الأمانة ليست خلقا عابرا يتزين به في المواسم، ولا لفظا جميلا يقال في الخطب، بل هي جوهر الإنسان، وميزان صدقه مع الله ومع الناس. هي أن يطابق القول الفعل، وأن يخرج الكلام من القلب نظيفا فلا يلوثه هوى، ولا تحركه مصلحة، ولا تفسده رغبة في الوقيعة أو الشهرة. وقد عظم القرآن الكريم شأن الأمانة تعظيما يليق بخطورتها، فقال الحق سبحانه "إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ" وكأن الإنسان لم يفضل بالعقل وحده، بل ابتلي به، واختبر في قدرته على حفظ ما استودعه الله عنده من قول وفعل ونية. وسدنا النبي صلى الله عليه وسلم جعل الأمانة عنوان الإيمان، فقال في وضوح لا لبس فيه "لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لِمن لا عهد له".فمن خان الكلمة خان العهد، ومن خان العهد هدم جسر الثقة بينه وبين الناس، وبينه وبين رب الناس.وأمانة القول أن يكون اللسان مرآة للحق، لا سكينا في ظهر الغائبين، ولا بريدا للشائعات. قال تعالى "مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ". فكل كلمة محسوبة، وكل همسة مسجلة، وإن ظن صاحبها أنها تذهب مع الهواء.وأمانة الفعل أن يترجم الكلام إلى سلوك، وأن لا يكون الإنسان خطيبا بلسانه، مفلسا في عمله. وقد كان من تراث السلف أنهم كانوا يقولون "كنا نتعلم الأمانة قبل العلم، ونتعلم الصمت قبل الكلام"، لأن الصمت حينها كان أصدق من كلام لا يتقى الله فيه. أما "أمانة المجالس"، فهي تاج الأخلاق وامتحان النفوس. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"المجالس بالأمانة" فما يقال في المجالس أمانة في الأعناق، لا يباح نشره، ولا يجوز اقتطاعه من سياقه، ولا تحويله إلى مادة للوشاية أو التشهير. وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول "من كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر سقطه قل حياؤه". وفي زمن صار فيه الهاتف المحمول شاهدا لا ينام، ومخبرا لا يتعب، انزلقت الأمانة من بين الأصابع، وتحولت المجالس إلى تسجيلات، والخواطر إلى منشورات، والخصوصيات إلى مادة للعرض والتداول. خيانة المجالس اليوم لم تعد همسا في أذن، بل منشورا يشعل نار الفتنة، أو مقطعا مبتورا يوقع بين الناس، ويهدم بيوتا، ويقطع أرحاما. ومواقع التواصل – على سعتها – صارت بابا واسعا للخيانة حين غابت الرقابة، وضعفت التقوى، فصار البعض ينقل الكلام دون تثبت، ويؤول النوايا، ويصنع من الظن يقينا، ومن الشائعة حقيقة. وقد حذرنا القرآن من ذلك فقال "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا" لكن العجلة غلبت، والرغبة في السبق قتلت الأمانة. الأمانة اليوم ليست فقط ألا تسرق مالا، بل ألا تسرق معنى، ولا تقتل سمعة، ولا تنقل حديثا أُريد به الإصلاح فتحوله إلى وقيعة. هي أن تغلق هاتفك حين يجب، وأن تحفظ ما رأيت وسمعت كما تحفظ مال اليتيم. #في_النهاية_بقى_أن_اقول؛ستبقى الأمانة هي الفارق الحقيقي بين إنسان يمر في الحياة، وإنسان يترك أثرا. هي التي ترفع الأمم، وتحفظ البيوت، وتصلح القلوب. ومن ضيع الأمانة، ولو تحت لافتة الحرية أو التعبير، فقد فتح على نفسه بابا من الخسارة لا يغلقه إلا الصدق.. والرجوع إلى الله.