لم يقم المصريون بثورة 25 يناير إلا من أجل تصحيح الحياة السياسية المختلة والركيكة نتيجة الديكتاتورية والاستبداد والتزوير والفساد، ومن أجل تصحيح توزيع الثروة وعدالة اجتماعية حقيقية يستفيد منها كل مواطن من ثمرة عمله ومن خيرات بلاده بدلاً من أن يتركز النمو في أيدي حفنة قليلة قامت بسد القنوات وقطع حبل الأتصالات بين الشعب ومن يديرون شئونه.قامت من أجل كرامة المواطن والحفاظ على حقوقه الانسانية وأنه هو الحل والهدف لتنمية المجتمع والنهوض بمصر من دولة متخلفة الي دولة نامية.وحتي يكون الأمر مردوداً لاهله,فإن الرجوع إلي طلبات الشعب يوم 28 يناير صباحاً والتي لخصتها يومها الجمعية الوطنية للتغيير في مطالب عديدة وهي تعديل المادة 76، 77 بالدستور، وتقليص صلاحيات رئيس الجمهورية، تعيين نائب للرئيس وإلغاء حالة الطوارئ، وإلغاء محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية. ولأن الرياح تأتي بما لا تشتهي السفن, فإن المصريين قد وجدوا أنفسهم بعد طول عزوف عن السياسة والأختيار لزاما عليهم أن يقوموا بالتصويت في الاستفتاءات والانتخابات التشريعية والرئاسية وهو ما جعل الأمر ملتبساً وغير واضح الرؤية بعد 60 عاماً من الظلام والإظلام.لقد أختار المصريون نوابهم ورئيسهم على مبدأ التقوي وحسب ولم يحسبوا بجوار التقوي القدرة على القيادة والفهم للإدارة. إن اختيارات المصريين لم تكن نتيجة مقاييس عقلية رشيدة ولكن على أساس مقاييس شكلية وهمية وهو ما أنتج الكثير مما نعاني منه الآن. الاختلاف في الرؤي السياسية الاقتصادية ليس مبررا لوصف المخالف بالتطرف ولكن المعايير التي سوف نسوقها الآن هي التي تحكم لماذا يري الكثيرون أن التطرف قد ضرب ثورتنا في مقتل.إن جنوح جماعات سياسية متأسلمة إلي معركة الانتقام والتمادي فيه والإقصاء والتقنين له والإخصاء والتآمر لجعله واقعاً, جعل المشهد السياسي يتحرك بعنف نحو التطرف وهو ما شق الصف وأضعف المناعة لدي الشعب المتلقي لهذه الاشارات المتطرفة.وبالرغم من أن جماعات سياسية التأسلم قد خفضت من نبرة التشدد الديني في بعض الاحيان إلا أنها التزمت منهج الأمر الواقع الخاطئ ثم التفاوض على ماذا يبقي منه؟لم يكن الإعلان الدستوري الديكتاتوري في نوفمبر الماضي ثم إلغاؤه بإعلان آخر مع الإبقاء على آثاره سوي ذلك النهج في فرض الأمر الواقع الخاطئ ثم التفاوض لمن أراد التفاوض للتفاوض، فبقي منه المضمون وأُلغي منه الشكل، وهو نوع من التطرف في التلاعب بالواقع السياسي والإداري للدولة. ولعل ما جعل التطرف هو سمة الثورة هو جنوح هذه الجماعات ومن يؤيدها إلي إهدار القانون والقضاء اذا كانت المصلحة الحالية لهم في ذلك مما أدي الي الإسراف في إهدار القانون والقضاء من الشعب تبعا للمثل القائل اذا كان رب البيت بالدف ضاربا فشيمة أهل البيت كلهم الرقص. لم يتوان المؤيدون لنظام الحكم عن إصدار فتاوى بإهدار دم المعارضين بإعتبارهم ظلماً من الخوارج و هو ما أضاف للتطرف الموجود سخافة و غباء.واذا كانت الثورة الأصلية كانت معتدلة فى مرادها و آلياتها ثم تطرفت نتيجة وجود جماعات السياسة المتأسلمة والمتطرفة في سدة الحكم والسلطة التنفيذية والتشريعية فإن الغريب في الأمر أن المقاومة من المعتدلين من القوي السياسية قد قابلها الرفض من التطرف الثوري والأغرب من ذلك ثورة التطرف ومن يقوم بها من المتطرفين في الطرف الآخر كالاشتراكيين الثوريين والأناركيين قد ثاروا على تطرف الثورة وعلى المعتدلين الذين قاموا فعلا بالثورة!إن اشتراك هاتين المجموعتين في كل أعمال العنف ومحاولة اقتناص السلطة بغير السبل الديمقراطية هو واضح للعيان، وأيضا واضح للعيان أننا لم نفتر عليهم القول بأنهم يقومون بثورة متطرفين حيث إن المشروع الوحيد لديهم هو الهدم لكامل الدولة وأركانها ولم يتحفونا كيف سيبنون الدولة الجديدة كما هي في خيالهم إن كان؟؟ ولعل الأفراط في تدليل البعض من الشباب الثائر وجعله في بؤرة الضوء الاعلامي كان جزءاً من تطرف الثورة وثورة التطرف حيث أفصح الشباب عن مكنونهم في الانتقام للشهداء واستعادة حقوقهم ولم يلقوا بالاً للأحياء ودورهم و كيف يخططون لحاضرهم و مستقبلهم؟عند ذلك المشهد الكئيب من استيلاء المتطرفين على الثورة وقيام متطرفين آخرين بثورة على تطرف الثورة وعلى الثورة نفسها نجد أنفسنا في مأزق لا نحسد عليه حيث لا وجود لحل المشاكل الحالية ولا رؤية لحل المشاكل المستقبلية وإنما هو الانتقام والإقصاء والإخصاء وحسب.إن التشخيص الخاطئ لمريض مصاب بغيبوبة على أنها غيبوبة سكر وبدلاً من إعطائه انسولين قام الطبيب غير الماهر باعطائه دواء للضغط، بالرغم من أن المريض الذي يعاني غيبوبة هى من نقص السكر وعلاجه هو إعطاؤه جرعة من السكر (الجلوكوز)!!لقد شخصنا المشكلة بطريقة خاطئة ثم عالجناها بطريقة خاطئة وتصورنا أن ذلك سوف يصحح الخطأ الأول بالرغم من أنه زاد من عدد الاخطاء التي أرتكبناها ثم أدركنا بعد ذلك أن الصواب لم يأت بعد. إن التغيير هو رهن إرادة الأمم والشعوب ولا يستحق شعب أو أمة أن يعينها الله تبارك وتعالي بمعجزة وتأييد من عنده إلا إذا قامت بما يجب عليها فهل نحن مستعدون للقيام بذلك؟ أرجو ذلك. ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا. يحيا الشعب المصري حراً كريماً. استشاري جراحة التجميل