في قضية سد النهضة ..نادية هنري تطالب بالانسحاب من إعلان المبادئ..ومجدي ملك : نثق في السيسي .. ووزير الخارجية فشل في إدارة الملف    حسني مبارك يتحدث عن ذكرياته في حرب أكتوبر.. الفيديو الكامل    "مرزوق" يُكلف رؤساء المدن وشركات المياه والكهرباء بالاستعداد للأمطار    بدء المرحلة الثانية لتنسيق المدن الجامعية بجامعة الأزهر.. الأحد    البابا تواضروس يزور مقر البرلمان الأوروبي    «الشارع لنا».. مظاهرات إقليم كتالونيا تتواصل لليوم الثاني    منتخب الجزائر يسحق كولومبيا 0/3 وديا    إصابة مودريتش تزيد الشكوك حول مشاركته أمام مايوركا    بيريز يخطط لخطف نجم باريس سان جيرمان    الأرصاد: أمطار على 3 مناطق تصل حد السيول (بيان رسمي)    ضبط 400 كيلو دقيق بلدى قبل تهريبه للسوق السوداء بأبشواى    خلال المؤتمر العالمي لهيئات الافتاء..المشاركون : الخطاب الديني يواجه تحديات كبيرة    بدء استقبال أفلام مسابقة الطلبة بمهرجان الإسكندرية للفيلم القصير    شيرين عبد الوهاب تفجر مفاجأة وتقرر اعتزال السوشيال ميديا وغلق حساباتها .. شاهد    "المرأة المصرية تحت المظلة الإفريقية" ببيت ثقافة القصير    معتز عبد الفتاح يكشف تسريبات الاتصال الأخير بين ترامب وأردوغان.. فيديو    أبرز أعمال الفنان السعودي بكر شدي    صحة جنوب سيناء تنظم قوافل طبية مجانية إلى وديان مدينة أبوزنيمة    إسرائيل تشدد الرقابة على هاكر روسي قبل تسليمه لواشنطن    فيديو| إسبانيا إلى «يورو 2020» بعد خطف تعادلا قاتلا من السويد    البرازيل وكوريا الجنوبية .. مباراة ودية علي الأراضي الإماراتية الشهر المقبل    تصفيات يورو 2020.. سويسرا تفوز على أيرلندا بثنائية نظيفة    محافظ المنوفية يفتتح تجديدات مسجد الشهيد أنيس نصر البمبى بقرية بشتامي| صور    رئيس مؤسسة التمويل الدولية يشيد بنجاح برنامج الإصلاح الاقتصادي في مصر    مصطفى وزيري عن كشف العساسيف: «العالم هيتجنن منذ الإعلان عنه»    فيديو.. إحباط تهريب 7 ملايين عبوة مكملات غذائية ومليوني قرص أدوية ومنشطات بالإسكندرية    «الصحة» تكشف حقيقة رصد حالات التهاب سحائي في الإسكندرية    "الصحة" تؤكد عدم رصد أي حالات مصابة بالالتهاب السحائي بين تلاميذ الإسكندرية    بالصور| حلا شيحة وبسمة بوسيل في عيادة ابنة أصالة    وزارة المالية تنفي فرض ضريبة جديدة على السجائر أو المشروبات الغازية    خاص ميزان حمدي فتحي الذي لم يختل    وزير الأوقاف يطلع نظيره الغيني على تجربة إدارة واستثمار الوقف    هبوط أسعار النفط بفعل خفض توقعات النمو    أبومازن مرشح فتح الوحيد للرئاسة    الاتحاد الأوروبي يفشل في فتح محادثات العضوية مع تيرانيا وسكوبي    تحية العلم.. برلماني يطالب بترسيخ مبادئ الانتماء في المدارس    عمل من المنزل ب تمويل مجاني وتأمين صحي.. كل ما تريد معرفته عن مبادرة «هي فوري»    انطلاق التفاوض المباشر بين الحكومة السودانية والحركات المسلحة غدا    فريد واصل: أحكام المواريث لا يجوز فيها التغيير في أي زمان أو مكان    وزير الدفاع: قادرون على حماية الأمن القومي المصري وتأمين حدود الدولة    إصابة سائق اصطدم بسور خرساني أعلى الطريق الدائري    حققوا 6 ميداليات.. وزير الرياضة يشيد ببعثة مصر في بطولة العالم للإعاقات الذهنية    خبز البيستو الشهي    خطة لتوصيل الغاز الطبيعي ل300 ألف عميل منزلي    القبض على تاجر ب 223 ألف كيس مقرمشات غير صالحة للاستهلاك بدمنهور    الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية : فخورون بدعم التنمية الحضرية في مصر.. صور    الإفتاء: ترجمة معاني القرآن الكريم بِلُغَةِ الإشارة جائزة شرعًا    رئيسة النواب البحريني: نقف مع السعودية في مواجهة الاعتداءات الإرهابية    "ريلمي" تستعد لإطلاق Realme 5 pro بالسوق المصري    مخاطر الإدمان والايدز أولي فعاليات الأسبوع البيئي بطب بيطري المنوفية    ارتفاع حصيلة ضحايا الإعصار هاجيبيس في اليابان إلى 73 قتيلا    "ميناء دمياط" تستعرض تيسير إجراءات الإفراج الجمركي عن البضائع    سقوط نصاب التعيينات الحكومية بسوهاج في قبضة الأمن    هل جراحة المياه البيضاء خطيرة وما هي التقنيات المستخدمة بها؟.. تعرف على التفاصيل    هل يجوز للشخص كتابة ثروته للجمعيات الخيرية دون الأقارب؟ الإفتاء ترد    وزير الأوقاف: علينا أن نتخلص من نظريات فقه الجماعات المتطرفة بأيدولوجياتها النفعية الضيقة    إعلان جبران باسيل زيارة سوريا يثير ضجة في لبنان    هديه صلى الله عليه وسلم فى علاج الصرع    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





الهجرة الغير شرعية في الوطن العربي
نشر في الزمان المصري يوم 14 - 04 - 2014


تقرير : الدكتور عادل عامر
إن قضية الهجرة غير الشرعية باتت من أهم القضايا التي تؤرق المجتمع الدولي والدول التي تمثل مصدرا للمهاجرين وكذلك الدول التي تستقبلهم ومن الجدير بالذكر أن ثمة ارتباط وثيق سوف يظهر في الأيام المقبلة بين الأزمة المالية العالمية وقضية الهجرة غير الشرعية ؛إذ أن تلك الأزمة سوف تدفع بالملايين من الشباب إلى قوائم العاطلين ليزداد عددهم في الدول النامية ،ومن ثم سوف يبحث هؤلاء الشباب عن أي مخرج لهم مهما كلفهم هذا المخرج من ثمن وأحد أهم الحلول المرشحة أمامهم هي الهجرة التي يعمد إليها اليائسين الباحثين عن فرصة عمل.
إن الهجرة غير الشرعية بغض النظر عن أسبابها ودوافعها المختلفة تعكس عدم المساواة واختلال العدالة في النظام الدولي وتركيباته، وذلك بسبب تفاوت مستوى الحياة بين دول الشمال الغني ودول الجنوب الفقير. وتقع المسؤولية بدرجة أساسية على الدول المتقدمة، التي تمنع الهجرة الشرعية وتفرض قيودا وقوانين صارمة تحت زعم حماية مصالحها واقتصادها وأمنها، كما تتحمل الدولة الطاردة مسؤولية كبرى بسبب أنظمتها السياسية والاجتماعية وانعدام تكافؤ الفرص وعدم توفير العمل والحد الأدنى من الحياة الحرّة الكريمة. وبسبب هذه الظروف تضطر فئات من السكان، ولا سيّما من الشباب المُعدم بمن فيهم خريجو الجامعات غير الحاصلين على العمل إلى الهجرة وركوب الخطر، والتجاوز على القوانين لتحقيق الحلم الموعود حتى وإن تحول إلى كابوس! تتسم الهجرات الحالية بدوافع متنوّعة وأسباب مختلفة للانتقال إلى البلدان المتقدمة أو الغنية مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي أو دول الخليج وبعض دول المشرق العربي وحتى بعض دول أميركا اللاتينية مثل الأرجنتين وفنزويلا والمكسيك، وكلها تمثل بلدانا جاذبة للهجرة من دول مجاورة فقيرة. ولاشك أن الهجرة إلى أوروبا أصبحت تثير قلق كثير من البلدان الأوروبية ليس لأن هذه البلدان غير راغبة في تقديم المساعدة، بل لأن تقديم المساعدة في حد ذاته مسؤولية كبرى ويحتاج إلى توفير الإمكانات، خاصة مع استمرار مد المهاجرين، وكانت الفكرة في الماضي هي أن تقدم الدول الغنية مساعدات إلى الدول الفقيرة لمساعدتها في تقديم البرامج التي توفر الوظائف والخدمات لمواطنيها، ولكن يبدو أن الكثير من هؤلاء المواطنين لم يعودوا قادرين على الصبر وهم يريدون اختصار الوقت والمسافات بالسفر مباشرة إلى الدول الغنية، وذلك ما يجعلنا نتوقف لرسم صورة حقيقية لما يحدث. هذه الظاهرة ظاهرة عالمية موجودة في جميع دول العالم يبحث فيها المهاجر عن وضع أفضل اقتصاديا واجتماعيا في البلدان التي يهاجر إليها. ولكن تكمن خطورة هذه الهجرة في طرقها الخطيرة الفجائعية. شباب يمتطون البحر بقوارب غير قادرة على العبور من الضفة الجنوبية إلى الضفة الشمالية ليكون مآلهم الغرق. هكذا تتحول هذه القوارب من قوارب نجاة وعبور إلى الأحلام إلى «قوارب موت».لعل تلك الأخبار المأساوية التي تُطالعنا بها المحطات التليفزيونية ووكالات الأخبار العالمية هى نقطة في بحر مما حدث من كوارث بسبب الهجرة ،وآخرها جثث المهاجرين الذين قضوا غرقا قُبالة سواحل لامبيدوزا الإيطالية ووصل عددهم في هذه المأساة الى 213 شخصا.. فما بالك لو تضمنت عقدا من السنوات. تقول كثير من الدول الأوروبية إن هناك زيادة ملحوظة في عدد المهاجرين، ولم تعد الهجرة مقتصرة على العناصر التقليدية بل بدأت كثير من الجنسيات الجديدة تدخل على الخط، وقد بدأت الجهات الأوروبية تحدد جنسيات السوريين والمصريين والفلسطينيين والشباب من شمال أفريقيا، ومن شباب القارة جنوب الصحراء، والذين كانوا يتوجهون في الماضي إلى الولايات المتحدة مباشرة.
ويقوم معظم هؤلاء المهاجرين بمغامرات تتسم عادة بالخطورة، وقد قالت إيطاليا إنها قامت أخيرا بإنقاذ أربعمئة مهاجر كانوا متوجهين بالزوارق إلى سواحلها، والغريب أن معظم المهاجرين يقومون بمثل تلك المغامرات الخطرة هربا من الجوع دون خشية من الموت .وقد أدى هذا الوضع بزعماء الاتحاد الأوروبي إلى عقد جلسة خاصة لبحث موضوع الهجرة غير الشرعية إلى بلدانهم.ظاهرة الهجرة غير الشرعية ظاهرة تفشت في المجتمعات العربية بل في مجتمعات العالم الثالث بأكمله، هذه المجتمعات التي تعيش صعوبات جمّة في مجال التنمية الاقتصادية والاجتماعية… وعلى الرغم من الآثار الوخيمة للهجرة غير الشرعية، سواء الموت غرقا أو السجن فى البلدان الأوروبية، إلا أن هناك إقبالا كبيرا على تلك الهجرة، حيث يقدر عدد المهاجرين إلى دول أوروبا خلال السنوات العشر الماضية بنحو 25 مليون مهاجر، 65% منهم وصلوا إلى الأراضى الأوروبية بطريقة غير مشروعة. وأفادت شبكة منظمات غير حكومية في باريس أن 17 الف مهاجر قضوا على مدى عشرين عاماً فيما كانوا يحاولون بلوغ أوروبا. وتواجه دول أوروبية عدة بينها إيطاليا تزايد تدفق المهاجرين إليها. ويشكو هذا البلد على غرار اليونان ومالطا وقبرص من عدم تضامن شركائه الأوروبيين معه. ونادرًا ما يتم إدراج الهجرة فى الاستراتيجيات الإنمائية للبلدان، على الرغم من النطاق الواسع الذى تجرى فيه الهجرة المحلية والدولية، وتهدف شراكة المعارف العالمية للهجرة والتنمية التيأعلن عنها البنك الدولى والوكالة السويسرية للتنمية والتعاون إلى تعبئة قوة العقول العالمية لتمكين البلدان المضيفة وبلدان المنشأ والعمال المغتربين من جنى المنافع الكاملة للهجرة. وتعني الهجرة في علم الاجتماع تبدل الحالة الاجتماعية، سواء بتبدل الموطن أو الوضع الاجتماعي أو المهنة أو غير ذلك، أما حسب علم السكان "الديموغرافيا" فالهجرة تعني الانتقال من موقع إلى آخر بحثا عن وضع أفضل اجتماعيا أو اقتصاديا أو سياسيا أو دينيا أو غير ذلك، سواء على المستوى الفردي أو على المستوى الجماعي.
ومن الناحية القانونية فالهجرة السرية أو غير الشرعية أو غير القانونية التي هي ظاهرة عالمية، تعني الانتقال من بلد إلى آخر عبر وسائل غير نظامية أو غير قانونية أو غير شرعية للوصول إلى المكان الذي يريد المهاجرون غير الشرعيين أن يصلوا إليه وتحت ضغط أوضاع قاسية. وإذا كانت الهجرات سابقا قد قضت على حضارات قديمة، فإنها سعت للسيطرة على سكان البلاد الأصليين. هناك عدّة أنواع من المهاجرين غير الشرعيين، فمنهم من اجتاز الحدود ودخل البلاد التي قصدها بطريقة غير قانونية دون إعلان عن وجوده وتحديد وضعه القانوني.
أما النوع الثاني فإنه قد يكون دخل البلاد المستقبِلة بطريقة شرعية، لكنه تجاوز مدة إقامته ومكث فيها خارج الأنظمة المعمول بها والنافذة، وبالتالي أصبح غير قانوني أو غير شرعي. أما الفريق الثالث فهم من يعمل بصورة غير قانونية في مدّة إقامته المسموح بها، وهناك مجموعة رابعة، وهي التي تعمل في أعمال غير منصوص عليها في عقود العمل المبرمة معها. وفي تقرير صدر عن الأمم المتحدة تناول أسباب الهجرة الجماعية غير المنظمة أفاد بإزدياد أعداد الشباب في بلدان "العالم الثالث" وتضاؤل وتدهور فرص العمل وأوضاعه، لا سيما بانتشار البطالة واستشراء الفقر، ناهيكم عن اتساع الهوة بين بلدان الشمال الغني وبلدان الجنوب الفقير. يضاف إلى ذلك ازدياد وتعمق الوعي بحدّة الفوارق، الأمر الذي يجعل "الهجرة" أحد الخيارات "الاضطرارية" للخلاص من الوضع غير الإنساني الذي تعيشه فئات واسعة من السكان محرومة في الغالب من فرص العيش الكريم، وبموارد لا تزيد عن دولارين في اليوم أو أقل من ذلك، يضاف إلى ذلك أيضا شح فرص التعليم وانتشار الأمية والجهل وتدني الخدمات الصحية وتفشي الأمراض وغير ذلك. وبفعل العولمة والتقدم الحاصل في مجال الاتصالات والمواصلات الدولية، أصبح السفر متاحا رغم تقلص منافذ الهجرة، مما يجعل من الهجرة غير الشرعية إحدى الظواهر الخطيرة التي يعاني منها المجتمع الدولي. وحسب منظمة العمل الدولية تقدر حجم الهجرة السرية ما بين 10 و15% من عدد المهاجرين فى العالم، والبالغ عددهم – حسب التقديرات الأخيرة للأمم المتحدة – نحو 180 مليون شخص. ووفقا لتقرير منظمة الهجرة الدولية، فإن حجم الهجرة غير القانونية إلى الاتحاد الأوروبى قد وصل لنحو 15 مليون فرد. وقد وضع العديد من الاتفاقيات الدولية من جملة أهدافها حماية العمال المهاجرين، مثلما هي الاتفاقية الدولية للعام 1949 (الداخلة حيّز التنفيذ عام 1952) التي عالجت موضوع الهجرة، والاتفاقية الدولية بشأن العمال المهاجرين للعام 1975 (الداخلة حيّز التنفيذ عام 1978) التي تناولت موضوع الهجرة غير المشروعة، والاتفاقية الدولية للعام 1958 بشأن التمييز في الاستخدام والمهنة (الداخلة حيّز التنفيذ في العام 1960). وقد ركّزت هذه الاتفاقية على المساواة وتكافؤ الفرص ومنع التمييز في المعاملة سواء في الاستخدام أو المهنة، وللأسف فإن الغالبية الساحقة من الدول العربية لم توقع على هذه الاتفاقيات الدولية أو لم تصدق عليها في حالة التوقيع. يضاف إلى هذه الاتفاقيات الدولية، اتفاقيات منظمة العمل الدولية، وكذلك الاتفاقيات الدولية لحماية حقوق العمال المهاجرين وأفراد أسرهم مثلما هي اتفاقية الأمم المتحدة للعام 1990 (التي دخلت حيّز التنفيذ في العام 2003)، ولعل أهمية هذه الاتفاقية تأتي من كونها استندت على مرجعية دولية خاصة بالشرعية الدولية لحقوق الإنسان.
وتشير التقارير الدولية إلى أن الهجرة تنتشر بشكل خاص بين شباب الوطن العربى ممن تتراوح أعمارهم بين 12 و24 عاما لا يجدون عملا لائقا فى أوطانهم ويتعرضون لمضايقات وقيود، وهو ما أكدته تقارير الأمم المتحدة، ومنها تقرير "التنمية والجيل القادم".ومما لا شك فيه أن عمليات تهريب المهاجرين وراغبى السفر بالطرق غير الشرعية أصبحت تشكل نوعا جديدا من أنواع الجريمة المنظمة التى اكتسبت أهمية خاصة فى الآونة الأخيرة، حيث انتهزت مافيا "التسفير" الفرصة لممارسة الاتجار بالبشر. فحسب تقارير الأمم المتحدة، تحاول المنظمات الإجرامية تهريب مليون شخص سنويا بإجمالى أرباح تبلغ نحو 4 مليارات دولار سنويا.
القضاء على ظاهرة الهجرة:
يمكن القول إن القضاء على ظاهرة الهجرة غير الشرعية سيكون من الصعوبة بمكان، إذا لم يتم القضاء على كل الظروف التى تتسبب فيها. فاتخاذ خطوات للحد من البطالة، والحد من أوجه القصور التى تنال من التنمية، بما يقلل الفجوة التنموية بين دول طرفى الشراكة الأورو – متوسطية، هما السبيل الوحيد للتعاطى الجدى مع المشكلة، الأمر الذى يدعونا إلى القول إنه يتعين على الاتحاد الأوروبى أن ينتهج استراتيجيات خاصة بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية فى دول الجنوب، عبر الدعم المالى والتقنى من أجل توفير فرص عمل ودخول مناسبة للشباب فى هذه الدول. ولكى يكون التعاطى المستقبلى مع ظاهرة الهجرة غير الشرعية على أسس قوية وعلمية، فلابد من السير وفق إجراء تقييم عام لدوافع ونتائج الهجرة وأوضاع المهاجرين فى الخارج بصفة عامة. ومحاولة وضع استراتيجية لمعالجة قضايا الهجرة والمهاجرين، ومنها تعظيم العوائد الإيجابية لتلك الظاهرة، ومعالجة سلبياتها وطرق وآليات الاستفادة من الوجود المهجرى العربى فى دعم برامج التنمية العربية. ومعالجة الآثار والتداعيات السلبية لهذه الهجرة على بلادنا العربية، ودعم التجمعات العربية المقيمة فى الخارج بهدف تمكينها من الحفاظ على حقوقها فى المهجر، وتيسير تفاعلها مع المجتمعات الخارجية بما يحافظ على هويتها الثقافية.
ويعتبر عامل القرب الجغرافي من العوامل المساعدة على الهجرة وهو الذي يفسر هجرة المكسيكيين إلى أمريكا والأندونسيين إلى ماليزيا ،ودول الشمال الإفريقي إلى دول جنوب أوروبا.المحطات التاريخية في تاريخ الهجرة غير الشرعية :- من الممكن القول بأن القرن المنصرم هو قرن الهجرات بامتياز ومن الواضح أن كل عمليات الهجرة التي تمت من الجنوب إلى الشمال خلال العقود الثلاثة الأخيرة من القرن الماضي كانت تتحدد وفقا لحاجة المجتمعات الشمالية وكانت تتم وفق شروط أوروبية صارمة ،ولتلك الظاهرة محطات تاريخية يمكن الوقوف عليها :- مراحل الهجرة في الحوض المتوسطي :-اتسمت تلك المراحل بتسجيل تدفق كبير واسع لأنواع الهجرة من الجنوب ،وثمة ثلاث محطات زمنية متداخلة قبل 1985م وكانت سمات تلك المرحلة أن الدول الأوروبية كانت بحاجة إلى مزيد من العمالة من دول الجنوب ،كانت متحكمة في حركة تدفق المهاجرين ،وأهم ما تتسم به تلك المرحلة أن المهاجر الجنوبي فهم قواعد اللعبة في دول الشمال وبدأ يبلور خطابات حقوقية له داخل المجتمع المستقبل. ومن ثم كانت تلك عوامل محفزة لمزيد من المهاجرين والذين استفادوا إلى حد كبير من غفلة الأنظمة الأمنية الأوروبية في هذه المرحلة. ومن 1985- 1995م :-تميزت تلك المرحلة ببداية ظهور تناقضات بين المهاجرين الشرعيين ومزاحمتهم لأبناء البلد الأصليين ،تزامن ذلك مع إغلاق مناجم الفحم في كل من فرنسا وبلجيكا التي كانت تستوعب أغلب المهاجرين وقتذاك في المقابل تزايدت رغبة أبناء الجنوب في الهجرة تجاه الشمال ما أدى إلى إغلاق الحدود ،في هذه المرحلة تبدو مفارقة تتمثل في الاتفاقيات الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة عام 1990م لحماية حقوق العمال ،فهذه الاتفاقية لم تحظ بأي قبول من أية دولة أوروبية وهذا يدل على الرغبة الأوروبية في التعامل مع هذا المعطى الجديد من منظور جديد حتى لو كان ذلك التعامل على حساب الحقوق التي تضمنها المواثيق الدولية التي تكفل الحق في التنقل.والمرحلة الأخيرة من 1995م حتى الآن :- هذه المرحلة اتسمت بالطابع الأمني الصارم ؛إذ عمدت الدول الأوروبية إلى نهج سياسة أمنية صارمة بخصوص التجمع العائلي وأبرمت اتفاقيات مع دول الجنوب حول ترحيل المهاجرين غير الشرعيين. تجاه هذه السياسة " سياسة الأبواب الموصدة " كرد فعل لها بدأ ما يعرف بالهجرة غير الشرعية أو السرية بدون وجه قانوني.
هذه الهجرة عبر البحر المتوسط بطريقة سرية احتلت مساحة واسعة من اهتمام وسائل الإعلام من خلال تقارير وتحقيقات سواء كانت مكتوبة أوسمعية بصرية لتنتقل هذه الظاهرة إلى السينما وتصبح موضوعا إبداعيا وهذا ما فعلته المخرجة الشابة ليلى الشايبي في فيلمها الوثائقي القصير (26 دقيقة) المعنون «حرقة» تناولت فيه ظاهرة الهجرة السرية انطلاقا من واقعة حقيقية وهي غرق قارب فيه مجموعة من الشباب حاولوا التسلل إلى الضفة الأخرى من المتوسط. أسئلة كثيرة طرحتها المخرجة في هذا الفيلم المفزع الذي رصدت فيه شهادات حية تتراوح بين حديث أهالي الغارقين وبين حديث الشباب العازم على محاولة العبور إلى الضفة الأخرى من المتوسط مهما كانت التكاليف ولو كانت حياته. ظاهرة الهجرة السرية لم تقتصر على الإعلام والسينما فقط بل أصبحت مبحثا أكاديميا يدرس بالجامعات. في تونس أصدر الدكتور مهدي مبروك بحثا أكاديميا عن هذه الظاهرة في كتاب باللغة الفرنسية تحت عنوان «أشرعة وملح» يقول هذا الباحث في علم الاجتماع المتخصص في قضايا الشباب عن ظاهرة الهجرة السرية لجريدة «الصحافة»: «أسباب الهجرة السرية تظل عموما هي نفس أسباب الهجرة القانونية وأهمها الفقر والبطالة وغياب مشاريع حياة توطن أحلام المهاجرين في بلدانهم ولكن ربما يوجد سبب خاص بالهجرة السرية وهوانسداد الحدود بفعل السياسات الزجرية التي تتبعها الدول فيما يخص إسناد التأشيرات فأنت تعلم ان هذه الظاهرة اندلعت بشكل لافت في بداية التسعينات اي حينما فرضت ايطاليا على مواطني المغرب العربي التأشيرات. اعتقد ان هذا العامل القانوني المحض غذى ادفاق الهجرة السرية وكان له المفعول العكسي انه لم يكبح الرغبات بل هيجها أكثر».
وعلى الرغم من هذه المواقف فإن كثيرا من الدول الأوروبية وفي مقدمها إيطاليا تبذل جهودا كبيرة من أجل توفير الأمان للمسافرين بالزوارق، وقامت السفن الإيطالية باعتراض زوارق تحمل نحو ثمانمئة مهاجر كانوا في الطريق إلى شواطئها، ولا يكون انقاذ المهاجرين ناجحا في جميع الأحوال فقد توفي غرقا في الآونة الأخيرة نحو أربعمئة شخص أغلبهم من الأرتريين والسوريين قبالة شواطىء ‘لامبيدوزا'.
وعلى الرغم من انخفاض الهجرة من المغرب إلى إسبانيا ربما بسبب حالة الكساد الاقتصادي الذي يضربها، فإن المغرب ما زال يعتبر من نقاط العبور المهمة إلى القارة الأوروبية، إذ يقصده كثير من راغبي الهجرة من دول أفريقية مختلفة ليخوضوا مغامرة الركوب على زوارق الموت من أجل الوصول إلى القارة الأوروبية. ولم يقتصر دور المغرب على وقف هجرة أبنائه إلى أوروبا بل هو يعمل جاهدا من أجل اعتراض الزوارق المحملة بالسنغاليين المتوجهين إلى شواطىء القارة الأوروبية. كثير من الدول العربية التي تنتقل الهجرة منها إلى القارة الأوروبية إنه يصعب عليها أن تقوم بمراقبة عملية الهجرة بشكل كامل لأنها تقدم في بعض الأحيان خدمات إنسانية للمهاجرين في داخلها ثم يتجه بعد ذلك هؤلاء المهاجرون إلى بلدان أخرى دون علمها. ويرى كثير من المهتمين بقضايا الهجرة غير الشرعية إن معالجتها لا تكمن فقط في وقفها، بل في منع الأسباب التي تؤدي إليها، لأن معظم المهاجرين لا يتوجهون إلى البلاد الأجنبية من أجل التنزه بل لأنهم يعانون ظروفا إنسانية صعبة في بلادهم والسبيل الوحيد لوقف هجرتهم إلى البلاد الأجنبية لا يكمن فقط في مراقبتهم بل في توفير الحياة الكريمة لهم في بلادهم من خلال برامج التنمية والضمان الاجتماعي. إن معظم الهجرة غير الشرعية التي تتم عبر ميناء الإسكندرية يقوم بها سوريون وفلسطينيون دخلوا البلاد بطريقة غير شرعية . قتل ما لا يقل عن خمسين مهاجرا بينهم عشرة اطفال اثر غرق مركب جديد بين مالطا ولامبيدوزا، فيما انقذ خفر السواحل الإيطالي حوالي 150 شخصا أخرا خفر السواحل الإيطالي أكد أن سفنية للشحن و زورقا تابعا لقوات البحرية شاركا في عمليات الإنقاذ التي بدأت بعد ساعات من إطلاق إشارة استغاثة من قاربين مطاطيين. انه تم انتشال اكثر من عشرة جثث لقتلى اثر غرق مركب للمهاجرين قبالة سواحل مدينة الاسكندرية، كان على متنه عشرات الأشخاص الذين غادروا مصر بشكل غير شرعي. تواجه السواحل الإيطالية وخاصة في لامبيدوزا مشكلة توافد المهاجرين غير الشرعيين والتي تتفاقم بشكل غير مسبوق.أعلنت المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، الجمعة، أن اكثر من 800 سوري بينهم أطفال أوقفوا في مصر منذ أغسطس الماضي، بينما كانوا يحاولون مغادرة البلاد بصورة غير قانونية. وقالت المتحدثة باسم المفوضية، مليسا فليمينغ، في مؤتمر صحفي إن "المفوضية العليا للاجئين تلاحظ بقلق أن أكثر من 800 سوري اعتقلوا منذ أغسطس في مصر لأنهم حاولوا مغادرة البلاد بطريقة غير قانونية".من جهة اخرى، أبعدت مصر منذ أغسطس 144 سوريا منهم 44 طفلا إلى بلدان أخرى في المنطقة، كما أضافت. وعن هؤلاء السوريين الموقوفين، قالت المتحدثة "إن 589 منهم بينهم نساء و84 طفلا ما زالوا في التوقيف الاداري، على رغم أنه لم توجه إليهم أي تهمة". وطلبت المفوضية العليا للاجئين حتى الآن من السلطات المصرية أن تتمكن من زيارة هؤلاء الأشخاص الموقوفين لتحديد هوياتهم والتحقق من ظروف اعتقالهم وتقديم مساعدة قانونية لهم. ويسكن ما بين 250 إلى 300 الف سوري مصر في الوقت الراهن، كما تفيد إحصاءات الحكومة التي تستخدمها المفوضية. وتسجل حوالى 123 ألفا منهم لدى هذه الوكالة الدولية.
ويصعب تحديد حجم الهجرة غير الشرعية نظرا لطبيعة هذه الظاهرة ولكون وضع المهاجر السري يشمل أصنافا متباينة من المهاجرين فمنهم: الأشخاص الذين يدخلون بطريقة غير قانونية إلى دول الاستقبال ولا يسوون وضعهم القانوني الأشخاص الذين يدخلون دول الاستقبال بطريقة قانونية ويمكثون هناك بعد انقضاء مدة الإقامة القانونية. الأشخاص الذين يشتغلون بطريقة غير قانونية خلال إقامة مسموح بها. الأشخاص الذين يشغلون منصبا دون المنصوص عليه في عقد العمل. ولعل هذا يشرح كيف أن التقديرات التي تقدمها هذه الجهة أو تلك تظل متضاربة، فمنظمة العمل الدولية تقدر حجم الهجرة السرية ما بين 10- 15% من عدد المهاجرين في العالم البالغ حسب التقديرات الأخيرة للأمم المتحدة حوالي 180 مليون شخص. وحسب منظمة الهجرة الدولية فإن حجم الهجرة غير القانونية في دول الاتحاد الأوروبي يصل نحو 1.5 مليون فرد. وفي أوروبا على سبيل المثال فإن الشرطة الأوروبية (EUROPOL) تقدر أعداد المهاجرين غير الشرعيين في دول الاتحاد الأوروبي بحوالي نصف مليون مهاجر. ويجدر التذكير أن هذا النوع من الهجرة ليس حديث العهد، فقد كان متواجدا في أوروبا في الستينات وكان أصل هؤلاء المهاجرين من إسبانيا والبرتغال والمغرب العربي. تاريخ الهجرة غير الشرعيةاللافت للنظر أيضا أن العقود الثلاثة الأخيرة من القرن الماضي شكلت مرحلة حاسمة في رسم معالم جديدة للهجرة في حوض المتوسط، تميزت بتسجيل تدفق واسع لأنواع الهجرة من الجنوب، وهو ما يمكن تقسيمه إلى ثلاث محطات زمنية مترابطة ومتداخلة وهي: المرحلة الأولى (قبل 1985): وخلال هده المرحلة كانت الدول الأوروبية لا تزال بحاجة ماسة إلى مزيد من العمالة القادمة من الجنوب, كما أن الدول الأوروبية نفسها كانت متحكمة في حركة تدفق المهاجرين من الجنوب عبر قنوات التجمع العائلي. وأهم ما ميز هذه المرحلة أن المهاجر الجنوبي تمكن من فهم قواعد اللعبة في دول الشمال وصار يطالب بحق دخول أبنائه المدارس الحكومية وبداية بلورة الخطابات الحقوقية للمهاجر. كل هذه العناصر بدت بالنسبة للمهاجرين "القادمين" في دول الجنوب محفزة لهم للالتحاق بنظرائهم, ويبدو أن الكثير منهم استفاد من غفلة الأنظمة الأمنية الأوروبية في هذه المرحلة بالذات. المرحلة الثانية (1985-1995): تميزت هذه المرحلة ببداية ظهور التناقضات المرتبطة بالمهاجرين الشرعيين ومزاحمتهم أبناء البلد الأصليين، وقد تزامن هذا الفعل مع إغلاق مناجم الفحم في كل من فرنسا وبلجيكا التي كانت تستوعب آنذاك اكبر عدد من المهاجرين الشرعيين. وفي مقابل هذا الوضع الاحترازي تزايدت رغبة أبناء الجنوب في الهجرة تجاه دول الشمال ما أدى إلى إغلاق الحدود. ففي 19 يونيو/حزيران 1995 ومع دخول "اتفاقية شنغن" الموقعة بين كل من فرنسا وألمانيا ولكسمبورغ وهولندا حيز التنفيذ تم السماح بموجبها بحرية تنقل الأشخاص المنتمين إلى الفضاء الأوروبي. لكن مع دخول كل من إسبانيا والبرتغال إلى هذا الفضاء اتخذت قضية الهجرة أبعادا غير متوقعة, لاسيما بعد لجوء سلطات مدريد إلى فرض مزيد من الإجراءات الاحترازية أمام أي عملية هجرة جديدة، وذلك في محاولة لمنح مواطنيها مزيدا من الاندماج في الاتحاد الأوروبي. في هذه المرحلة تبرز مفارقة كبيرة تتمثل في الاتفاقيات الدولية الصادرة في العام 1990 المخصصة ل "حماية حقوق العمال المهاجرين وأهاليهم" والتي صادقت عليها تسع دول من الجنوب في العام 1998. ووجه المفارقة هنا هي أن هذه الاتفاقية لم تحظ بقبول أي دولة أوروبية وهو الأمر الذي يفسر الرغبة الأوروبية في التعامل مع هذا المعطى الجديد من منظور جديد ولو تم الأمر على حساب الحقوق التي تضمنها المواثيق الدولية الداعية إلى الحق في التنقل والبحث عن غد أفضل. المرحلة الثالثة (1995-الى الآن): أخذت هذه المرحلة طابعا أمنيا صارما لجأت من خلاله الدول الأوروبية إلى نهج سياسة أمنية صارمة عبر تنفيذ مقررات "القانون الجديد للهجرة" والذي يستند إلى تبني إجراءات صارمة بخصوص مسألة التجمع العائلي، وإبرام اتفاقيات مع دول الجنوب حول ترحيل المهاجرين غير الشرعيين. وكرد فعل تجاه هذه السياسة بدأ ما يعرف الآن بالهجرة غير الشرعية/السرية والتي تحيل على عملية الالتحاق بالديار الأوروبية بدون وجه قانوني. ورغم أن قضية الهجرة غير الشرعية أضحت اليوم قضية تهم كافة الدول المطلة على حوض المتوسط، فإن المغرب وإسبانيا يمثلان البلدين المعنيين أكثر بهذه الهجرة، لا سيما أن المغاربة يشكلون النسبة الأكثر في المهاجرين غير الشرعيين. أسباب الهجرة غير الشرعية لفهم ظاهرة الهجرة غير الشرعية التي أصبحت تقلق بال الحكومات المستقبلة لابد من تقصي أسبابها، والتي يمكن تلخيصها في ثلاثة عوامل رئيسية: العوامل الاقتصادية، العوامل المحفزة وعوامل النداء. العوامل الاقتصادية التباين في المستوى الاقتصادي يتجلى التباين في المستوى الاقتصادي بصورة واضحة بين الدول الطاردة والدول المستقبلة. هذا التباين هو نتيجة لتذبذب وتيرة التنمية في هذه البلاد التي لازالت تعتمد أساسا في اقتصادياتها على الفلاحة والتعدين وهما قطاعان لا يضمنان استقرارا في التنمية نظرا لارتباط الأول بالأمطار والثاني بأحوال السوق الدولية وهو ما له انعكاسات سلبية على مستوى سوق العمل. سوق العمل خلافا لما نجده في دول الاستقبال، فإن النمو الديمغرافي، رغم الوضعية المتقدمة لما يسمى بالانتقال الديمغرافي في الدول الموفدة، لازال مرتفعا نسبيا وهذا له انعكاس على حجم السكان النشيطين وبالتالي على عرض العمل في سوق الشغل. وهكذا فإن البطالة تمس عددا كبيرا من السكان وخاصة منهم الشباب والحاصلين على مؤهلات جامعية. هذا الضغط على سوق العمل يغذي "النزوح إلى الهجرة" خاصة في شكلها غير القانوني. ويشكل التباين في الأجور كذلك عاملا للتحفيز على الهجرة حيث الحد الأدنى للأجور يفوق ب3 إلى 5 مرات المستوى الموجود في دول شمال افريقيا، على أن هذا الحد لا يحترم أحيانا من طرف أرباب العمل. ولكن إذا كانت الظروف الاقتصادية تشكل عوامل أساسية في التحفيز على الهجرة، إلا أن ذلك لا يشرح كيف أن البعض يمر إلى مرحلة التطبيق دون البعض الآخر، هذا يعني أن قرار الهجرة تدفع إليه عوامل أخرى وهي أساسا اجتماعية و نفسية. العوامل المحفزة تتجلى أساسا في ثلاث عوامل: - صورة النجاح الاجتماعي: الذي يظهره المهاجر عند عودته إلى بلده لقضاء العطلة، حيث يتفانى في إبراز مظاهر الغنى: سيارة، هدايا، استثمار في العقار الخ…. وكلها مظاهر تغذيها وسائل الإعلام المرئية. آثار الإعلام المرئي: فالثورة الإعلامية التي يعرفها العالم جعلت السكان حتى الفقراء منهم يستطيعون اقتناء الهوائيات التي تمكنهم من العيش عبر مئات القنوات في عالم سحري يزرع فيهم الرغبة في الهجرة. – القرب الجغرافي: فأوروبا لا تبعد كثيرا عن شواطئ دول شمال إفريقيا , إضافة إلى هذه العوامل الاقتصادية والمحفزة، هناك عوامل أخرى مصدرها دول الاستقبال. عوامل النداء إن حلم الهجرة هو نتاج الممنوع، وهو رد فعل أمام غلق الأبواب أمام الهجرة الشرعية والسياسة التي تبنتها أوروبا في هذا المجال والتي كانت لها آثار عكسية حيث أججت من وتيرة الهجرة السرية وجعلت كلفتها باهظة بالنسبة للمرشح للهجرة. وهكذا أصبحت الهجرة مشروعا مكلفا واستثمارا يقتضي تعبئة مصادر للتمويل من أجل تحقيقه من ديون ومن بيع للأرض والممتلكات… إلخ هذا ما يفسر كيفية إقبال المهاجر غير الشرعي على أي عمل مهما كان مذلا وصعبا لأنه في كل الحالات لا يقبل أن يرجع خاوي الوفاض. وتجدر الإشارة هنا إلى وجود طلب نوعي على العمل في دول الاستقبال، هذا الطلب يستجيب وفقا لمعايير كلفة تشغيل العامل ومرونته في قبول أعمال صعبة حسب احتياجات سوق العمل وغالبا ما تكون هذه الأعمال مؤقتة ومنبوذة اجتماعيا. هذا الطلب يصدر أساسا عن قطاعات كالفلاحة والبناء والخدمات. وتحصل هذه القطاعات على امتيازات مالية واجتماعية بتوظيف هذه اليد العاملة التي تتميز بكونها طيعة وغير مكلفة. ويظل الجزاء القانوني حتى الآن، ورغم القوانين الصادرة للحد من الهجرة غير الشرعية، دون حد رادع لأصحاب العمل عن استغلال هذه اليد العاملة الغير شرعية. وقد أدت جدلية الرفض القانوني والطلب الاقتصادي إلى إنعاش ما يمكن تسميته ب"تجارة الأوهام". وقد تكونت شبكات منظمة في مختلف مناطق مرور المهاجرين السريين لتقدم خدماتها إلى هؤلاء. كل هذه العوامل تغذي الرغبة في الهجرة، وهذا النزوح هو أقوى عند الشباب . لذلك فأن محددات الهجرة كثيرة ومتباينة وأن الإجراءات القانونية لدول الاستقبال لا يمكن أن تكون فاعلة إلا إذا واكبتها إجراءات مصاحبة للتأثير على هذه العوامل في إطار مقاربة شاملة ويلخص العالم الديمغرافي الفرنسي الكبير ألفريد صوفي إشكالية الهجرة بقوله "إما أن ترحل الثروات حيث يوجد البشر وإما أن يرحل البشر حيث توجد الثروات" الهجرة غير الشرعية في مصر أوضح تقرير المنظمة المصرية لحقوق الإنسان لعام 2007 أن إحصائيات الأمن الإيطالية وحدها قد سجلت في الربع الأول من العام الحالي استقبال سواحل كالابريا 14 زورقًا محملة بأكثر من 1500 مهاجر غير شرعي معظمهم من المصريين ، وبلغ إجمالي عدد المهاجرين غير الشرعيين الذين دخلوا ايطاليا عام 2007عن طريق البحر نحو 1419 مهاجراً ، لقي 500 مهاجر مصرعهم في البحر المتوسط حتى الآن مقابل 302 مهاجر فقط خلال عام 2006 بأكمله .وتشير الإحصائيات إلى أن عدد الشباب المصريين الذين تم ترحيلهم من دول جنوب إفريقيا خلال عام 2006 بلغ 6748 شابًا. وتعد محافظة الفيوم أكثر المحافظات المصرية ارتفاعا في نسبة هجرة الشباب لأوروبا، فمن أكثر القرى الفيومية التى اشتهرت بسفر شبابها إلى أوربا قرية )تطون)، حيث تعد الأشهر على مستوى الجمهورية في هجرة الشباب خاصة إيطاليا، حيث يقدر عدد أبنائها فى إيطاليا بحوالي 6 آلاف شاب من 40 ألف نسمة هم إجمالي سكان القرية ، ويقال أن اسم تطون مأخوذ عن اسم أحد شوارع إيطاليا..وتطلق القرية أسماء إيطالية على المحال التجارية بها. وفي ضوء تردي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية ، يشير التقرير إلى وقوع الشباب في دائرة المحظور من خلال اللجوء إلى سماسرة السوق ومكاتب السفريات غير القانونية ووسطاء الهجرة الذين يتقاضون من كل شاب ما يقرب من 30 ألف جنيه للسفر، وتنتشر على الحدود مع ليبيا أو فى بعض محافظات الصعيد عصابات للنصب على الشباب، وتتقاضى منهم مبالغ طائلة بدعوى توفير فرص عمل لهم في ايطاليا أو أوروبا ثم يهربون بهذه الأموال دون أن يحاسبهم أحد…وتنتهي رحلة الشباب إما بالموت أو السجن والترحيل. ونتيجة لعدم توفر الوعي لدى هؤلاء الشباب بمخاطر الهجرة غير الشرعية يلقون حتفهم وهم في طريقهم إلى أحد الموانئ الإيطالية حيث يتم تسفيرهم على متن مراكب قديمة ومتهالكة والنتيجة غرقهم وسط البحر المتوسط وحتى من ينجو منهم ويصل إلى ايطاليا يعتبر مخالفاً للقوانين الإيطالية، ويتم إعادته مرة أخرى إلى أرض الوطن مرحلاً مهاناً إلى بلده مرة أخرى. فالهجرة غير الشرعية أصبحت السوق السوداء للاتجار بالشباب. وهناك طرق عديدة لتهريب المهاجرين غير الشرعيين، منها الطرق البرية عن طريق التسلل إلى ليبيا، حيث يتم تهريب المهاجرين إلى إيطاليا ومالطا وعن طريق الأردن يتم تهريب المهاجرين إلى قبرص واليونان أو تركيا.من الملاحظ أنه يوجد ارتباط وثيق سوف تظهر آثاره تباعا في الأيام القادمة بين الأزمة المالية العالمية وقضية الهجرة الدولية سواء كانت نظامية أو غير نظامية. فالأزمة سوف تدفع بالملايين من الشباب إلي قوائم العاطلين ليزداد العدد العالمي لهم خاصة من الدول النامية، ولا شك أن هؤلاء سوف يبحثون عن أي مخرج لهم، ومن ثم تأتي الهجرة كأحد الحلول أمام اليائسين الذين يبحثون عن فرصة عمل فى أى مكان وبأى ثمن يدفعونه حتى ولو كلفهم الأمر حياتهم.
إذن سوف يشهد ملف الهجرة الدولية تطورات مثيرة في الفترة المقبلة الأمر الذي دعا منتدي شركاء التنمية لعقد جلسة نقاش حول هذا الموضوع الهام تحدث فيه عدد من الخبراء بقضايا الهجرة والتشغيل، حيث قدروا حجم الهجرة الدولية بنحو200 مليون شخص نصفهم مهاجرون من أجل العمل، فيما يشكل الباحثون عن اللجوء السياسي7%، والنسبة المتبقية تشمل عائلات المهاجرين، وبالنسبة لاتجاهات الهجرة نجد أن33% من إجمالي المهاجرين الدوليين ينتقلون من بلدان الجنوب إلي بلدان الشمال و32% ينتقلون من بلدان الجنوب إلي بلدان الجنوب.
الطرد والجذب
توجد عدة عوامل أساسية تسمى عوامل الطرد والجذب تقف وراء ظاهرة الهجرة الدولية بشكل كبير، حيث تشمل عوامل الطرد البطالة والتشغيل المنقوص والفقر في البلدان المرسلة وكذلك نمو السكان وما يرافقه من نمو القوة العاملة. أما عوامل الجذب خاصة في بلدان الشمال الغني فتشمل زيادة الطلب علي العمل في بعض القطاعات والمهن، فأسواق العمل تستورد مهاجرين في ظل عدم قدرة العرض فيها علي تلبية الطلب علي نوعية معينة من العمال، وهناك أيضا عوامل الشيخوخة التي تزحف علي دول الشمال وبالذات في أوروبا الغربية واليابان، كذلك ارتفاع مطرد في معدل الأعمار مما يؤدي لانكماش قوة العمل وزيادة أعداد الخارجين من سوق العمل.ومن عوامل الجذب أيضا صغر حجم قوة العمل فبعض البلدان تضطر لاستقبال عمالة أجنبية لتعويض نقص العرض نتيجة صغر حجم السكان بالمقارنة بالموارد المتاحة وهذا حال دول الخليج بالتحديد. وكذلك عدم رغبة المواطنين في الاشتغال بمهن معينة وهي مهن إما قذرة أو خطرة فسيتم استقبال عمال يقبلون الانخراط فيها.وهناك عوامل أخري مساندة لاتساع نطاق ظاهرة الهجرة تشمل تطور الاتصالات والمواصلات التي أصبحت أكثر يسرا، فمن خلال الاتصالات الحديثة يستطيع المقيمون في الدول الفقيرة معرفة مستويات المعيشة في الدول المتقدمة. أما وسائل المواصلات والتي أصبحت أرخص وأسهل فهي تساعد الأفراد علي الهجرة من سوق إلي سوق، كذلك هناك عامل القرب الجغرافي الذي يفسر مثلا هجرة المكسيكيين إلي أمريكا والاندونيسيين إلي ماليزيا.
ويمكن القول أن السبب الرئيسي للهجرة من الدول النامية وخاصة من دول جنوب المتوسط (مصر ودول المغرب العربي) إلى أوروبا سواء بشكل نظامى أو غير نظامى يكمن في الظروف الاقتصادية في تلك الدول. فكما ورد في المؤتمر الوزاري الثاني 5+5 بشأن الهجرة المنعقد في الرباط في أكتوبر عام 2003 فإن الأسباب الاقتصادية تقف بشكل عام خلف الهجرة، فعلى سبيل المثال يعتبر تحويل المهاجرين لأموالهم أمرا ذا أهمية اقتصادية كبيرة بالنسبة للدول المضيفة ودول المنشأ على حد سواء، فاقتصادات فرنسا وإيطاليا وإسبانيا تعد من بين أول 12 دولة في العالم من حيث تحويل أموال الهجرة إلى بلدان المنشأ. وفي ضوء توقيع اتفاقيات الشراكة الأورو متوسطية وسياسات الجوار، فمن الضروري تعميق الحوار والتشاور بين البلدان المصدرة للعمالة والبلدان المستقبلة لها حول أسباب ودوافع الهجرة وليس فقط من باب القضاء على تيارات الهجرة غير المنظمة، وإنما وفق رؤية شمولية واضحة المعالم تساعد في اتخاذ إجراءات تنموية حقيقية تفتح المجال لشراكة حقيقية تأخذ بعين الاعتبار تشابك المصالح وتبادل المنافع بشكل متوازن بين الطرفين المصري والأوروبي، ويمكن في هذا الإطار الإشارة إلى عدة حقائق، أهمها:
1 تمثل الهجرة إلى الدول المتقدمة من أجل العمل عنصراً هاماً من عناصر التخفيف من حدة البطالة ومكافحة ظاهرة الفقر والتنمية ليس على مستوى مصر فحسب وإنما المنطقة العربية، وعند الحديث عن هجرة الشباب المصري إلى الدول الأوروبية، نجد أننا نتعامل مع جانب هام من جوانب علاقاتنا مع أحد أهم شركائنا وهو الإتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء التي يقيم بها الآلاف من أبنائنا.
2 تمثل الهجرة ظاهرة صحية ومصدراً للإثراء الاقتصادي والاجتماعي والثقافي لمختلف الأطراف، الأمر الذي يتطلب من جانب الحكومة المصرية إدارة جيدة تقوم على تناول الظاهرة من خلال منهج شامل متكامل يعالج كافة أبعادها الاقتصادية والثقافية والاجتماعية والسياسية ومن خلال التصدي لجذورها، بحيث لا يكون التركيز على بعد واحد وهو البعد الأمني، على حساب الأبعاد الأخرى.
3 أهمية وجود سياسات وطنية متجانسة ومتناسقة تأتى نتاجاً لتنسيق كامل بين كافة وزارات وأجهزة الدولة المعنية بموضوع الهجرة، بما يمثل حافزاً لبلورة الرؤية الشاملة لسياسات الهجرة. وفى هذا السياق تأتى أهمية التركيز على قضايا بناء القدرات المؤسسية لتلك الوزارات والأجهزة الوطنية وتنمية مواردها البشرية.
4 تشكل قضية تأهيل العمالة المصرية أهمية خاصة لخدمة أهداف التنمية، وكذلك لجعلها تتوافق مع احتياجات أسواق العمل الخارجية عامة والأوروبية خاصة، ومن الأهمية أن يتعاون الإتحاد الأوروبي في تحقيق هذا الهدف، بما يحقق مصلحة مشتركة للطرفين المصري والأوروبي.
5 تعد قضية التحويلات أحد أهم الأبعاد التنموية للهجرة، حيث تسهم في خدمة التنمية الاقتصادية والاجتماعية لما تمثله من مورد هام للنقد الأجنبي، فإنه من المفيد دراسة أفضل السبل لتعظيم الاستفادة من هذه التحويلات بل وزيادتها واستثمارها في المشروعات الإنمائية وعدم قصرها على الخدمات المباشرة.
6 أهمية البعد الثقافي للهجرة وإسهامها في تعزيز التفاهم والاحترام المتبادل بين الشعوب، الأمر الذي يتطلب تكثيف الحوار بين الجانبيين، ومحاربة التمييز والعنصرية وازدراء الأديان وحماية حقوق المهاجرين وكرامتهم، ومن ثم أهمية وتوظيف الأدوات الإعلامية في تغيير المفاهيم والصور الخاطئة عن المهاجر.
المراجع
1- قسم البحوث والدراسات, ظاهرة الهجرة غير الشرعية, موقع المعرفة ( الجزيرة نت ), URL: http://www.aljazeera.net/NR/exeres/BE43CCFE-4E57-4E48-BFA3-27ABDD68A4C6.htm?NRMODE=published&wbc_purpose=Basic , 11/3/2005 . (طبع في 25/3/2010)
2- قسم البحوث والدراسات, محطات في تاريخ الهجرة غير الشرعية, موقع المعرفة ( الجزيرة نت ), URL: http://www.aljazeera.net/NR/exeres/187E7A4F-CFC9-4D7B-B565-31AB328917FE.htm?NRMODE=published&wbc_purpose=Basic , 11/3/2005 . (طبع في 20/3/2010)
3- محمد الخشاني, أسباب الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا, موقع المعرفة ( الجزيرة نت ), URL: http://www.aljazeera.net/NR/exeres/76655D0A-5D2A-4529-911B-65634470E4B7.htm?NRMODE=published&wbc_purpose=Basic , 11/3/2005 . (طبع في 23/3/2010)
4- , المنظمة المصرية تصدر تقريراً حول الهجرة غير الشرعية "هجرة شباب مصر … فرار إلى المجهول " , موقع المنظمة المصرية لحقوق الإنسان, URL: http://www.eohr.org/ar/press/2007/pr1202.shtml , 2/12/2007 . (طبع في 18/3/2010)


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.