على العهد الملكى المصرى ما قبل ثورة يوليو 1952، كان يمكن للملك أن يقيم مآدب حافلة فى المواسم والأعياد الدينية - أبرزها شهر رمضان المبارك - تصاحبها تلاوات قرآنية لأشهر المقرئين، وكان الحضور مفتوحاً لعامة الشعب يأكلون طبقاً لدعوة الإفطار أو السحور طعامًا مشبعاً محترماً دون من أو أذى، وكانت «رحبة عابدين» نموذجاً لمثل هذا التقليد فى الساحة المتسعة اتساعاً ضخماً أمام قصر عابدين الملكي، حتى وقعت ثورة 23 يوليو 1952 فأصبحت القصور الملكية - طبقاً لإعلان مصر جمهورية رئاسية - إلى قصور رئاسية لها أبواب موصدة دائماً وحرم واسع يحيط بها لا يجوز تجاوزه لمواصلات عامة أو سيارات خاطئة، ناهيك عن حظر التجمهر عند هذه القصور الرئاسية نهائياً، وقد اختار رؤساء الجمهورية الذين تعاقبوا على الرئاسة أن يقيم كل منهم فى منزل خاص يتم اختياره بدقة، مراعاة لمقتضيات أمنية صارمة، الرئيس الراحل جمال عبدالناصر اختار منزلاً له فى منشية البكرى كان الطريق المؤدى إليه مغلقاً حيث لا يمر أحد إليه إلا بعد التحقق من الشخصيات وبعد التأكد من أن القادم قد دعى إلى منزل الرئيس، وتصطحب القادم حراسة إلى أن يدلف إلى البيت بمعرفة سكرتارية الرئيس، والرئيس الراحل محمد أنور السادات اختار منزلاً فى الجيزة على نيلها بشارع كافور الذى أغلق المرور فيه تماماً!، وقد ألحق بالمنزل بيت عاشق الفنون محمود محمد خليل الذى لم يتحول إلى متحف شهير استقرت فيه لوحات عالمية وأثاث ثمين من مقتنيات صاحب البيت، فأصبح المتحف بعد رحيل الرئيس السادات له أبواب مفتوحة على الطريق العام سواء من جهة النيل أو من شارع الجيزة، وقبل ذلك كان أمام بيت الرئيس مهبط لطائرة هليوكوبتر قطع شارع النيل بحيث كانت السيارات المارة تضطر إلى الالتفاف والسير الإجبارى فى شوارع جانبية لاحقة وسابقة حتى يمكن استئناف السير على شاطئ النيل، أما القصور الرئاسية كمقر لمكتب الرئيس فقد انحصرت فى عابدين للرئيس الراحل أنور السادات، وكانت بعض هذه القصور قد تحولت إلى قصر ضيافة لرؤساء وملوك الدول، أما الرئيس السابق حسنى مبارك فقد استقر فى قصر العروبة بيتاً ومكتباً، وقد لا يتذكر كثيرون أن شاباً اقتحم بسيارته سهواً كردون الحراسة عند قصر العروبة، مما جعل طاقم الحراسة يطلق على الشاب الرصاص ولم يكن الشاب مسلحاً بالطبع، فتوفى الشاب على الفور وكان أحد أنجال مستشار وقاض كبير، وقد استقبل الرئيس مبارك الأب المكلوم وواساه فى مصابه الأليم معتذراً عما جرى! وهذه الحادثة أحكيها عمداً للجماهير التى داهمت مؤخراً القصر الاتحادى مقر الرئيس محمد مرسي! مصرة على لقائه شخصياً - وعلى انفراد لمن يصر على ذلك! - وهو صاحب مظلمة شخصية خاصة!، بل هناك من توجهت للقاء الرئيس شخصياً لأنها تعبت من الجرى فى المحاكم بحثاً على نفقة ضائعة يصر زوجها الذى طلقها - أو لم يطلقها - وقد راح يروغ منها لسنوات!، بل هناك الذين رفضوا اللجوء إلى ديوانين للمظالم فى قلب القاهرة - وقد انتاب العمل فى الديوانين ارتباك ملحوظ - ولا مطلب لهم إلا مقابلة الرئيس الذى وعد فى خطاب له بأن أبوابه مفتوحة أمام الجميع!، وقد كان القصر الاتحادى - مقر الرئيس مرسى حالياً لإدارة شئون الرئاسة وليس للإقامة - شأنه شأن القصور الرئاسية لا يجوز الاقتراب من أبوابه!، منذ أن كان مقراً لاتحاد الجمهوريات العربية على عهد «هزليات» الوحدة العربية!، التى لم يدم منها شيء!، ولكن الجماهير الشعبية تصر إصراراً متوحشاً على الدخول إلى القصر الاتحادى ولقاء الرئيس مهما كان الثمن!، وتتحدى قوات الأمن التى تحول دون اقتحام هذه الجماهير للأبواب وحتى النوافذ والشرفات، مما بدا فى صور كثيرة فوتوغرافية وتليفزيونية متداولة!، وليس عندى أى تفسير لهذا الإصرار الجماهيرى الغاضب على دخول القصر الرئاسى وملاقاة الرئيس «مرسي» شخصياً سوى أن كل المسئولين فى جهات الدولة ومرافق العمل لا يؤدون عملاً لوجه الله والناس!، مناصبهم يتواجدون فيها وجاهة مما لا يتفق وأخذهم مظالم الناس بالعناية الواجبة!، واستعراض بعض المتجمهرين عند القصر الاتحادى لمآسيهم وبعض محنهم يكشف عن عدم ثقتهم بأى مسئول فى الدولة عدا الرئيس!، ومادامت الفرصة قد سنحت أمامهم لاقتحام «معقله» فلماذا يفوتون هذه الفرصة و«الحديد مازال ساخناً»!، خاصة أن أى حراسة أو قوة ثبت بالتجربة أنها عاجزة عن صدهم!، ولم لا وقد منعوا من قبل رئيس مجلس الوزراء من دخول مكتبه لشهور!، فلابد لهم من الظفر بالمطلوب ولو كان الثمن منع الرئيس شخصياً من دخول مكتبه أو مغادرته!، فلم يعد هناك منصب أو مقر يحمل عندهم ما يستوجب احترامهم أو يفرض عليهم الصبر!، فالصبر كما قال شاعرهم «الصبر قاد حرايق.. جوه صدور الخلايق»!، وجهاز ما قبل الثورة هو هو بعدها يدير الدولة!