إن الدين عند عامة الناس هو الحق المبين لا يجب المساس به أو الانتقاص منه من جانب أي مخلوق، بينما يعتبره بعض الحكماء والفلاسفة باطلاً ويصيب هؤلاء جنون العظمة فلا يؤمنون إلا بما يعتنقون حتى لو كان خاطئاً ويري الكثير من الحكام الدين مفيداً في توطيد أركان حكمهم حتى لو كان فاسداً تارة بالمتاجرة به أو تزييف مقاصده وجعله سيفاً مسلطاً فوق رقاب الشعوب انطلاقاً من المقولة المكيافلية الشهيرة «الدين أفيون الشعوب» وتارة أخري بجعله وسيلة لإلهاء المجتمع عن فساد السلطة وإدخاله في معارك جانبية لا طائل منها سوي إهدار طاقات الجميع ومنعهم من المشاركة في معركة البناء والتنمية أو مواجهة الفساد متعدد الوجوه الذي تعيشه مجتمعاتنا منذ عقود طويلة ومازالت. الحقيقة أن مصر التي تحلم بعد ثورتين راح ضحيتهما آلاف الشهداء ومازال، تحلم ببناء دولة ديمقراطية حديثة يحكمها الدستور والقانون ويسودها العدل والمساواة، دولة تضع الرجل المناسب في المكان المناسب وتعتمد علي أهل الكفاءة والخبرة وتتقاطع مع الوساطة والرشوة والمحسوبية وكروت التوصية، تحلم بتحويل شعارات الثورة «العيش والحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية» إلي واقع ملموس. ينعم فيها الإنسان أي إنسان بحقوقه الطبيعية من سكن آدمي وتعليم جيد وعلاج مجاني وفرصة عمل مناسبة وفرص للترقي مساوية لمن يملك الكفاءة دون تفرقة بين فئات المجتمع المختلفة، إلا أنها للأسف مازالت تنزف من فساد «معشش» في جميع أركان الدولة ومؤسساتها، فساد أصبح وراثة منذ عقود طويلة ومازال، لدرجة أن الأغلبية العظمي تحولت إلي فاسدين، مازالت تنزف من جراء صراع محتدم علي السلطة ليس من أجل الوطن لكن من أجل مصالح ضيقة لكيانات بعينها ولا يشغلها أن يتحول 90 مليون مصري إلى وقود لمعركة لا ناقة لهم فيها ولا جمل سوي أنهم يحلمون بحياة أفضل ووطن أفضل وهو الأمر الذي مازال بعيد المنال. نجحنا خلال ثورتين في إسقاط نظامين لكن للأسف اكتشفنا أننا لم نسقط شيئاً سوي الوهم، فقد حصل نظام مبارك ورموزه علي براءة في كل التهم التي توجهت لهما وكأن الشعب هو المذنب والفاسد، وبقيت أذرع نظام مبارك وفساده كما هي ولم يقترب منها أحد بل زاد توحشها بهدم الانتقام من الوطن والشعب معا بعدما ظنوا يوماً أنهم يمكن أن يقضوا عليهم، ليأتي تجول علاء وجمال مبارك نجلا الرئيس المخلوع في ميدان الثورة «التحرير» ليعلنا خطراً حقيقياً تعيشه الثورة المصرية توشك معه علي الانتهاء، وفي نفس الوقت مازالت جماعات العنف والتطرف تمارس أعمالها الإرهابية الإجرامية بتوحش شديد دون أمل في القضاء عليها قريباً، خاصة أنها تحظي بدعم دولي ومخابراتي ضد الدولة المصرية من أكثر من 5 دول لا تريد الخير لمصر منها: أمريكا وتركيا وقطر، لتستمر معاناتنا من تحويل أبنائنا إلي أشلاء، لدرجة أصبحنا معها نتنفس رائحة الدماء في كل مكان. ورغم ذلك الوضع المتأزم وقبل ما ننتهي من معركة مواجهة التطرف باسم الدين لنفاجأ بمعركة التطرف باسم الحرية وكلاهما خطر لو تعلمون عظيم، وكلاهما طرف لمخطط واحد مشبوه ومسموم مغرضة تفتيت الدولة الوطنية وإشاعة الانقسام والفرقة بين أبنائها، بدعوة شريف الشوباشي الكاتب المغمور بمظاهرة مليونية لخلع الحجاب لا تعكس إلا سوء النوايا وغياب الفهم والأدب معاً، وإثارة لقضايا حسمت في المجتمع منذ قرون طويلة، والسخيف أن تشتعل تلك المعركة في بلد إسلامي بحجم مصر في الوقت الذي يقر القضاء الألماني بحرية المسلمات في ارتداء الحجاب نجد من يدعون الحداثة في بلادنا يدعون أن ملايين المصريات «مسلمات ومسيحيات» اللاتي يرتدين الحجاب مجبرات علي ذلك، رغم أنها أمور محسومة دينياً وأيضاً جزء راسخ من عادات وتقاليد المجتمع المصري العميقة سواء في الصعيد أو الوجه البحري، ثم اختيار ميدان التحرير تحديداً وهو رمز الثورة المصرية لإطلاق تلك المظاهرة لإشعال الفتنة وسحب الرمزية الوطنية من ذلك الميدان مما يزيد من ثقتنا بأن المخطط مشبوه ولم تكن تطلق اعتباطاً دون أن يحصل علي توجيه وكيله في باريس وعواصم غربية معروفة، ليزيد الطين بلة بإعلانه أن 90% من العاهرات محجبات وهو أمر سخيف، فالشوباشي أو غيره لا يملكون إحصاء دقيقاً بالعاهرات في مصر وإلا يقولون من أين جاءوا به، أم أن الشوباشي صديق جميع عاهرات مصر ويعرفهن بالاسم فأطلق تلك الإحصائية التي تعبر عن فراغ عقلي وإهانة بالغة للمرأة المصرية وتاريخها الوطني والنضالي العظيم، لكن للأسف كيف نواجه هذا التطرف متعدد الاتجاهات بينما لدينا وزير ثقافة يدعي عبدالواحد النبوي تحرك مسئوليات وظيفته وانشغل بوزن أمينة متحف محمود سعيد بالإسكندرية مطالبها بأن «تخس شوية» في وضع مخز ومحزن ويثير الغثيان والتقيؤ ولا أعرف لماذا لم يقل حتى الآن وأين المهندس إبراهيم محلب رئيس الوزراء من تلك السقطة، ولماذا يصمت الإعلام الآن، بينما كان قبل عامين يقود حملة ضد صلاح عبدالمقصود وزير الإعلام الإخواني لأنه قال عبارة مماثلة لصحفية، فلن تبني دولتنا إلا بالتخلي عن سياسية المكيالين وجود مقياس واحد للأشياء، وإذا كان الوزير تزرع بأنه كان «يلطف الجو» فهل يحق لي أو لغيري أن يسأله عن وزن زوجته من باب التلطيف.. أعتقد عيب.. مصر لا تتحمل أن تنزف عقول أبنائها أكثر من ذلك. الحقيقة أن سياسات الإلهاء عن واقع الوطن الصعبة لن تجدي في ظل وجود أجيال تحلم بوطن أفضل، وطن تكون فيه الدولة حاضرة وليس شريعة الغاب والبقاء للأقوى، وللأسف ما حدث أمام شرطة شبين الكوم من خناقة بين أشخاص ينتمون لجهات سيادية وتبادلهما الهتاف كل ضد الآخر يجعلنا ندرك أننا أمام خطر حقيقي لا مكان فيه للدولة وإنما أصبحت القبيلة والعصبية والفتونة حاضرة ولا عزاء لدولة القانون، فأنا لا يشغلني كيف تم الصلح بين الطرفين ولن تريحني سياسة «لم الموضوع» لأن البركان مازال يغلي والمجتمع انتقلت له رسالة سلبية مفادها أن البقاء للأقوى، ومن يمتلك النفوذ والصوت العالي حتى لو كان باطلاً، كما أن القانون ينفذ علي الضعفاء فقط، وأنه في بلادنا إذا كنت فقيراً فلا حقوق لك، وإذا كنت من جهة سيادية أو ذا صلة بأحدها فأنت في أمان حتى لو خالفت جميع القوانين، ولا يدرك هؤلاء أن ذلك يضر بالنظام والدولة والمستقبل معاً، وأن مثل تلك الممارسات أشعلت ثورتين خلال 3 سنوات ويمكن أن تشعل ثورات في أي وقت وهو ما لا نريده الآن شريطة بناء دولتنا التي نحلم بها فقد يتحمل المصري أي شىء إلا إهانة كرامته وجعله بلا قيمه. ويرفض أن يقلل أحد منه حتى لو كان فقيراً ضعيفاً ومن الخطأ إشعال غضبه مرة أخري. إن مصر التي نحلم بها ترفض الفساد بكل أنواعه وتحاربه بكل قوة، ولا تعقد معه صفقات سرية، ولا تخشي في الحق أحد، لذا فإن ثورة يناير وموجتها الثانية في 30 يونية كانت ضد نظامي مبارك والإخوان فهما وجهان لعملة واحدة، والإخوان كبروا وترعرعوا وحصلوا علي 88 مقعداً في البرلمان وسيطروا علي النقابات في صفقات مشبوهة مع حسني مبارك ونظامه، لذا وقوف فسدة نظام مبارك ضد الإخوان لحماية مصالحهم لا يعني التغاضي عن فسادهم الذي تسبب في إفقار الشعب المصري بأكمله، ومداهنة النظام أي نظام سيكون المسمار الأول في نعشه، وعلينا التعلم من تجارب التاريخ، وأن أي نظام يبتعد عن المواجهة ويفضل المداهنة والصفقات يكتب نهايته ولو بالبطء، لذا فإن الحديث عن إعادة الأخوين مبارك للحياة السياسية من جديد ومنحهما توكيلات سرية لإدارة 3 أحزاب جديدة من خلف ستار ليظهرا علي قمة أحدهم بعد حين خطر عظيم قد يشعل الوطن، ويهدد نظامنا الوليد، في وقت لا يستطيع فيه أحد دفع الثمن، لذا فإن القيادة السياسية مطالبة بالتقاطع مع الماضي البغيض فعلا وليس قولا فقط، علي الرئيس ألا يخضع لابتزاز أصحاب المصالح وأن يدرك أن من يحتمي بغير شعبه يذل، وأن حصنه الوحيد هو نحن المصريين، وأن فسدة كل العصور لا يبنون أوطاناً لكنهم يمصون دماءها، كما أنهم لا يحفظون عشرة ولا يصونون جميلاً فلم يفعلوها مع مبارك «اللي كان لحم كتافهم من فساده»، وأن الاحتماء الحقيقي يكون بالانتصار للغلابة وهم الأغلبية العظمي من الشعب المصري، وعدم الاستماع لترزية قوانين، وبناء برلمان يعبر بصدق عن الوطن ويضم الشرفاء والمخلصين والأكفاء وأصحاب الرؤية ويخلق شركاء في تحمل المسئولية أفضل كثيراً من مجلس نواب يتم تحريكه بالريموت كونترول، بينما ينهب ويسرق أعضاءه الوطن فلن تتحمل مصر فاتورة ذلك أبداً ووقتها لن ينفع الندم. أخيراً.. نحن لن نفقد الأمل في بناء مصر التي نحلم بها وسوف نورث ذلك جيلاً بعد جيل ليبقي السؤال: لماذا لا يكون ذلك اليوم وليس غداً، لماذا لا نشعر المصريين جميعاً بأن المعركة معركتهم وأن الغنائم للجميع بلا استثناء، الأوطان تبني بالعدل والعمل والمساواة والأخلاق الحميدة ولا تبني بالخوف والشو والفساد والظلم.. وكل ذلك مسئولية الرئيس ومن بعده الجميع.. تحمل أمانتك وأوقف نزيف الوطن، ويدنا معك في بناء مصر التي نحلم بها.