عاجل- الخارجية الإيرانية تدين الهجوم العسكري الأمريكي على فنزويلا وتصفه بانتهاك للسيادة    عاجل الدوما الروسي يدعو لاجتماع طارئ لمجلس الأمن الدولي على خلفية الهجوم الأمريكي على فنزويلا    فحص فيديو متداول بالمنيا.. الداخلية تكشف حقيقة توزيع سلع خلال الانتخابات    تفاصيل مشادة رونالدو مع جهاز أهلي جدة عقب كلاسيكو الدوري السعودي    «حميدة»: المعارض الأثرية الخارجية حققت أرقامًا قياسية في أعداد الزائرين    تجهيز وحدة الأورام بمستشفى الكرنك الدولي وفق أحدث المعايير العالمية    أنجيلينا جولى تزور مستشفى المحور للاطمئنان على مصابى غزة.. صور    ساسى أساسيا وبن رمضان بديلا فى التشكيل المتوقع لمباراة مالى ضد تونس    انتهاء تنفيذ إنشاءات 670 مشروعًا بالمرحلة الأولى من «حياة كريمة» بمحافظة الأقصر    أمم إفريقيا - أوسيمين: نيجيريا بأكملها تنتظر اللقب.. ولا ننجرف وراء الضجة الإعلامية    محافظ أسيوط يتابع من غرفة العمليات المركزية جولة الإعادة بالدوائر ال3    تحرير 724 مخالفة للممتنعين عن تركيب الملصق الإلكتروني    دون اللجوء للقضاء.. «العمل» تعيد مستحقات عامل بإحدى الشركات    بين سيطرة الشباب طوال العام ومحاولات عودة القطاع الخاص.. الشروق ترصد أهم الظواهر المسرحية في 2025    سانا: قوة إسرائيلية تتوغل في قرية بريف القنيطرة الجنوبي    وكيل صحة شمال سيناء: خدمة 63 ألف منتفعة بوحدات الرعاية الأولية والمستشفيات    جهاز حدائق أكتوبر يكشف تفاصيل رفع كفاءة منظومة الصرف الصحي    أسعار الفاكهة اليوم السبت 3-1-2026 في قنا    حالة الطقس ودرجات الحرارة اليوم السبت 3-1-2026 في محافظة قنا    اتصالات مع رؤساء المتابعة بالمحافظات لمتابعة التصويت بانتخابات النواب بالدوائر الملغاة    انخفاض طفيف لسعر الذهب اليوم في الكويت.. عيار21 ب 37.450 دينار    تشكيل آرسنال المتوقع أمام بورنموث في البريميرليج    عودة مايكل جاكسون والأجزاء الجديدة من dune وSpider-Man.. أفلام مُنتظرة في 2026    «100 سنة غُنا».. علي الحجار يعيد ألحان سيد مكاوي على المسرح الكبير    موعد مباراة برشلونة وإسبانيول بالدوري الإسباني.. والقنوات الناقلة    طومسون: تغيير النظام وغياب «الفوضى» وراء تراجع مستوى صلاح في ليفربول    الإمارات تدعو اليمنيين إلى وقف التصعيد وتغليب الحكمة والحوار    لاعب غزل المحلة: علاء عبد العال ليس مدربا دفاعيا    هام من التعليم بشأن اشتراط المؤهل العالي لأولياء الأمور للتقديم بالمدارس الخاصة والدولية    الاتصالات: ارتفاع عدد مستخدمي منصة مصر الرقمية إلى 10.7 مليون مستخدم في 2025    مياه المنوفية تعلن خطة غسيل الشبكات خلال شهر يناير 2026    "الهيئة الوطنية" تعقد مؤتمرًا صحفيًا لإطلاع الرأى العام على جولة الإعادة بالدوائر الملغاة    ثقافة الأقصر ينظم جولات ل110 فتاة من المحافظات الحدودية بمعبد الأقصر.. صور    ما حكم تلقين الميت بعد دفنه؟.. الإفتاء توضح    الكهرباء: تحرير محاضر سرقة للتيار بإجمالي 4.2 مليار كيلووات ساعة خلال 2025    ابن عم الدليفري قتيل المنيرة الغربية: دافع عن صديقيه ففقد حياته طعنا بالقلب    التضامن: فتح باب التقديم لمسابقة الأم المثالية ل2026 غدًا.. اعرف الشروط    التنمية المحلية: إنشاء مجمع محاكاة لإدارة المخلفات بالذكاء الاصطناعى نهاية 2026    في محكمة الأسرة.. حالات يجوز فيها رفع دعوى طلاق للضرر    سعر الدولار في البنوك المصرية اليوم السبت 3 يناير 2026    سعر الدولار اليوم السبت 3 يناير 2026.. بكام النهاردة؟    لجنة «مصر العطاء» بنقابة الأطباء توضح حقيقة زيارة مستشفى سنورس بالفيوم    محاكمة 49 متهما بخلية الهيكل الإداري بالعمرانية.. اليوم    السيطرة على حريق محل ملابس أسفل عقار سكني في شبرا الخيمة    رامي وحيد: ابتعدت عامين لأن الأدوار أقل من أحلامي    كأس الأمم الأفريقية.. منتخب تونس يسعى لفك العقدة أمام مالي بدور ال16 اليوم    «الشبكة» من المهر وردها واجب عند «الفسخ»    الإفتاء: الصيام في شهر رجب مستحب ولا حرج فيه    فلسطين.. آليات الاحتلال تطلق النار على مناطق جنوب قطاع غزة    مجدي الجلاد: مصر تعزل تحركات إسرائيل في الصومال عبر دبلوماسية ذكية    مطلقات يواجهن حيل الأزواج.. للهروب من حقوقهن    لأول مرة.. توسيع للمريء باستخدام البالون لمسن بمستشفى كفر شكر بالقليوبية    ننشر مواقيت الصلاه اليوم السبت 3يناير 2026 فى المنيا    تنظيف كنيسة المهد استعدادًا لاحتفالات عيد الميلاد المجيد حسب التقويم الشرقي    إيبارشية القاهرة الكلدانية تحتفل بعيد مار أنطونيوس الكبير    عبدالملك: الزمالك بحاجة لثورة في الفريق    المصل واللقاح: شتاء 2026 سيكون عنيفا من حيث الإصابة بالأمراض التنفسية    أذكار مساء الجمعة.. سكينة للقلب وتجديد للإيمان مع ختام اليوم المبارك    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



المفكر الفرنسي جورج باتاي يلغي التخوم بين الأدب والفلسفة
نشر في صوت البلد يوم 02 - 03 - 2020

"الأدب والشر" عنوان مغوٍ، وغامض، باعث على تساؤلات شتى، اختاره الكاتب والمفكر الفرنسي جورج باتاي (1897 - 1962) ليطرح من خلاله تأملاته عن التقاطعات الباطنية بين مفهوم الشر والإبداع، معتبرًا أن الثورة هي عنصر أساسي لدراسته كلها، و أنها الجوهر الحقيقي للكتاب من أجل وضوح الوعي. وصدرت حديثًا ترجمة عربية للكتاب انجزتها رانية خلّاف عن داري الأزمنة والفراشة. فالأدب هو نوع من أنواع الاتصال، الذي لا يتسم دائمًا بالبراءة. يقول: "أعتقد أن الشر- الشكل الخطر للشر- الذي يعبر عنه الأدب، يُمثل قيمة رئيسية بالنسبة إلينا، ولكن هذا المفهوم لا يستبعد الناحية الأخلاقية بل على العكس يتطلب أخلاقية مفرطة، لقد أردت أن أبرهن أن الأدب هو عودة للطفولة".
وفي مقدمتها للكتاب ترى المترجمة والشاعرة رانية خلاف أن هذا الكتاب قد مثل لها تحديًا خاصًّا، حيث تقول: "لم تكن عملية الترجمة يسيرة مطلقًا. كان عليّ الخوض في متاهات ومصطلحات جديدة... كانت تجربة ممتعة بسبب مشقتها، مغوية بفضل تعددها".
امرأة واحدة، هي الكاتبة إيميلي برونتي، وجدت مع: بودلير، ويليم بليك، ميشليه، كافكا، بروست، ساد، وجينيه. واختيار برونتي فقط لتكون ضمن قائمة كتاب "الأدب والشر" يستحق التوقف عنده، إذ يعتبر باتاي أن برونتي من بين كل النساء تحمل لعنة مميزة، جعلتها تعيش بائسة على مدى حياتها القصيرة التي انتهت حين بلغت الثلاثين من عمرها. برونتي كان عليها أن تمر بخبرة عميقة لسبر غور الشر كي تحافظ على نقائها الأخلاقي سليمًا، لذا كانت حياتها قائمة على الخيال والحلم، ولديها معرفة معذبة بالعشق وطرحتها بكل تجرد في روايتها "مرتفعات ويذيرينغ" من خلال بطلها "هيثكليف" وقصة حبه المعقدة لكاثرين. فالموت الذي ربط بين المحبين هو المعاناة المصاحبة للحب الخالص. باتاي يرى أن هذه الرواية تطرح مسألة الشر في علاقته بالعاطفة، وكأن الشر هو أكثر الوسائل قوة في فضح العاطفة حيث الشر وصل في رواية برونتي إلى شكله الأمثل، حيث السادية هي تجسيد للشر، كذلك الارتباط الحميمي بين خرق القانون الأخلاقي والأخلاقية المفرطة هو المعنى النهائي لرواية "مرتفعات ويذيرينغ". ولا يغيب عن الكاتب الربط بين شخصية إيميلي الحقيقية وشخصية بطلتها كاترين التي لم تتمكن من الشفاء من حبها لهيثكليف، إنها شخصية أخلاقية بشكل مطلق لدرجة أنها تموت لكونها لم تتمكن من الابتعاد عن الرجل الذي أحبته.
جان جينيه
في زمن لاحق، وعند كاتب مثل جان جينيه يبدو الالتزام بالشر الأسمى مرتبطًا بالتأكيد بالالتزام بالخير الأسمى، لذا اختار جينيه أن يكتشف الشر كما اختار آخرون أن يكتشفوا الخير، منح نفسه للشر واختار أن يتصرف بشكل سيء وحينما أدرك أن الجريمة الأسوأ ليست أن ترتكب شرورًا فحسب، ولكن أن تعلن عن ارتكابها، لذا كتب في السجن مبرراته التي دعته لممارسة الشر. تبدو حياة جان جينيه القاسية حافلة بمبررات للاحتفاء بالشر. يتوقف باتاي مطولاً عند دراسة سارتر حول جان جينيه ويرى أن سارتر حمل الكثير من التعاطف العميق مع جينيه مبررًا بأنه كان يبحث عن كينونة لوجوده، حيث الحياة والموت، الواقعي والمتخيل، الماضي والمستقبل، المرتفع والخفيض.
لا يتمثل الشر عند الكاتب والفيلسوف الفرنسي جوليس ميشليه في ذاك الفعل الذي يقوم على استغلال الأقوياء لنفوذهم للتحكم بالضعفاء بل إنه يمضي في اتجاه معاكس أي ضد مصالحنا الخاصة، إنه الشر الناجم عن رغبة جياشة في بلوغ الحرية.
مضى ميشليه في اتجاه معاكس للقيم التي يؤمن بها علماء اللاهوت، دافع عن الساحرة معتبرًا أنها استنساخ للمعاناة الإنسانية، يقول باتاي: "لقد كان ميشليه منقاداً بنشوة الشر مسحورًا بها... لقد آمن بأن تقدم الحقيقة والعدالة والعودة إلى قانون الطبيعة هي أمور حتمية".
عند اقتراب باتاي من عالم بودلير، يتوقف بطبيعة الحال عند قصائده "أزهار الشر"، معتبرًا أن إنكار الخير في شعر بودلير هو بشكل أساسي إنكار ليقينه بأولوية المستقبل، وفي الوقت ذاته "ينطوي التأكيد على الخير على عنصر النضج الذي نظم تعامل بودلير مع الإروتيكية".
أما الشاعر الإنجليزي ويليام بليك فقد استطاع بعبارات بسيطة قاطعة ومن خلال عالمه الذي احتفى بالعزلة أن يخفض من قدر الإنسانية ويلخصها في الشعر، ومن ثم يلخص الشعر في الشر. رأى باتاي في بليك أن كتاباته ولوحاته فيها غموض مدهش "إنها تدهشنا بعدم اكتراثها بالقوانين العامة، هناك شيء ما منحرف وأصم ينتهك حدود الآخر". تبنى بليك صخب التناقضات واضطراب الموت، وهذا ملموس في قصائده كأن يقول في قصيدة النمر ما يعبر عن رد فعله إزاء الرعب: "في عربات ذهبية مستعرة وعجلاتها الحمراء تنقط دماء/ تمدد النمور أجسادها في استرخاء على الضحية وتمتص المياه الحمراء".
تبدو صورة الماركي دو ساد عند جورج باتاي منذ السطور الأولى، شخصية مميزة وشريرة، يبدو مقطبًا مثل عملاق مروع ومهيب. إن أعمال كما حياة ساد متصلة بالأحداث التاريخية، ولكن بأكثر السبل الممكنة غرابة. كان لاقتحام سجن الباستيل في يوليو (تموز) 1798 دور في حياة ساد، بعد أن سجن فيه مدة عشر سنوات وكان واحدًا من أكثر الرجال تمردًا وغضبًا، كان وحشًا مهووسًا بفكرة الحرية المستحيلة. لكن اقتحام السجن لم يؤد سوى إلى تأجيل إطلاق سراحه مدة تسعة أشهر بسبب اكتشاف علاقته مع المتمردين ومساندتهم. ارتبط ساد بفكرة التدمير الذاتي والعدم والموت حتى أنه كتب في وصيته التعليمات المتعلقة بقبره والتفاصيل التي ينبغي أن يكون عليها القبر. عاش ساد حياته مهووسًا بطرح السؤال عن فكرة الخير والشر وطرح نفسه كمجدف حينًا، وكرجل ورع في حين آخر، لنقرأ كلماته: "هل لك أن تخبرني ما هو الخير وما هو الشر؟ هه تريد أن تحلل قوانين الطبيعة وقلبك، قلبك حين حفرت تلك القوانين فوقه، إن قلبك هو نفسه أمر ملغز لا يمكن أن تقوم بتفسيره".
في المقابل يرى باتاي أن بروست كان أكثر قدرة من ساد، فقد كان متشوقًا للحصول على لذته، وهكذا "فقد ترك للرذيلة لونها البغيض- إدانة الفضيلة... لم يعرف بروست أبدًا بهجة الشعور الأخلاقي الذي يمنح أفعالنا الآثمة تلك النكهة الإجرامية والتي من دونها ستبدو طبيعية... إن الأشرار وحدهم يعرفون الفوائد المادية للشر".
أما كتابات كافكا فإنها تكشف عن سلوك طفولي تمامًا، إذ كلما قرر أن يعبر عن أفكاره في يومياته أو في مذكراته المتنوعة صنع فخًّا في كل كلمة. كتب كافكا: "لو أنني أخفيت إحدى خصوصياتي سينتهي بي الحال إلى كراهية ذاتي أو مصيري، وسأعتبر نفسي شريرًا أو ملعونًا".
يبدو هذا الكتاب المرجعي، الفاتن والملهم على تماس مع الفلسفة بالتوازي مع الأدب، إن بلورة رؤية مختلفة لمفهوم الشر وطرق تجليه في الأدب هو الشغل الشاغل لجورج باتاي، يقدم تحليلاته النفسية والذهنية لكل كاتب مثلت فكرة الشر محورًا بالنسبة إليه سواء في الحياة الواقعية الحسية أو الأدبية، وتجلت على الورق في تبني آراء قد تبدو مناقضة لمسيرته اليومية، كما نجد مثلاً مع إيميلي برونتي. لا ينشغل باتاي في تقديم تأريخ معين لكل كاتب أو سرد متسلسل لمراحله الإبداعية، بل يقفز مباشرة إلى جوهر الفكرة التي يود الاستدلال عليها، من هنا ينبغي على القارئ الشغوف القيام برحلات معرفية أخرى لاكتشاف ما يود معرفته عن أحد الكتاب المذكورين في "الأدب والشر"، أو من جانب آخر للقيام بالمقارنة أو رفض ما جاء به باتاي من تحليلات تتوغل في سراديب حياة كل مبدع اختاره ليجسد أنموذجًا عن الأدب في علاقته مع الشر، ومع الثورة أيضًا.
"الأدب والشر" عنوان مغوٍ، وغامض، باعث على تساؤلات شتى، اختاره الكاتب والمفكر الفرنسي جورج باتاي (1897 - 1962) ليطرح من خلاله تأملاته عن التقاطعات الباطنية بين مفهوم الشر والإبداع، معتبرًا أن الثورة هي عنصر أساسي لدراسته كلها، و أنها الجوهر الحقيقي للكتاب من أجل وضوح الوعي. وصدرت حديثًا ترجمة عربية للكتاب انجزتها رانية خلّاف عن داري الأزمنة والفراشة. فالأدب هو نوع من أنواع الاتصال، الذي لا يتسم دائمًا بالبراءة. يقول: "أعتقد أن الشر- الشكل الخطر للشر- الذي يعبر عنه الأدب، يُمثل قيمة رئيسية بالنسبة إلينا، ولكن هذا المفهوم لا يستبعد الناحية الأخلاقية بل على العكس يتطلب أخلاقية مفرطة، لقد أردت أن أبرهن أن الأدب هو عودة للطفولة".
وفي مقدمتها للكتاب ترى المترجمة والشاعرة رانية خلاف أن هذا الكتاب قد مثل لها تحديًا خاصًّا، حيث تقول: "لم تكن عملية الترجمة يسيرة مطلقًا. كان عليّ الخوض في متاهات ومصطلحات جديدة... كانت تجربة ممتعة بسبب مشقتها، مغوية بفضل تعددها".
امرأة واحدة، هي الكاتبة إيميلي برونتي، وجدت مع: بودلير، ويليم بليك، ميشليه، كافكا، بروست، ساد، وجينيه. واختيار برونتي فقط لتكون ضمن قائمة كتاب "الأدب والشر" يستحق التوقف عنده، إذ يعتبر باتاي أن برونتي من بين كل النساء تحمل لعنة مميزة، جعلتها تعيش بائسة على مدى حياتها القصيرة التي انتهت حين بلغت الثلاثين من عمرها. برونتي كان عليها أن تمر بخبرة عميقة لسبر غور الشر كي تحافظ على نقائها الأخلاقي سليمًا، لذا كانت حياتها قائمة على الخيال والحلم، ولديها معرفة معذبة بالعشق وطرحتها بكل تجرد في روايتها "مرتفعات ويذيرينغ" من خلال بطلها "هيثكليف" وقصة حبه المعقدة لكاثرين. فالموت الذي ربط بين المحبين هو المعاناة المصاحبة للحب الخالص. باتاي يرى أن هذه الرواية تطرح مسألة الشر في علاقته بالعاطفة، وكأن الشر هو أكثر الوسائل قوة في فضح العاطفة حيث الشر وصل في رواية برونتي إلى شكله الأمثل، حيث السادية هي تجسيد للشر، كذلك الارتباط الحميمي بين خرق القانون الأخلاقي والأخلاقية المفرطة هو المعنى النهائي لرواية "مرتفعات ويذيرينغ". ولا يغيب عن الكاتب الربط بين شخصية إيميلي الحقيقية وشخصية بطلتها كاترين التي لم تتمكن من الشفاء من حبها لهيثكليف، إنها شخصية أخلاقية بشكل مطلق لدرجة أنها تموت لكونها لم تتمكن من الابتعاد عن الرجل الذي أحبته.
جان جينيه
في زمن لاحق، وعند كاتب مثل جان جينيه يبدو الالتزام بالشر الأسمى مرتبطًا بالتأكيد بالالتزام بالخير الأسمى، لذا اختار جينيه أن يكتشف الشر كما اختار آخرون أن يكتشفوا الخير، منح نفسه للشر واختار أن يتصرف بشكل سيء وحينما أدرك أن الجريمة الأسوأ ليست أن ترتكب شرورًا فحسب، ولكن أن تعلن عن ارتكابها، لذا كتب في السجن مبرراته التي دعته لممارسة الشر. تبدو حياة جان جينيه القاسية حافلة بمبررات للاحتفاء بالشر. يتوقف باتاي مطولاً عند دراسة سارتر حول جان جينيه ويرى أن سارتر حمل الكثير من التعاطف العميق مع جينيه مبررًا بأنه كان يبحث عن كينونة لوجوده، حيث الحياة والموت، الواقعي والمتخيل، الماضي والمستقبل، المرتفع والخفيض.
لا يتمثل الشر عند الكاتب والفيلسوف الفرنسي جوليس ميشليه في ذاك الفعل الذي يقوم على استغلال الأقوياء لنفوذهم للتحكم بالضعفاء بل إنه يمضي في اتجاه معاكس أي ضد مصالحنا الخاصة، إنه الشر الناجم عن رغبة جياشة في بلوغ الحرية.
مضى ميشليه في اتجاه معاكس للقيم التي يؤمن بها علماء اللاهوت، دافع عن الساحرة معتبرًا أنها استنساخ للمعاناة الإنسانية، يقول باتاي: "لقد كان ميشليه منقاداً بنشوة الشر مسحورًا بها... لقد آمن بأن تقدم الحقيقة والعدالة والعودة إلى قانون الطبيعة هي أمور حتمية".
عند اقتراب باتاي من عالم بودلير، يتوقف بطبيعة الحال عند قصائده "أزهار الشر"، معتبرًا أن إنكار الخير في شعر بودلير هو بشكل أساسي إنكار ليقينه بأولوية المستقبل، وفي الوقت ذاته "ينطوي التأكيد على الخير على عنصر النضج الذي نظم تعامل بودلير مع الإروتيكية".
أما الشاعر الإنجليزي ويليام بليك فقد استطاع بعبارات بسيطة قاطعة ومن خلال عالمه الذي احتفى بالعزلة أن يخفض من قدر الإنسانية ويلخصها في الشعر، ومن ثم يلخص الشعر في الشر. رأى باتاي في بليك أن كتاباته ولوحاته فيها غموض مدهش "إنها تدهشنا بعدم اكتراثها بالقوانين العامة، هناك شيء ما منحرف وأصم ينتهك حدود الآخر". تبنى بليك صخب التناقضات واضطراب الموت، وهذا ملموس في قصائده كأن يقول في قصيدة النمر ما يعبر عن رد فعله إزاء الرعب: "في عربات ذهبية مستعرة وعجلاتها الحمراء تنقط دماء/ تمدد النمور أجسادها في استرخاء على الضحية وتمتص المياه الحمراء".
تبدو صورة الماركي دو ساد عند جورج باتاي منذ السطور الأولى، شخصية مميزة وشريرة، يبدو مقطبًا مثل عملاق مروع ومهيب. إن أعمال كما حياة ساد متصلة بالأحداث التاريخية، ولكن بأكثر السبل الممكنة غرابة. كان لاقتحام سجن الباستيل في يوليو (تموز) 1798 دور في حياة ساد، بعد أن سجن فيه مدة عشر سنوات وكان واحدًا من أكثر الرجال تمردًا وغضبًا، كان وحشًا مهووسًا بفكرة الحرية المستحيلة. لكن اقتحام السجن لم يؤد سوى إلى تأجيل إطلاق سراحه مدة تسعة أشهر بسبب اكتشاف علاقته مع المتمردين ومساندتهم. ارتبط ساد بفكرة التدمير الذاتي والعدم والموت حتى أنه كتب في وصيته التعليمات المتعلقة بقبره والتفاصيل التي ينبغي أن يكون عليها القبر. عاش ساد حياته مهووسًا بطرح السؤال عن فكرة الخير والشر وطرح نفسه كمجدف حينًا، وكرجل ورع في حين آخر، لنقرأ كلماته: "هل لك أن تخبرني ما هو الخير وما هو الشر؟ هه تريد أن تحلل قوانين الطبيعة وقلبك، قلبك حين حفرت تلك القوانين فوقه، إن قلبك هو نفسه أمر ملغز لا يمكن أن تقوم بتفسيره".
في المقابل يرى باتاي أن بروست كان أكثر قدرة من ساد، فقد كان متشوقًا للحصول على لذته، وهكذا "فقد ترك للرذيلة لونها البغيض- إدانة الفضيلة... لم يعرف بروست أبدًا بهجة الشعور الأخلاقي الذي يمنح أفعالنا الآثمة تلك النكهة الإجرامية والتي من دونها ستبدو طبيعية... إن الأشرار وحدهم يعرفون الفوائد المادية للشر".
أما كتابات كافكا فإنها تكشف عن سلوك طفولي تمامًا، إذ كلما قرر أن يعبر عن أفكاره في يومياته أو في مذكراته المتنوعة صنع فخًّا في كل كلمة. كتب كافكا: "لو أنني أخفيت إحدى خصوصياتي سينتهي بي الحال إلى كراهية ذاتي أو مصيري، وسأعتبر نفسي شريرًا أو ملعونًا".
يبدو هذا الكتاب المرجعي، الفاتن والملهم على تماس مع الفلسفة بالتوازي مع الأدب، إن بلورة رؤية مختلفة لمفهوم الشر وطرق تجليه في الأدب هو الشغل الشاغل لجورج باتاي، يقدم تحليلاته النفسية والذهنية لكل كاتب مثلت فكرة الشر محورًا بالنسبة إليه سواء في الحياة الواقعية الحسية أو الأدبية، وتجلت على الورق في تبني آراء قد تبدو مناقضة لمسيرته اليومية، كما نجد مثلاً مع إيميلي برونتي. لا ينشغل باتاي في تقديم تأريخ معين لكل كاتب أو سرد متسلسل لمراحله الإبداعية، بل يقفز مباشرة إلى جوهر الفكرة التي يود الاستدلال عليها، من هنا ينبغي على القارئ الشغوف القيام برحلات معرفية أخرى لاكتشاف ما يود معرفته عن أحد الكتاب المذكورين في "الأدب والشر"، أو من جانب آخر للقيام بالمقارنة أو رفض ما جاء به باتاي من تحليلات تتوغل في سراديب حياة كل مبدع اختاره ليجسد أنموذجًا عن الأدب في علاقته مع الشر، ومع الثورة أيضًا.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.