لا تزال رحي الحياة دائرة علي قدم وساق حتي يقضي الله أمرا كان مفعولا, ولا يعلم ماتنكشف عنه الغيوب إلا من أحاط بكل شىء علما وكم من أسر عاشت ردحا من الزمن تتقلب في نعم سابغات ولم يخطر بالبال انها ستتجرع البلاء كؤوسا والضياع أنواعا, أتاها أمر الله ليلا أو نهارا فنقل عائلها من هذه الحياة الي الحياة السرمدية وترك افرادها يقاسون المصير المحتوم في صمت كئيب وحزن رتيب ويوم أن كانت الشريعة الإسلامية سلوكا مطبقة علي اتباعها والمنتمين إليها ما كان اليتيم يشعر بالضياع يحيط به من كل جانب ولا الأرملة أو الثكلي بل كل مسلم من حولهم يعاملهم برحمة كما يعامل أولاده وزوجته فكان المجتمع متماسكا متحابا كالجسد الواحد إذا اشتكي منه عضو تداعي له سائر الجسد بالحمي والسهر. وما أن مات خامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبد العزيز رضي الله عنهم حتي انفرط العقد وانحسر ظل العدل والأخلاق شيئا فشيئا حتي استقر أمره في بطون الكتب والأمر لله من قبل ومن بعد. والطائفة التى أخبر عنها الصادق المصدوق صلي الله عليه وسلم- بأنها القائمة علي الحق ولا يضرهم من خالفهم حتي يأتي أمر الله - عددها قليل, ولا يكفي لاصلاح ماخيم علي الأمة من مفاسد أو علق بخاطرها من أحزان. والزكاة التي يخرجها المؤمنون لا تكفي لما تتطلع إليه الأمة من رأب للصدع وجمع للشمل, بل لما تقاعس عن أدائها الموسرون اضحي نفع الزكاة محدودا لا يستمر إلا لبضع ساعات معدودات. وهذا أثر من آثار الانانية التي قتلت عزائم وهمم الكثيرين فجعلتهم لا يفكرون إلا في انفسهم ومن يعولون. وما يدرينا فقد تدور الدائرة لترفع أناسا وتضع آخرين ويتغير نظام هذا الكون فيعض الظالم علي يديه ويقول: ياليتني اتخذت القرآن منهاجا, والرحمة في معاملة الآخرين نبراسا. يبدا أن الندم وحده لا يكفي بل لابد من حلول شرعية لا تترك في المجتمعات خللا ولا في الأمم إعوجاجا, وأحد هذه الحلول يتمثل في جميع الزكوات بأمانة وتعفف فيوجه قدر منها لدفع حاجة ذوي الحاجات ويوجه القدر الآخر لبناء مشاريع الخير والبر فهي في نماء متزايد واستيعاب لتلك الأعداد الكثيرة التي تقوى على العمل ولا تري له وجودا وهذا التفكير مسبوق بما طلبه بعض الصحابة رضي الله عنهم فى حق اليتامي حيث قال: (اتجروا في مال اليتامي لئلا تأكلها الزكاة...) وهناك أسباب من وراء هذا التمزق الاجتماعي...من أبرزها أن أغلب الخلق لا يسمحون لخيالهم ان يضعوا انفسهم مكان من ماتوا ويضعوا أولادهم مكان اليتامي, فإن ذلك لو حدث لتغير السلوك الي النقيص, وقد لفت القرآن الكريم أنظار العقلاء الى ذلك فقال «وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا» وقوله صلي الله عليه وسلم «لا يؤمن أحدكم حتي يحب لأخيه ما يحب لنفسه» وقد اوحي الله - تعالي إلي داود عليه وعلي جميع الانبياء الصلاة والسلام «يا داود كن لليتيم كالأب الرحيم, وكن للأرملة كالزوج الشفوق» وقال أيضا «يا داود كن للفقير كنزا, ولليتيم حصنا وللمستجير غياثا, اكلؤك في ليلك وفي نهارك». وغير خاف علي عاقل ان خزائن رحمة الله تعالي لا ينضب معينها ولا ينقطع عطاؤها وان الله تعالي قادر علي أن يغني الخلق جميعا ولا يحتاج أحد إلي أحد إلا إنها حكمة إلهية سبق بها القدر أن يبتلي هؤلاء بالاحتياج وآخرين بالغني «وكان أمر الله قدرا مقدورا». كما نلمس هذه الحكمة في قوله جل شأنه «ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الارض ولكن ينزل بقدر ما يشاء إنه بعباده بصيرا». كما لا يخفي علي أحد أن هناك يوما للفصل بين الخلق محقهم ومبطلهم وعندها يأخذ كل مخلوق جزاء ما عمل «ان يوم الفصل كان ميقاتا», «ثم إن ربك يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون» فهل يستغل المسلمون قرب حلول شهر رمضان ويبادروا بإخراج – الحق المعلوم – فى أموالهم, بل ويزيدون من الصدقات, ليدخلوا فى متاجرة مع الله هم الرابحون فيها بلا أدنى شك, أم أننا تعودنا الغفلة, وألفنا اللهو حتى نلقى ربنا ووقتها نردد مع من يقول (رب ارجعون) نسأل الباري جل وعلا ان يردنا إلي ديننا ردا جميلا للعمل به والاعتزاز بمنهجه انه ولي ذلك والقادر عليه.