسان، فإذا آمنتُ بموت الإنسان الذي لا يكفُّ عن الاحتضار، سأتّجه مباشرة إلى الرّواية كي أكتب عن موتهِ”.
الكتابة عوالم مفتوحة، الكثير من الكتاب كانوا وسيظلون يدافعون عن هذا التمشي ضد القولبة وهو ما انتهجوه حتى في أعمالهم الأدبية، التي تكسر الحواجز الأجناسية والفكرية والجمالية، لتقديم ما هو جديد دائما، فما هو جديد يجب أن يكون متجاوزا، وما هو متجاوز هو بالضرورة حر، حر خلف الحواجز والحدود.. التقينا المترجم والشاعر التونسي منير عليمي في حوار معه حول الترجمة والشعر والتداخل الأجناسي في الكتابة والإبداع.
نبدأ حديثنا مع عليمي عن رواية بوهوميل هرابال “عزلة صاخبة جدا” التي نشرت منذ أيام عن منشورات المتوسط وأطلت على القارئ العربي لأول مرة هذه الأيام من خلال معرض أبوظبي الدولي للكتاب في دورته السابعة والعشرين. إذ يعتبرها مترجمها رواية غيّرت الكثير من عالم الرواية، ليس في التشيك فقط، بل في أوروبا عامّة، لأنّها قطعت مع مقولة الشكل والبناء الجاهزَيْن في الرّواية.
صناعة السلاح
يقول منير عليمي “هذه الرواية بمثابة تجربة جديدة، كانت عبارة عن تحدّ بالنّسبة إلى بوهوميل هرابال كي يجعل من اللغة الشّعرية أساسا لعمل سردي، وتلك هي قوة الرّواية التي أرّخت لفترة عصيبة من تاريخ التّشيك خاصّة وتاريخ أوروبّا عامّة، بأسلوب نجح في صياغة صورة جديدة ومختلفة عمّا نسمّيه اليوم الواقعيّة السحريّة في الرّواية”.
لدى ضيفنا عدد من الترجمات الشعرية، التي عمل فيها على أشعار عالمية مختلفة ومجهولة بالنسبة إلى القارئ العربي، لكنه اختار اقتحام عالم النشر برواية، نسأله هنا عن سبب اختياره لهذه الرواية تحديدا، وإن كان ذلك تأكيدا لميل سوق النشر إلى الروايات وتفضيلها على الشعر، ليجيبنا “نحنُ نطالع دائما كي نصطدم بعالم غير عالمنا، وكلّما عثرنا على عالم مخالفٍ حملنا أنفسنا وسعينا إلى الإقامة فيه. لا وسيلة للإقامة في هذا العالم غير التّرجمة.
قرأت عمل بوهوميل هرابال ووجدتُ نفسي أغوص داخل عملٍ روائي يحمل بين صفحاته عوالم شعرية مغايرة تماما لما كنتُ أحمله من تصوّرات حول الشّعر والرواية عموما. أستطيعُ القولَ إن رواية ‘عزلة صاخبة جدا‘ أعادت الصّخب إلى كلّ قراءاتي السّابقة ودفعتني إلى إجراء محاكمة عادلة لرؤيتي إلى الشّعر والسّرد والفلسفة والفكر بأبعادها المختلفة، ولهذا السّبب أقدمتُ على ترجمة هذا الكتاب”.
يرى عليمي أن ترجمة الرّواية باتت عمليّة ضروريّة الآن كي نتعرّف على أنفسنا وفق نظرة الآخر الرّوائي. ومن ناحية أخرى يعتقد أن الرّواية مهدّدة دائما لأنها تقف دوما وقفة المتّهم والقاضي في آن واحد وذلك لما تشهدهُ من تغيرات ونظريات جديدة تتصارع فيما بينها. أمّا الشعر فهو، في رأيه، كائنٌ أرحب يعيشُ داخل الكون ويمتدّ إلى خارجهِ وبالتّالي هو مسيّر كلّ شيء ولا يقفُ أي جنس أدبي بمعزلٍ عنه، ومسألة نشره مرتبطة بالتّرجمة في حدّ ذاتها، فهي عملية صعبة جدا وعبارة عن كفاح طويل من أجل قذف روح جديدة في نصّ بجسدٍ جديد وهواء صالح للعيش. وبتحقق هذه الرّوح يتحقق الشعر الذي نركض خلفهُ بأكثر من لغة ولا ننال منهُ إلا القليل.
عن الترجمة وعلاقته بها يقول الشاعر والمترجم التونسي “الترجمة عملية قراءة بعينٍ ثالثة. ترجمتُ الكثير من القصائد، ولكن عندما فكّرتُ في محاولة نشرها لم أجد رابطا بين كلّ تلك النّصوص سوى أنها تنتمي إلى الشّعر في معناه الواسع. ترجمة الشّعر تثبتُ أنّ أخطر شيء في هذا العالم هو الكلمات، فهي محرّك كلّ شيء. أن تترجم نصّا شعريا فذلك أشبه بصناعة سلاح جديدٍ وذلك السّلاح نفسه سيكون في يد أكثر من جندي؛ فالمترجمُ هنا هو المسيّر لحرب أبديّة يقودها الشّعر في قلوب شعراء وكتّاب وروائيين وعليهِ هنا أن يكون عادلا. الترّجمة تظلّ عملية قراءة بالنّسبة إلي وأحيانا تتحوّل إلى عملية بحث عن مدى قدرة نصّ ما على العيش داخل بيئة غير بيئته”.
المترجم كغيره من المبدعين في العالم العربي يواجه الكثير من الإشكاليات، وهنا يلفت عليمي إلى أن المترجم مثلهُ مثل كلّ شاعر أو روائي يظلّ فريسة وطنهِ ونخبه البائسة التي تريدُ السّيطرة على كلّ شيء. فهو يعاني من ضيق مجالات التّعامل إضافة إلى غياب المؤسسات التي تدعم الترجمة والمترجمين؛ إذ الترجمة آخر اهتمامات وزارة الثقافة في تونس مثلا، وآخر اهتمامات الجامعات التي لا تولي هذه المسألة اهتماما، كما يقول.
الشعر ضد الاحتضار
نتطرق مع منير عليمي إلى تجربته كشاعر خيّر عدم نشر مخطوطاته، والاكتفاء بنشر نصوص هنا وهناك، ليقول “لا بدّ من الإشارة إلى كوني أنتمي إلى جيل جديدٍ من الشعراء الذين حاولوا جاهدين أن يمسحوا الغبار عن المشهد الأدبي التونسي الممزق والذي تتحكم فيه مؤسسات رسمية مختلفة كانت وما زالت من أكبر المدافعين عن سوق الرّداءة الأدبيّة”.
ويتابع “الشعر تجربة تولدُ أبدية من البداية أو حاملة نعشها معها؛ ف‘الشاعر الحقيقيُّ هو من يولدُ ساعة موتهِ‘. كلّ ما أكتبهُ الآن ينتمي إلى تجربة جيل جديد كاملٍ. لكن لا يمكنُ تقييم ما أكتبه إلا بعد صدور العمل الأوّل الذي لن يطول كثيرا. مسألة نشر الشعر باتت معقدة في تونس، حيث لا توجد دور نشر بالمعنى الحقيقي وذلك لغياب فهم حقيقي لطبيعة المشهد الثقافي في تونس، فمن يمثلون الكاتب التونسي من المنتمين إلى تنظيمات واتحادات لا علاقة لهم بما يحملهُ الجيل الجديد من تصوّرات حقيقية لبناء واقع مغاير يصلِحُ من وضعية دور النشر والتوزيع في تونس. إذا لم يحدث تغيير جذري في صلب وزارة الثقافة فستتحوّل هذه الوزارة بمرور الوقت إلى مستودع كبير لكل ما هو جامد”.
نتطرق مع عليمي إلى الحديث حول رؤيته للشعر التونسي اليوم، ليقول ضيفنا “يشهد الشعر التونسي اليوم ثورة حقيقية بقيادة جيل قطع أشواطا جديدة من أجل كتابة نصّ حقيقي ومتجاوز، جيل لا يصدّق ما يراهُ معلّقا في السّماء العالية لكنّه يصدّق دائما مرارة الأشواك التي يلتقطها بكفّه كي يترك للدم مساحة للكتابة، جيل يكتبُ بدموعه ودمه مع كلّ المسحوقين في هذا الوطن الذي ما زال يركضُ خلف حلمه. لكن هذا لا ينفي وجودَ مشاريع هدم قائمة تسعى جاهدة إلى زرع الرّداءة في كلّ زاوية”.
يحدثنا عليمي عن مشاريعه الأدبية اللاحقة من شعر وترجمة وإن كان يفكر كبقية الشعراء في كتابة رواية، ليقول “أفكّر في طباعة مجموعتي الشّعرية الأولى هذه السّنة إضافة إلى بعض الكتب في مجال التّرجمة التي ستصدر قريبا عن دور نشر تونسية وعربية. أما بالنّسبة إلى الرواية فهي مرتبطة تماما بعملية الكتابة بمعناها الواسع.
إذا حدث وكتبت رواية فالشعر هو ما سيدفعني إلى ذلك، لأنه كما أشرتُ سابقا هو محرّك كلّ شيء، فالرواية الخالية من الشعر أشبهُ بصخرة لا نبض فيها. الشعر هو الحياة لأنه لا يؤمن بموت الإنسان، فإذا آمنتُ بموت الإنسان الذي لا يكفُّ عن الاحتضار، سأتّجه مباشرة إلى الرّواية كي أكتب عن موتهِ”.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.