«مكانك يا سيادة الوزير في القري المنسية.. والنجوع المهملة» أعرف اللواء عادل لبيب منذ أن كان محافظاً ل «قنا».. وقد شاهدت المعجزة التي حققها الرجل هناك.. كانت قنا مثل بقية مدن محافظات الصعيد.. مهملة.. العشوائية هي السمة السائدة لمبانيها وشوارعها وميادينها ومواقف سياراتها.. الشوارع مليئة بالفوضي والقمامة.. الطرق لا تصلح لسير السيارات.. باختصار كانت قنا تفتقر إلي أي من مظاهر المدينة.. هي شيء من القرون الوسطي.. تعج بالقبح.. كل شيء كان قبيحاً.. لذا كانت منفي للمغضوب عليهم من موظفي الحكومة!! وخلال عامين من توليه المسئولية، نجح اللواء عادل لبيب أن يحول قنا إلي مدينة بحق وحقيق.. إلي مدينة تنافس القاهرة.. بل تتفوق عليها.. ولا أبالغ إذا قلت إن قنا كانت تفوق مدناً أوروبية من حيث النظام والنظافة والانضباط والأمن أيضاً.. الأهم أن لبيب أيقظ ضمير كل قناوي، فجعل كل مواطن هناك هو العين الحارسة علي كل ماتحقق من إنجازات، حتي أصبحت قنا درة مدن الصعيد.. كان عادل لبيب لا يجلس في مكتبه بقدر ما تجده بين الناس، في الشوارع والأزقة.. في القري والنجوع والمدن.. يري بعينيه ويسمع بأذنيه.. يفتح مكتبه لكل ذي شكوي أو مظلمة.. حقق مبدأ العدالة بين الناس.. لذا نجح عادل لبيب في محافظة قنا. وعندما انتقل لبيب محافظاً للاسكندرية، أراد أن ينقل تجربته الناجحة إلي عروس البحر المتوسط.. لكنه واجه هناك شلة المفسدين المنتفعين والأرزقية وسماسرة المصالح الذين سرعان ما أعلنوا عليه الحرب في الصحف والفضائيات.. وعندما حاول الرجل مواجهة شلة الفساد لم يجد من ينصره. منذ عام ونصف العام، تم تكليف اللواء عادل لبيب بتولي وزارة التنمية المحلية.. وقد سعدت كثيراً.. فالرجل لديه ثلاث تجارب مهمة، في قنا والاسكندرية قبلهما كفر الشيخ.. ولديه خبرة كبيرة في الإدارة المحلية.. يعرف التفاصيل الدقيقة.. يعرف مشاكل واحتياجات وأولويات أهل القري والنجوع والمدن.. في الماضي كان محافظاً لأقليم واحد.. الآن يرأس 27 محافظاً.. في الماضي كانت الحكومة تبخل عليه لا تمنحه من ميزانيتها سوي القليل، لا يكفي لرصف شارع واحد طوله كيلو مترين.. اليوم وزارته حصلت علي منحة قدرها مليار دولار «أي ما يزيد علي 7 مليارات جنيه».. أي لديه كل مقومات النجاح.. أو علي أقل تقدير أن يحقق نجاحاً ملحوظاً وملموساً، خاصة وأنا أعرف قدرات الرجل. والسؤال لماذا اختفي اللواء عادل لبيب.. وماذا فعل في نجوع أسوان وسوهاج وأسيوط وبني سويف والفيوم.. وماذا قدم لسكان القري في البحيرةوكفر الشيخ والغربية والدقهلية.. لماذا لم نجده مصطحباً أحد المحافظين في جولة بين الناس.. يري بعينيه ويسمع بأذنيه كما كان يفعل في الماضي؟!! لقد حزنت كثيراً عندما شاهدت اللواء عادل لبيب منذ أيام وهو جالس في صفوف المحتفلين بانتهاء أعمال ترميم الكنيسة المعلقة.. كان يكفي حضور رئيس الوزراء ووزير الآثار.. لم تكن في المكان الصحيح ياسيادة الوزير. مكانك كان بين الناس.. في القري المنسية.. والنجوع المهملة.. والمدن العشوائية.. هذا الوقت كان ملكاً للمواطن المطحون والمغلوب علي أمره في محافظات مصر. ثم.. لماذا العودة إلي المركزية مرة أخري.. لماذا لم نتعلم من أخطاء الماضي.. إنني أذكر أنه منذ 37 عاماً، أعلن الرئيس السادات منح المحافظين سلطات رئيس الجمهورية، في إصدار القرارات المتعلقة بمحافظاتهم، وظن الناس أن مصر قد برئت نهائياً من المركزية.. ولكن خاب الظن بعد أسابيع قليلة، وتبين أن كلام الرئيس السادات لم يكن مقصوداً به نقل سلطات حقيقية للسادة المحافظين، بقدر ما كان مقصوداً به الإيهام بأن مصر ليست دولة المركزية والروتين. والحقيقة أن الرئيس السادات ومن بعده الرئيس مبارك لم يفعلا شيئاً في هذا الخصوص.. إذ إن هنا في مصر تأسست أقدم مركزية إدارية عرفها التاريخ.. وقد يكون للطبيعة دخل في ذلك.. فمصر كما يقال هبة النيل، ومن ملك مفاتيح النيل، ملك مصر وما عليها. وقد ظلت مصر منذ عهد الفراعنة وحتي اليوم خاضعة لهذه المركزية الرهيبة، من القاعدة إلي القمة.. وظل كل مسئول وفي كل موقع يمارس سلطاته وعيناه شاخصتان إلي القاهرة.. فالقاهرة هي مصدر السلطة، وهي مصدر الإلهام والوحي.. فإذا قالت القاهرة لا.. فلا.. وإن قالت نعم.. فنعم.. ولا فصال ولا مراجعة في الحالتين من أي كائن كان!!. فالقاهرة هي ولي الأمر الذي يتربع علي قمة السلطة.. وهي في النهاية صاحبة القرار.. انها المركزية.. والمركزية حليف دائم للديكتاتورية.. فلا استبداد بغير مركزية ولا مركزية بغير استبداد.. والسلطة المطلقة، مفسدة مطلقة. ونظرة واحدة إلي إدارة الدولة.. تكشف بوضوح مركزية السلطة وصلابة نسيجها من أسفل إلي أعلي.. ابتداء بكبير السعاة، مروراً بالمدير والوكيل والوزير.. الخ.. كل موظف من هؤلاء يمارس المركزية علي من تحته، والخضوع المطلق لمن فوقه.. ولا يمكن لأحد في هذا الطابور من المرؤوسين إصدار أي قرار مهما كان بسيطاً.. أو ممارسة أي سلطة مهما كانت تافهة.. فالموظف هذا ومهما علا، لابد أن يلجأ إلي من فوقه.. وهكذا يصعد القرار من أصغر موظف إلي أكبر موظف في رحلة عجيبة قد تستغرق شهوراً.. أو سنوات!! وهكذا الحال في واقع بلادنا.. فالمركزية هي أقوي الأسلحة فتكاً بالتنمية والتقدم، وأشدها ترويجا للفساد والتخلف.. فهل يستطيع اللواء عادل لبيب حل هذ الإشكالية؟! وهل يستطيع الرئيس السيسي أن يمنح المحافظين سلطات رئيس الجمهورية؟!... أعتقد أنه يستطيع.