رئيس مجلس النواب يرفع الجلسة بعد الموافقة على 4 اتفاقيات دولية    مستشارة شيخ الأزهر: المرأة تضطلع بدورٍ أصيل في ترسيخ معنى الأخوة الإنسانية وصناعة الضمير    براتب يصل إلى 450 ديناراً.. وظائف للمصريين في المقاولات الإنشائية بالأردن    إجراءات مهمة وجديدة من التنمية المحلية لاستقبال شهر رمضان    محافظ أسوان يترأس الإجتماع التنسيقى لمتابعة مشروع تعزيز الزراعة الذكية مناخيا    تعزيز التعاون التجاري والاقتصادي خلال مباحثات الرئيسين المصري والتركي    متابعات دورية لإلزام التجار بأسعار السلع المخفضة في معارض أهلا رمضان بالشرقية    رئيس «قناة السويس» يتابع مخطط مشروع إنشاء كوبري بورسعيد العائم الجديد    الرئيس السيسي يستقبل نظيره التركي رجب طيب أردوغان    الأمير آندرو يترك منزله ليلًا بعد ظهور ملفات إبستين    الأزهر الشريف يحتفل باليوم العالمي للأخوة الإنسانية في ذكرى توقيع «الوثيقة»    مسئولة جزائرية: اجتماع المجلس الاقتصادي والاجتماعي يبحث تطورات منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى    الجارحي رئيسًا لبعثة الأهلي في الجزائر    عبد القادر ينضم إلى نادي الكرمة العراقي بعد نهاية علاقته بالأهلي    طبيب يتورط في أزمة بسبب مريضة.. ماذا حدث في الإسكندرية؟    بدء تنفيذ حجب لعبة روبلوكس في مصر اعتبارًا من اليوم    وزارة الزراعة: حملات مكثفة لضمان توافر السلع الصالحة قبل رمضان    القبض على متهم عرض مخدرات على سائح أجنبي في الأقصر    وزير «الثقافة» يصدر قرارًا بتعيين نبيلة سلام رئيسًا لأكاديمية الفنون    تشييع جنازة والد علا رشدى من مسجد الشرطة.. وأحمد السعدنى أبرز الحاضرين    خالد محمود يكتب : برلين السينمائي 2026: افتتاح أفغاني يكسر منطق «الأفلام الآمنة»    ذكرى ميلاد جمال حمدان شاعر الجغرافيا وفيلسوف الخرائط    في اليوم العالمي للسرطان.. استشاري أورام يكشف أخطر الشائعات التي تؤخر العلاج    جامعة قناة السويس تطلق قافلة تنموية شاملة لخدمة أهالي حي الجناين    قائمة أسعار اشتراكات مترو 2026 للطلبة وكبار السن قبل بدء التيرم الثاني    المعهد القومي للاتصالات يختتم "ملتقى التوظيف الأول" لتوفير فرص العمل للخريجين    إعلان القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية في دورتها ال19    محافظ أسيوط يكرم حفظة القرآن الكريم بمركز أبنوب فى مسابقة الفرقان    الهيئة البرلمانية للمصري الديمقراطي تطلق أولى فعاليات الورشة التدريبية لإعداد المساعدين البرلمانيين    اليونان.. رجال الإنقاذ يبحثون عن مفقودين محتملين بعد تصادم قارب مهاجرين    محافظ الجيزة يفتتح مبنى العمليات المطوّر بمستشفى 6 أكتوبر المركزي    «برلماني» يطالب بتوجيه منحة الاتحاد الأوروبي للقطاع الصحي    الإدارة والجدارة    إحالة أوراق متهمين بقتل شخص بسبب خصومة ثأرية فى سوهاج إلى فضيلة المفتى    "الداخلية" تضبط 116 ألف مخالفة وتسقط 59 سائقاً تحت تأثير المخدرات    محافظ كفرالشيخ يهنئ رئيس الجامعة الجديد ويبحثان عدد من الملفات المشتركة    وزير الثقافة يصدر قرارا بتعيين الدكتورة نبيلة حسن سلام رئيسا لأكاديمية الفنون    فضيحة تسريب جديدة في قضية إبستين.. وزارة العدل الأمريكية تقر بوجود أخطاء جسيمة في تنقيح الملفات    بينهم معلم أزهري.. حبس 3 أشخاص بتهمة حيازة أسلحة نارية بقنا    هل ما زالت هناك أغانٍ مجهولة ل«أم كلثوم»؟!    أسماء المصابين وحالاتهم الصحية فى حادث طريق الدواويس بالإسماعيلية    شكوك حول مشاركة ثنائي الهلال أمام الأخدود    سبورت: تشيزني يتقبل واقعه في برشلونة دون افتعال الأزمات    تشاهدون اليوم.. الزمالك يلتقي بكهرباء الإسماعيلية ومانشستر سيتي يصطدم بنيوكاسل    نصار: تعاملنا مع لقاء الأهلي باحترافية كبيرة    رمضان 2026| السحور أكثر من مجرد وجبة    "القاهرة الإخبارية": فلسطينيون ينهون إجراءات العودة إلى غزة عبر معبر رفح    الحكومة تقرر سحب مشروع قانون المرور الجديد من مجلس النواب    إيبارشية حلوان والمعصرة توضح ملابسات أحداث كنيسة 15 مايو: لا تنساقوا وراء الشائعات    التشكيل المتوقع للزمالك أمام كهرباء الإسماعيلية بالدوري    جيش الاحتلال: نفذنا قصفا مدفعيا وجويا ردا على استهداف قواتنا بشمال غزة    رحيل والدة نورهان شعيب.. رسالة وداع مؤثرة تطلب فيها الدعاء وتكتفي بالعزاء هاتفيًا    60 دقيقة متوسط تأخيرات قطارات الصعيد.. الأربعاء 4 فبراير    بعد منعه من الظهور.. هاني مهنا يعتذر عن تصريحاته: تداخلت المواقف والأسماء بحكم السنين    مارسيليا يعبر رين ويتأهل لربع نهائي كأس فرنسا    على من يجب الصوم؟.. أمينة الفتوى تجيب    الأزهر للفتوى: تحويل القبلة يؤكد وسطية أمة الإسلام والعلاقة الوثيقة بين المسجدين الحرام والأقصى    دعاء استقبال شهر رمضان.. كلمات إيمانية لاستقبال الشهر الكريم بالطاعة والرجاء    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أحزان «جدعان» بولاق!
نشر في الوفد يوم 11 - 05 - 2012

علي أصوات الثوار في ميدان التحرير فتح «محمد» عينيه، خرج من وسط البيوت المتهالكة في الحي العريق.. أخذ نفساً عميقاً وصرخ بروح جده «البشتيلي» ارحل.. والشعب يريد.. خرج «الجدعان» أفواجا ببركة «السلطان» وتنفست الحواري والشوارع الضيقة نسيم الربيع في أواخر يناير..
هبت في نفوس الغلابة روح ثورة القاهرة الثانية.. أيام جدود الجدود..
حاربوا «الفرنسوية» واستشهد الأبطال بمدافع كليبر.. كما استشهد محمد وأصحابه برصاص مبارك.
عاشت بولاق أبوالعلا ميلاد الثورات وكان أهلها صناعاً للحريات وأبطالاً للمقاومة لم يهزمهم سوي الفقر الذي كان شريكا أساسيا في عصر «المخلوع».
حارب البولاقيون مشروع «القاهرة الكبري 2050» لأنهم اشتموا رائحة الطامعين من أصحاب السيجار في اليد المزدانة بالساعات الذهبية والياقات المعطرة ببارفانات باريسية لكنهم فتحوا صدورهم للموت في سبيل مشروع «مصر الحرة 2011».
قالوا علينا بلطجية وإحنا تاريخ الوطنية هكذا هب أهالي بولاق أبوالعلا يهتفون ضد اتهامهم بالتعدي علي المتظاهرين أيام اشتعال ثورة يناير، خرج شباب الحي العريق ليؤكدوا أمام الجميع وقوفهم بشدة ضد محاولات إلصاق أعمال العنف تجاه الثوار بالميدان وأمام ماسبيرو، كان من بين الثائرين «هاني السايس» الذي اجتهد في تنظيم وقوف السيارات بالتوازي مع رصيف كورنيش النيل يمسح عرقاً تساقط من فوق جبينه، وقال في حماس ممزوج بالغضب: إحنا جدعان بولاق.. طلعنا من بيوتنا وجرينا في الميدان وقلنا للظلم لأ ومات مننا شباب زي الورد واتصاب كتير.
حاولت تهدئته قائلا: هذا الكلام تردد حينما حدثت اشتباكات أمام ماسبيرو وأذاع التليفزيون وقتها أن أهالي بولاق يعتدون علي المعتصمين لكننا نعلم جيدا تاريخ بولاق فلا تغضب وكلنا مصريون.
وضع الشاب فوطة صفراء علي رأسه يحميها من حرارة الشمس أو من انفجار الغضب بداخله.. «إحنا عملنا لجان شعبية لحماية الثوار وقمنا بحماية موظفي التليفزيون من اعتداء ناس غريبة متسلطة عليهم.. أشاح الرجل بوجهه وقال: انتوا مابتقروش تاريخ؟! بدت كلماته وكأنها تعيد حكايات وروايات الجبرتي عن دور أهالي بولاق أبو العلا من جديد في إشعال ثورة القاهرة الذي كشف عن معدن أهل البلد الأصيل الذين ثاروا وحاربوا وقاوموا بالنبابيت والعصي وقليل من البنادق في مواجهة أحدث الأسلحة وقتها في يد عسكر نابليون قائد الحملة الفرنسية والذي فطن منذ أن جاء إلي القاهرة في عام 1798 إلي أهمية موقع بولاق فهي نقطة الانطلاق إلي الوجه البحري كله، فمهد الأرض بخط مستقيم من الأزبكية إلي بولاق بطول 1200 متر من قنطرة المغربي إلي بولاق ثم ينقسم إلي قسمين أحدهما إلي طريق أبوالعلا والثاني يذهب إلي جهة التبانة وساحل النيل.. وأقام الفرنسيون محاجر صحية بجزيرة بولاق، كما أقاموا بها طابية «رنزلو» وسبتزر وكونرو لاكتشافهم الأهمية الحربية لبولاق، كما وضعوا علي نيل بولاق قاعدة بحرية للأسطول الفرنسي، ويؤكد الجبرتي أن أهالي بولاق هم قادة ثورة القاهرة الثانية وكذلك الرافعي، بل شهد بذلك قادة الحملة الفرنسية أنفسهم وذلك في 20 مارس عام 1800 من القرن 19، وكان من زعماء الثورة السيد عمر مكرم والسيد أحمد المحروقي كبير التجار، وفي ذلك قال الجبرتي: أما بولاق فإنها قامت علي ساق واحدة بزعامة مصطفي البشتيلي من أعيان بولاق وحمل وقتها الأهالي السيوف والبنادق والرماح والعصي واتجهوا صوب قلعة كامان عند قنطرة الليمون أو كوبري الليمون لاقتحامها والاستيلاء علي ما بها من أسلحة فرنسية وفوجئ «كليبر» بحصون أقامها أهالي بولاق محل الوكالات والمخازن وسيطروا علي الملاحة في النيل ودفع الأهالي ثمن مقاومة المحتل من دمائهم حينما دمرها الفرنسيون وخربوا بيوتهم واستشهد عدد كبير من النساء والأطفال تحت الأنقاض مثلما وصف «مسيو جالان» مؤرخ الثورة الفرنسية، ويقال إن المذابح التي ارتكبها كليبر تجاه أهالي بولاق كانت سببا مهما في قتله علي يد سليمان الحلبي.
عندما تنطلق إلي حي بولاق أبوالعلا من كورنيش النيل تري النيل بمنظره الساحر والمباني الشاهقة كمركز التجارة العالمي والمركز الرئيسي للبنك الأهلي والمول التجاري الشهير وبرجين يعلوهما أربع قباب تخفي خلفها حيا ينطوي علي حكايات أصحابه من أولاد البلد «الغلابة»، فهل هي البحيرة الجميلة اي «بو» «لاك» بالفرنسية.. أم هي السفينة الغارقة التي علت فوقها مياه النيل وطميه وتكونت فوقها الأرض التي يعيش فوقها الآن أكثر من 4 آلاف أسرة علي حوالي 72 فدانا.. هل هي حلم المستثمرين العمالقة الطامعين فيما يسمي بمثلث ماسبيرو لينطلقوا بها نحو «العالمية» وهذا بالضبط هو المشروع الذي تبنته حكومات نظام مبارك في بولاق جديدة عام 2050، حيث سارت أحلام كبار رجال الأعمال تستقوي بمخاوف آلاف الأسر القاطنين بيوتًا قالوا وقتها إن 90٪ منها آيل للسقوط.
وكأنه حق يراد به باطل، فمساحات البيوت هنا تتراوح بين 10 و20 و30 مترا في نمط إسكاني غريب يقطن فيها أكثر من 5 أسر في شقة واحدة ويستعملون دورة مياه واحدة ويصعدون علي سلالم متهالكة تسقط بأطفالهم كثيرًا.. في حارات كالعدوية وسيدي سعيد والبوابة.. وبقايا من ربع الرز.. درب الجمالة والجلاويش والحارة التي تضم مقام «سيدي الاخرس» التي تبدو كأنها منحت السكان نصيبا من اسم صاحب المقام.. فقاطعوا الكلام عن أحوالهم وعلي رأي الست فاطمة: «اللي مايشوفش م الغربال يبقي أعمي» قالت هذا متهكمة علي سؤالي لها عن أحوالها وهي التي رغم كل ذلك تود أن تموت في حجرتها الضيقة محتضنة أطفالها اليتامي خير من أن ينتزعوها من أحضان حارتها ليلقوا بها في صحراء 6 أكتوبر كما يقول «الناس الكبار» علي حد تعبيرها.
لكن عم محمد نعمان الذي ولد هنا في «العدلية» لأب وجد من أهالي بولاق تكلم كثيرا عن الأحوال التي لم تعجبه بعد الثورة والبلطجية الذين انتشروا وبات علي كل شخص أن يحرس بيته وحارته قال الحاج نعمان: والله كنت أزور سيدي سعيد ودعوته أن يرد الأمان لمصر ويكمل ثورتها بالنجاح لأننا دفعنا دماء خيرة شبابنا من أجل أن يتولي الأصلح.. ثم قطع الرجل حديث السياسة قائلا: كان فيه زمان أبيار نتوضي منها وتشفي أي مريض لأنه من أهل الرسول- ثم عاد ليقول: «البلطجية كانوا زمان والسادات هد عشش الترجمان ليطهر بولاق ممن أساءوا إليها بتوع المخدرات والدعارة الله لا يرجعهم لكن للأسف حاليا فيه شوية حرامية وعاملين نفسهم فتوات لكن الفتوات كانوا زمان أيام حسن يم وإبراهيم كروم.. وبصراحة أوضاع البلد حاليا خلت الصنايعي قاعد من غير شغل والبلطجي هو اللي ماشي!! المحلات بتتسرق في عز الضهر.
تذكر كتب التاريخ ان العصر الذهبي لبولاق بدأ مع محمد علي باشا عندما أمر بشق الطريق «الساحر» بين القاهرة وضاحية بولاق حيث انشأ والي مصر دارا لصناعة السفن عندما كان يعد لإرسال الحملة الوهابية واستلزم ذلك إنشاء أسطول قوي لمصر في البحر الأحمر فتحولت المنطقة إلي الصناعة وأنشئت المسابك والمصانع في «السبتية» وفيما بين بولاق وشبرا علي ساحل النيل أقيمت الورش الكبري والمطبعة الأميرية ودار الصناعة الكبري وأصبحت بولاق ثغر القاهرة في الشمال وأنشئت أول دار للطباعة في الشرق ومصنع للورق وتحولت بولاق والسبتية إلي منطقة صناعية فيها مسابك الحديد ومصانع الأقمشة وورش النجارة والحدادة وبقي من هذه الصورة الآن تجارة الخردة والحدايد التي تكسو الأرض بالصبغة السوداء لتتشابه مع وجوه الصنايعية من الشباب والأطفال التي اصطبغت بنفس اللون لتخفي ملامح الشقاء في عز الحر.
المشهد يختلف تماما من ناحية شارع 26 يوليو الذي سمي بهذا الاسم بعد ثورة يوليو بعد أن كان اسمه شارع فؤاد الأول وهو الشارع الممتد من حديقة الأزبكية إلي ميت عقبة مخترقا حي بولاق أبوالعلا إلي جزيرة الزمالك عبر كوبري أبوالعلا قديما ثم كوبري الزمالك إلي نهاية سور نادي الترسانة يمينا والزمالك يسارا ليبدأ بعده محور 26 يوليو الذي يمتد ليصل إلي طريق القاهرة- الاسكندرية.. ومن شارع 26 يوليو تجد مبني «الإسعاف» وكانت محلات «البوظة» تنتشر في هذه المنطقة حتي منتصف القرن العشرين وإذا واصلت سيرك في شارع 26 يوليو من هذا الاتجاه تجد علي عينيك مستشفي الجلاء للولادة التي يصر سكان بولاق علي أن اسمه «مستشفي فاروق» وهو الذي يحمل أوجاع النساء في مراحل حملهن الأخيرة ليضعن مواليد هنا في قلب المستشفي النسائي الأشهر في مصر.
معارك
شارع 26 يوليو تغير كثيرا بعد ثورة يناير وكست بضائع الباعة الجائلين الأرصفة وامتدت إلي منتصف الطريق وشكل هؤلاء مع عربات الميكروباص لوحة للفوضي حولت الشارع لعقدة مرورية مزمنة وكثيرا ما يشهد الشارع نشوب الشجار بين الباعة بعضهم البعض، ولعل ما حدث منذ شهرين تقريبا كان أشبه بحرب حقيقية حينما اشتبك الباعة مع رجال الأمن في معارك استمرت لساعات طويلة وأشعلوا قطارات السيارات وهددوا أمن المنطقة بالكامل وأصيب العديد من المحلات بالتلفيات.. هذا اليوم مازال عالقا في ذهن الحاج توفيق الفطاطري الذي جلس علي كرسي عتيق مثل دكانه وجلس يراقب حالة التوهان التي يؤكد أنها أصابت الجميع الآن.. الدكان مفتوح لكن لا أثر لنار أو فطير.
خلاص بطلنا شغل وقعدنا بعدما موتوا الشعب.. وبغضب شديد اكتسي به وجهه: الجدع كان واقف يا ولداه بيعمل الفطير ويشوف أكل عيشه جتله الطلقة في صدره من ولاد الحرام.. من ساعتها وأنا قاعد مش عاوز اشتغل كان صغير واسمه حسن وعنده 4 عيال «كوم لحم» ولا صرفوا حاجة ولا غيره وراح الواد في شربة مية وأنا قرفت والشارع زي ما أنت شايفة اللي عاوز حاجة بيعملها لا فيه ظبط ولا ربط.
الدمياطي والخواجة
تركت الرجل «في حاله» كما طلب مني وكلماته تشق في القلب دروبا من أسي تملكني وأنا أراقب الدكاكين التي جلس أصحابها أمامها مكتوفي الأيدي أمام سطوة الباعة الجائلين وعبث الميكروباص الكل يضرب النظام في مقتل.. كلها دكاكين قديمة تحاول الصمود- الدهان والكبابجي والدمياطي وملك البطاطين وأفران المخبوزات الافرنجية ومحلات التسالي وكثير من المحلات التي غيرت نشاطها أو أضافت نشاطا آخر كإضافة لعب الأطفال والملابس وفرع قديم ل «باتا» جزء من تاريخ مصر الاشتراكي الذي «ذاب» في أنظمة مختلفة بلا ملامح.. وعلي اليمين أيضا محل ساعاتي عتيق هو الأقدم في مصر والعالم العربي كله.
مازلنا في شارع 26 يوليو صدي الزمن الجيل يحارب من أجل البقاء في زمن الفوضي والإهمال.. هنا متحف المركبات الملكية «اسطبلات الملك ورغم ما يحتويه المتحف من مقتنيات خاصة بالملك مثل العربة التي كانت تجرها الخيول وبعض السيارات القيمة ذات الطابع المتميز إلا أن جميع هذه المقتنيات تم تشوينها منذ أكثر من 10 سنوات في حجرة صغيرة من المساحة الكبيرة التي يشغلها المتحف، وهو كما يقول أحد الحراس علي هذا الحال منذ أكثر من 10 سنوات وعندما سألنا عن موعد الانتهاء من هذه الأعمال قال مبتسما: «الله أعلم»!
السلطان
أول ما يطالعك علي رأس بولاق من ناحية شارع 26 يوليو مدخل كورنيش النيل هو هذا المسجد الأكبر والأشهر والأقدم، مسجد السلطان أبو العلا علي بابه كثير من الأتباع والمريدين.. مساكين يجاورون السلطان وكأنهم يعملون بنصيحة كاتب الكلمات علي الباب الكبير «قف علي الباب خاشعا.. حسن الظن فهو باب مجرب لقضاء الحوائج وعلي لافتة أخري «سلطان الأولياء الحسين أبو علي الملقب بالسلطان أبو العلا ويتصل نسبه بالإمام الحسين رضي الله عنه وتوفي عام 895 ه.
في حارة ضيقة أحد جوانب المسجد بعطفة باب السر أكدت لنا إحدي «المديرات» التي تعتبر نفسها خادمة للسلطان أن هنا سرًا يستجاب الدعاء للداعي بإذن الله وليس بفضل السلطان والمسجد بني في عام 1485 ميلاد- 890 ه وتحكي العجوز لنا عن التاجر الخواجة نور الدين الذي بني هذا المسجد بعد أن زاره السلطان في منامه وأمره بالبحث عن زاويته، بينما تشير إحدي الروايات إلي أن المسجد بني محل مسجد آخر بناه الفخر ناظر الجيش، والمسجد مبني علي طراز مدرسة ذات أربعة إيوانات ومنبر فخم ويعد فخر المنابر الإسلامية في عهد المماليك الجراكسة.
ويعد مولد «أبوالعلا» الذي يحل في 13 يوليو من كل عام فرحة لأهالي بولاق ويأتيه محبوه من كل أنحاء المحروسة ويصبح المشهد غاية في الجمال والغرابة خاصة مع مجاورة وزارة الخارجية المصرية التي تلتصق بالمسجد.
كما يوجد في بولاق مسجد سنان وهو أكبر المساجد ببولاق وكذلك مسجد زين العابدين يحيي وهو أقدم المساجد ويقع بشارع الخضرا ويسمي أيضا جامع المحكمة، حيث استخدم كمحكمة في القرن العاشر الهجري حتي عصر محمد علي.
وسط أكوام الملابس المستعملة تلمح «فرحة» المساكين بشراء المستعمل من الملابس المستوردة التي تعد «الوكالة» هي أكبر أسواقها في مصر، أحلام الفقراء بل والطبقة الوسطي وبعض من الأثرياء ظاهريا يجدون في سوق المستعمل ضالتهم، فالملابس «مستوردة» يعني ماركة.. والأسعار «أحسن من الجديد» كما تقول لبني محمود موظفة حيث تؤكد أن «الوكالة رحمة» ولو أن الأسعار أصبحت غالية «عن الأول» وهو الأمر الذي فسره محمود طعيمة تاجر بغلو أسعار البالات وكما تعودنا أن نسمع من الجميع الحال لم يعد مرضيا لأحد.. والسوق نايم وكثير من الزبائن يأتي للفرجة.
من ناحية أخري يؤكد يحيي من كبار تجار «أكوام المستعمل» ان زبائنه مش دايما ناس غلابة ويقسم ان مذيعات وممثلات وموظفات بالتليفزيون يشترين كل لوازمهن منه وهو يتصل بهن عندما تصله البالة الجديدة.
عشش الترجمان
لم أشأن أن أنهي رحلتي في بولاق أبوالعلا إلا في شارع الصحافة.. هنا.. أقدم المؤسسات الصحفية في مصر أخبار اليوم والأهرام التي انتقلتا من شارع شريف في أواخر الخمسينيات وهنا تحققت أحلام الأخوين علي ومصطفي أمين حيث باع الأخوان ذهب الأم لينشئا المبني الدائري الأشهر في عالم الصحافة وليصبح رمزا لأخبار اليوم، وهنا لم تعد لعشش الترجمان أثر بعد أن هدمها السادات حيث أصبح رئيسا للجمهورية وكان قد اختبأ بها في فترة مهمة من فترات كفاحه السياسي وعلي يمين الشارع ميناء القاهرة البري الذي أنشئ علي مساحة كبيرة كانت تحتلها العشش من قبل، لم تتطور بولاق كثيرا، ولم تتغير إلي حد «التحول الحقيقي» عيناك تقع علي أبنية الصحافة ومحطة الأتوبيس الكبري والمول التجاري الحديث.. وتقع عيناك أيضا علي حواري ضيقة وبيوت آيلة للسقوط يخشي ساكنوها من التشرد إن هدمت.. ولا تستطيع أن تغمض عينيك عندما تري الأحلام الضائعة في عيون أطفال تعبث بأكياس بلاستيكية قديمة أو تلهو بمرجيحة تصعد بها للسماء وتهبط فجأة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.