بينما يظل كاتب هنا أو شاعر هناك قابعًا في منطقة الظل، مرتضيًا بركن قصي في ساحة الإبداع، رغم ما يتمتع به من موهبة، يطل علينا آخرون بين الفينة والأخرى، لا تغادر أسماؤهم خبرًا صحفيًّا يطوف المواقع والجرائد، أو منشورًا يداهم أعيننا كلما وأينما حللنا على مواقع التواصل، الكل يردد أسماءهم كوجبة رئيسة تفرضها سُلطة ما على مائدة مطالعاتنا، وتلك السلطة هي ما يطلق عليه "الشلة"، التي تدعم وتساند من ينتمي إليها، مهما تحلت موهبته من تواضع، أو شابتها شائبة، يكفيه أنه منهم، إذن فليهنأ بشهرة تجوب الآفاق مادام بينهم. ترى فهل يمكن لتلك الآفة المسماة "شللية" أن تؤثر هذا التأثير السلبي في المجتمع الثقافي؟ وما هو تعريفها الأدق، وما أسبابها بل ونتائجها؟ في تقريرنا التالي نحاول أن نبحث معا عن إجابات شافية، يطرحها بعض المبدعين. * * إحدى ظواهر الفساد الثقافي: بداية يضع الشاعر والكاتب أحمد الشهاوي تعريفًا واضحًا لمصطلح "الشللية"، قائلا: الشِلَليّة إحدى ظواهر الفساد الثقافي، وما الشلة إلا "جماعة من الأصدقاء ذات ميولٍ واحدة"، تنصر بعضَها ، وتخدم أفرادَها ، وتدافع عن مصالحها بالحقِّ والباطل ، لكن عندما تتسم الشلة بالمحسُوبيّة، والمزاجيّة، والازدواجيّة ؛ فإنها تصبح مرضًا وخطرًا يهدِّد صحة وسلامة الحياة الأدبية أو الثقافية ، ويصبح الهوى هو المسيطرُ والمُتحكِّم ، وتطغى المصلحة الشخصية على الموضُوعية ، ويغيب المعيار ، ويُظلَم كثيرون من الموهوبين من أصحاب الصوت الخاص ، ويُعطَى الحقُّ لغير أهله ، وتصيرُ الشِّلة مفسدةً. وأضاف أن «الشللية» ظاهرةٌ خطيرةٌ ، نتجت من سوء الاختيار ، ومنح السلطة المطلقة لأفراد لا يميِّزون وليسوا مُؤَهلين للفرز والاختيار ، ينعدم عندهم الضمير ، ولا توجد سلطةٌ أعلى منهم تحاسبهم وتسائلهم عمَّا فعلت أيديهم تجاه الآخرين . وقد انسحب الكثيرون من الحياة الأدبية ، ولاذوا بالصَّمت ، وسكتوا ، وأُحْبطُوا ، وطووا صفحاتهم ، ورفعوا أقلامهم ، بعدما دُمِّروا نفسيًّا ولم يعودُوا قادرين على المواجهة والمجابهة ، فاحتموا بذواتهم ؛ حتى لا يصابُوا بأمراضٍ تفتك بهم أكثر مما وقع لهم . ولقد رأيتُ كيف تحوَّل الإبداع والتفرُّد والامتياز إلى نقمةٍ على صاحبه ، فهناك شعراء مهمُّون هزمتهم الظروف ، وأقصتهم الشِّلَّة لصالح من هم دُونهم في الموهبة ، ولا يتعجَّب أحدٌ إذا قلتُ إنَّ هناك أسماءً كبيرةً وشهيرةً في مصر والبلدان العربية قد مارست القمع والشللية ، ومنحت من لا يستحق منحًا وعطايا من الأسفار والجوائز والنشر والمكافآت. وفي النهاية الحُكم لغِربال الزمن ، وما سيبقى سيمكثُ في الأرض طويلًا، وقد علَّمتني التجارب أنَّ الشلليةَ لا تدومُ ، ولا تستطيع أن تهمِّش مبدعًا أو تتجاهله أو تحجبه عن القراء ، مهما حاولت ؛ لكنَّها لا تمُوتُ أيضًا ، إذْ هي من مُكوِّنات التركيبة الإنسانية والسكَّانية للمُجتمع الثقافي الذي تسودُه الحرُوب ، لكنَّ النصَّ الحقيقيَّ لديه القدرة على الصمُود والمُقاومة من دُون عوامل مساعدة حتى لو كان الكاتب نفسه ، إذ للنص أكثر من جناح ليطير به بعيدا وطويلا ، خصوصا بعد أن صار المبدع قادرا على تسويق نتاجه عبر وسائل ووسائط تكنولوجية . * الفارق بينها وبين الجماعة الأدبية: فيما يرى الناقد والكاتب طارق عبدالوهاب جادو، أن "الشللية " كمفهوم ومصطلح وظاهرة أدبية تطل بوجه سافر بالتأكيد على ساحتنا الثقافية، وتلقي بظلالها ذات المردود السلبي على النتاج الثقافي للمجتمع ، وينبغي بالتأكيد الفصل و التمييز بينها وبين مفهوم "الجماعات الأدبية " التي تؤدي دوراً هاماً في إثراء وطرح كل ما هو إيجابي و مفيد من قضايا أدبية، و يبزغ من خلالها نجم العديد من الوجوه الجديدة من المبدعين الذين يستحقون الدعم و التشجيع من خلال القوة الدافعة للجماعة الأدبية ذات المنهج و الهدف الذي تعمل على إرساء قواعده على الساحة. إن الشللية بكل تأكيد تعد انعكاساً لحالة من القصور و الانجراف المجتمعي لكل ما هو سلبي و مرتبط بالنفعية والوصولية، حيث يهمش من الكتاب والمبدعين من يستحقون ويسلط الضوء على من يرتبطون بعلاقات وصداقات بذوي النفوذ على منصات النشر و الظهور الإعلامي ، بغض النظر عن القيمة الإبداعية و المحتوى الذي يقدمه هؤلاء من مردود أو نتاج ضعيف إبداعياً. ويختتم طارق جادو: بل إن الأمر قد يتخطى ذلك بوصول أنصاف و أشباه المبدعين إلى احتلال كل الصورة على الساحة الثقافية وأحياناً بكل أسف الارتقاء على منصات التتويج بالجوائز الأدبية . * كانت تشكل خطًّا إبداعيًّا مميزًا: أما الكاتب والشاعر محمد علي عبدالهادي، فلديه رأي مخالف في نشأتها، فيقول: رغم أن الإبداع الثقافي يتغير بتغير المجتمعات وتطورها، ويختلف باختلاف توجهاتها، إلا أن هذا التغير لا يطرأ على كل مناطق المجتمع في آن واحد، الأمر الذي يصنع منتجا ثقافيا متنوعًا ومميزا، ففي النهاية سيظل المبدع أداة المجتمع في تجسيد ثقافته وواقعه، كل هذا جعل الحركات الابداعية تقوم على الشلل والمجموعات، لكن قديما كانت تشكل خطا إبداعيا مميزا لها ومختلفا عن غيرها من الحركات. ويضيف: وهذه الحركات الإبداعية ظل تأثيرها حاضرا حتى يومنا هذا، لكن اليوم فقد شوهت الشللية الأفكار والرؤى من خلال نظرة ضيقة تسببت في حرمان المجتمع من أصحاب المواهب الحقيقية للدرجة التي جعلت البعض يتناول الأعمال الإبداعية طبقا لرؤيته الشخصية في العداء والمحاباة، فتكون الرؤى غير صادقة وخاضعة للهوى والأحكام الجائرة، كما أنها أصبحت سببا مباشرا في تراجع الحركة الثقافية والإبداعية بسبب خلق أجواء عدائية وإقصائية تصل حد العداء مع المبدع حتى بعد رحيله. * لها مميزاتها.. وشهدها بيت مستجاب: فيما يؤكد الكاتب والقاص محمد محمد مستجاب، أن الشللية في الإبداع متواجدة دائمًا، ولها مميزاتها، وهي تقديم كاتب جديد، أو أن هذه الشلة ترى أن هذا الكاتب متفرد وبالتالي تقوم بالتخديم عليه، ليس نقدًا فقط، بل وتطوير أدواته، وقد رأيت هذا في بيتنا – أقصد بيت محمد مستجاب الأب- فلم يكن الأمر يمر مرور الكرام عندما ظهرت موهبة بين بعض الأشخاص في السبعينيات، وأقصد هنا مثلا الدكتور الراحل عبد الغفار مكاوي والذي أمد مستجاب الأب ب " بي كاب" ليسمع الموسيقا، والشاعر الكبير محمد سليمان كان يقرأ له، والراحل ضياء الشرقاوي كان يمده بكتب، وآخرون ساهموا في تطوير محمد مستجاب، مثل الأستاذ أبو المعاطي أبو النجا، أو خيري شلبي وعلى شلشل ويحيى حقي وصلاح عبد الصبور، وكما تعلم مستجاب من كل هؤلاء فهو نفسه فعل ذلك مع كثيرين في بيته، عندما كان صالون مستجاب يحتضن الجميع، فمنه خرج حمدي أبو جليل مثلا. نعود للموهبة وهي الأساس في شلة تحافظ على تنمية هذه الموهبة، لكن الآن الآمر اختلف بشدة، فالكاتب يحيط نفسه بمجموعة من الصحفيين الذين يستطيعون أن يضعوا خبرا تافها له في جريدة، بينما من يستحق أو كتاب جديد صدر لآخر لا يوجد حتى إشارة عنه. وللأسف ما ساهم في هذه الشللية الصحفيون المختصون في بعض الجرائد، فلن نجد أي صدى للكثير من الموهوبين الذين يستحقون، بينما يفردون صفحات لبعض الأشخاص، لماذا؟ لأنهم يلتقون معهم في وسط البلد. وكما كتبت عنك سوف تكتب عني، وكما استضفتك في سهرة سوف تكتب عني. ويقومون بتقديمهم في كل مكان، وبالتالي فإن الكثيرين بعيدا عن الشللية يبحثون عن موضع قدم، فانا أرى كثيرا من أدباء يستحقون أكثر ولكن لا يسعون للصحف، وبالتالي فإن دور هذه الصحف وتلك الصفحات أن تسعى لهم. ويختتم مستجاب قائلا: إن وسائل التواصل الاجتماعي فتحت الأبواب لمصرعيها في النشر وفي الظهور، لكن الأدب ذاته ولأنه قوة لا يستهان بها في التعبير عن الأمة وهويتها وما يحدث فيها، يصبح من الصعب النبش عن الكتّاب الحقيقيين، والأمثلة واضحة في ظهور بعض الكتّاب ثم اختفائهم سريعًا، لان الموهبة لم يتم تنميتها التنمية الحقيقية لتصبح رافدا لنهر الإبداع، بل أصبح الكاتب يطنطن هو وشلته بمجده الزائف. وكثير من المزيفين ينتشرون حولنا الان بسبب شلتهم المزيفة أيضا. * تساهم في تلميع المعادن الرخيصة: فيما تؤكد القاصة والكاتبة علا عبدالمنعم، أن الشللية تساهم في تلميع ما ليس ذهبا، بل وتلصق به بريق الماس لو استطاعت، فكثير من عديمي الموهبة أو محدوديها لكنهم يملكون من سلطة الشلة وسطوتها ما يمنحهم الصوت العالي الذي يساهم في رواج أعمال وانتشارها بل والحديث عنها بما ليس فيها ومنحها نجاحا مكذوبا ومبيعات عالية لا تستحقها، وهو ليس بالمعدوم أو المجهول في الوسط الأدبي، فيكفي س من الكتاب أن يلتف حوله ص وع وغيرهم من اللامعين، كل يكتب عنه فقرة صغيرة ولا يكلفه الموضوع سوى جمع تلك المقولات في منشور مجمع يتم توزيعه على الصفحات الأدبية البراقة ليحصد بعدها المركز الأول في الاكثر مبيعا مع عدم السماح لأي مختلف في الرأي بممارسة النقد أو الحق في الاختلاف وإلا فهو حاقد ذو قلب أسود. وتضيف علا: رواج آخر نراه ونسكت عنه ذلك الذي يمنح للجميلات الكاتبات للهراء فعليا، بينما كل الراغبين في قربها يغرقونها بعبارات الاستحسان والثناء وآهات الإعجاب الزائفة، نعم الشللية لها سطوتها ورأيتها وأراها وسنظل نلمحها وستنتشر وتشارك في تلميع المزيد من المعادن الرخيصة طالما نغض الطرف عنها ونمارس معها سكوتا شيطانيا عن الحق. * تدعم وتساند.. ولا فائدة منها دون موهبة: بينما يقول الشاعر والمترجم محمد الحديني: الإنسان كائن ضعيف بالفطرة وهو الأمر الذي يجعله يبحث عن السند والدعم والهوية من خلال الانتماء لجماعة أو حزب أو شلة، ولأنني مؤمن أن كل ما هو بشري هو محتمل ونسبي، فمسألة الشللية في الوسط الثقافي قد يكون لها دور في دعم ومساندة اسم ما ومساعدته على المضي قدما نحو الشهرة وربما نحو جائزة ما. وعلى الجانب الآخر قد تحاول الشلة فعل كل ما سبق ولكن الكاتب قد يكون لا يملك الحد الأدنى من المهارة والحرفية والموهبة ومن ثم فالأمر قد ينتهي إلى لا شيء. وأضاف أن المحرك الأساس هو الموهبة، فإذا اجتمعت الموهبة مع العلاقات وشلة تدعم الكاتب، فسوف يكتب له نجاح واضح، أما إذا اعتمد الأمر على العلاقات فحسب فإن الأمر سيصبح كفقاعة الهواء، في النهاية تبقى الشللية أمرا مرفوضا وظالما لكثير من الكتاب ممن هم خارج تلك المنظومة. * أفسدت جسد الوسط الثقافي: أما الناقدة والكاتبة منال رضوان، فتقول: يمكننا إلقاء نظرة عامة على الحال التي وصل إليها الوسط الثقافي المصري، وهل التغيرات المتتابعة وفق سنة الكون في مصلحة ذلك الوسط أم لا. ففي الكتابة الإبداعية، يواجه المبدعون مشاكل لا حصر لها، منذ محاولات مرهقة من الحصول على منح تفرغ إلى محاولة النشر التي تنتهي دائمًا برفض بعض الدور النشر المجاني إلا لأسماء بعينها، والزج بأسماء أخرى لبعض من الأحبة والخلصاء والداعمين نحو الجوائز. كلنا يعلم أن الشللية قد طالت بأنيابها النخرة جسد الوسط الثقافي وأفسدته. فهل من المقبول أن يسأل أحد الكتاب الكبار عبر صفحته على فيسبوك عمن يتبرع بالنشر لمجموعة من الروائيين الموهوبين وله الأجر والثواب من الله لأنهم ليسوا محسوبين على تيار معين ! وتختتم منال رضوان: وأخيرًا، وإن كنا لا نعمم تلك الحالة على الوسط جميعه والذي يعج بالمخلصين من أرباب القلم الرشيد المحايد؛ لكن الحديث عن مشكلة حقيقية مؤرقة هو أولى الخطوات نحو حلها لتعود الريادة الأدبية إلى مجتمعنا المصري.