تحتفل مصر بالذكرى ال69 لثورة 23 يوليو 1952، تلك الثورة التي أحدثت تغييرًا جذريًا في تاريخ مصر الحديث، لتضع حدًا للحكم الملكي، حيث بدأت معها فترة الجمهورية وإعلان إقامة دولة قوية يحميها جيشًا وطنيًا، وقد توحد الشعب مع الجيش لتقوم الثورة على الظلم والاستبداد، وتنطلق مصر نحو الاستقلال التام واستعادة زمام الأمور ليصبح الوطن حقًا لكل المصريين. وكانت حرب 1948 التي أدت إلى احتلال فلسطين، دافعًا لظهور تنظيم الضباط الأحرار في الجيش المصري بقيادة جمال عبد الناصر، بعدما لمسوه من فساد أدى للهزيمة في تلك الحرب، وفي 23 يوليو 1952 نجح الضباط الأحرار في السيطرة على زمام الأمور، وأذاع الرئيس الراحل محمد أنور السادات البيان الأول للثورة، وأجبرت الثورة الملك فاروق علي التنازل عن العرش لولي عهده الأمير أحمد فؤاد ومغادرة البلاد في 26 يوليو 1952. وقد أدار مجلس قيادة الثورة المشكل من 13 ضابطًا، برئاسة اللواء محمد نجيب، شئون البلاد، وفي 18 يونيو 1953 أُلغيت الملكية وأعلنت الجمهورية في مصر، حيث قامت الثورة على عدة مبادئ بلورت أهدافها للتأسيس لحقبة جديدة في تاريخ مصر، يكون فيها الحكم للمصريين، وتكون العدالة الاجتماعية هي جوهر هذا الحكم، وهذه المبادىء هي القضاء على كل من: (الاستعمار الإقطاع سيطرة رأس المال على الحكم)، كما قادت الثورة لإقامة عدالة اجتماعية وحياة ديمقراطية سليمة يحميها جيشًا وطنيًا قويًا. وكان الواقع المصري قبل ثورة يوليو 1952 قد ساده العديد من الأوضاع التي كانت بمثابة قوة دافعة لقيام الثورة والتمهيد لها بما حملته من عوامل السخط وعدم الرضى والقلق والبعد عن الاستقرار، وقد نجحت الثورة بالفعل في أن تؤتي ثمارها المرجوة، وأن تخرج منها الثورة بإنجازات باهرة سُجلت في صفحات التاريخ. وبدأت الثورة بإلغاء دستور عام 1923، وحددت في بيانها الصادر في 16 يناير 1953 فترة انتقالية مدتها ثلاث سنوات حتى تتمكن من إقامة حكم ديمقراطي دستوري سليم، كما قامت بحل جميع الأحزاب السياسية في 17 يناير 1953، وتم إنشاء " هيئة التحرير" التى أُعلن عن قيامها في 23 يوليو 1953 كأول تنظيم سياسي أقامته الثورة بهدف تحقيق المصالح والأهداف القومية للشعب وشعاره "إجلاء المستعمر عن كل شبر من أرض مصر"، وفي 16 يناير 1956 أعلن الرئيس جمال عبد الناصر الدستور الجديد للبلاد، الذي أقر عروبة مصر كما أقر النظام الجمهوري، ووكل إلى مجلس الأمة ترشيح رئيس الجمهورية على أن يعرض الترشيح مع الدستور على الأمة لاستفتائهم فيهما، كذلك نص الدستور على أن يؤلف المواطنون اتحادًا قوميًا للعمل على تحقيق الأهداف التي قامت من أجلها الثورة، وفي 23 يونيو 1956 تم الاستفتاء على الدستور وانتخاب رئيس الجمهورية، وأسفرت النتيجة عن الموافقة على الدستور وعلى إجماع الشعب على اختيار الرئيس جمال عبد الناصر رئيسًا للجمهورية، ومع جلاء المستعمر الإنجليزي وانسحاب آخر جندي عام 1956 تم إلغاء " هيئة التحرير" وأنشئ تنظيم جديد هو الاتحاد القومي على اعتبار أنه يجمع قوى الشعب ومختلف طبقاته. أهداف الثورة وكان أول أهداف الثورة هو التخلص من الاستعمار، حيث حققت الثورة هذا الهدف بأن وجهت أول ضرباتها ضد أعوان الاستعمار وعلى رأسهم الملك، حيث بدأت فور قيامها بعزله عن الحكم، ثم ألغت النظام الملكى وأعلنت النظام الجمهوري في 18 يونيو 1953، وما ترتب على ذلك من بدء عصر جديد يحكم فيه ابن من أبناء مصر، كما قامت الثورة أيضاً بالقضاء على مزايا الأسرة الحاكمة وأعوان الديوان؛ فتمت مصادرة أموال الملك السابق فاروق في سبتمبر 1953 من قصور عديدة وما فيها لتصبح كلها ملكاً للأمة. كما نجحت الثورة في تحقيق الاستقلال الوطني لمصر عندما انتزعت من الإنجليز جلاء قواتهم عن مصر، وتم توقيع اتفاقية الجلاء بين مصر وبريطانيا في 19 أكتوبر 1954، وبمقتضاها أخذ الانجليز يجلون عن مواقعهم في القنال حتى غادر آخر فوج من قواتهم أرض مصر يوم 13 يونيو 1956، وفي يوم 18 يونيو عام 1956، رفع الرئيس جمال عبد الناصر العلم المصري على مبنى البحرية في بورسعيد وهو آخر مبنى رحلت عنه قوات الاحتلال ليصبح يوم 18 يونيو هو عيد الجمهورية وعيد الجلاء، لتحقق الثورة بذلك أول أهدافها. ومن الأهداف الرئيسية لثورة 23 يوليو هو إقامة جيش وطني قوي، وفى سبيل ذلك حُددت مهمة القوات المسلحة وهي حماية الوطن ضد أي اعتداء خارجي وأن تكون بمثابة القوة الرادعة في أى مكان من الأمة العربية برًا وبحرًا وجوًا، وأن تتميز بالقدرة على الحركة السريعة وتملك الأسلحة الرادعة، وأن تساير التطور العلمي، حيث بدأت أولى خطوات بناء جيش قوي؛ بكسر احتكار السلاح عام 1955، وذلك بعقد صفقة أسلحة مع تشيكوسلوفاكيا ثم مع الاتحاد السوفيتي، وبدأت عملية تنظيم الجيش وتزويده بالأسلحة الحديثة، وشمل التطوير أيضًا إنشاء وحدات حديثة خاصة مثل وحدات المظلات، والصاعقة، وإدارة الحرب الكيمائية، وتحديث وسائل الاتصال مع الارتقاء بمستوى التدريب، وإنشاء مدارس إعداد الفنيين العسكريين والكلية الفنية العسكرية، والمدرسة الثانوية الجوية، والدراسات العسكرية العليا لتأهيل الضباط المتخصصين في مجالات العمل العسكري، كما تم إنشاء المصانع الحربية لمد القوات المسلحة بما تحتاجه من ذخائر، وبرز الاهتمام بنظم التدريب وإرسال البعثات العسكرية إلى الخارج، واتبعت مصر سياسة تدريب العسكريين العرب والأفارقة في المعاهد والكليات العسكرية المصرية، كما تم تدعيم الدور المدني للقوات المسلحة في تقديم خدمات وأنشطة مدنية. وبادرت ثورة 23 يوليو بالقضاء على الإقطاع الذي سيطر على الغالبية العظمى من فلاحي مصر، وذلك عن طريق تحديد الملكية الزراعية، والذي تم بمقتضى قانون الإصلاح الزراعي الذي صدر في 9 سبتمبر 1952، وذلك بهدف إعادة توزيع الملكية للأراضي الزراعية، وتحديد العلاقة بين المستأجر ومالك الأرض، ورفع مستوى معيشة العمال الزراعيين والعمل على زيادة إنتاجية الأراضي وتحرير الفلاح من استغلال الإقطاع، حيث شهدت الفترة من عام 1952 إلى عام 1961 إعادة تكوين المجتمع الزراعي فى مصر، بمنع تحكم كبار الملاك، وتحرير قوى الإنتاج الزراعي، وإنشاء تعاونيات الانتاج، وتحديث أسلوب السياسة الزراعية، وإنشاء نقابات العمال الزراعيين. ونجحت الثورة أيضًا في تحقيق التحرر الاقتصادي وكسر الاحتكار والخروج من سيطرة رأس المال على الحكم، وتنظيم الاقتصاد القومي المصري وفقًا لخطط موضوعة بدقة، وذلك من خلال خطوة هامة وهي التأميم، التي بدأت بتأميم شركة قناة السويس عام 1956 كشركة مساهمة مصرية، وفي عام 1957 أصدرت حكومة الثورة قرارات التأميم، وشمل ذلك البنوك وشركات التأمين ووكالات الاستيراد، وفي فبراير 1960 أممت الثورة البنك الأهلي وبنك مصر، ثم قامت بحركة تأميم كبرى في يوليو عام 1961، وقد أدت هذه السياسة إلى تحرير العمال ورفع مستواهم وإعطائهم نسبة من أرباح الشركات. وقد وجهت ثورة يوليو جهودها لدعم الفقراء ومحدودي الدخل، حيث تمثل ذلك في قوانين الضمان الاجتماعي، والتأمين الصحي، والعلاج المجاني، وإصلاح قوانين العمل لحماية الطبقة العاملة من استغلال أصحاب العمل وضمان مستوى معيشي أفضل، فصدر القانون الوزاري رقم 65 لسنة 1952 والخاص بتحديد الحد الأدنى لأجور عمال الزراعة، وذلك بقصد تحسين أحوالهم الاجتماعية والاقتصادية، كما صدر القانون رقم 318 لسنة 1952 بشأن تنظيم عملية التوفيق والتحكيم فيما يقوم بين العمال وأصحاب الأعمال من منازعات ومشكلات تخص العمل وتتعلق به، وقد حرص هذا القانون على إصدار حقوق العمال كاملة وبما يحفظ كرامتهم، ثم صدر بعد ذلك القانون رقم 319 لعام 1952 وهو أول قانون يصدر في مجال العمل النقابي في عهد الثورة، وقد اشتمل هذا القانون على الكثير من المزايا والحقوق النقابية التي أتاحت للنشاط النقابي لأول مرة في مصر العمل في حرية، وبنهاية عام 1956 تكونت 52 نقابة ضمت حوالى الثلاثين ألف عامل. وبكل ماسبق تؤكد ثورة 23 يوليو، أنها كانت الانطلاقة الحقيقية لإحداث العديد من الإنجازات على كافة الأصعدة داخليًا وخارجيًا، لتمنح المصريين تغييرًا نحو الديمقراطية وإعلاء مبادىء الاستقلال والحرية والعدالة الاجتماعية. أيمن مصطفى شارك هذا الموضوع: * اضغط للمشاركة على تويتر (فتح في نافذة جديدة) * انقر للمشاركة على فيسبوك (فتح في نافذة جديدة)