أراد الانتقام من طليقته، فأحرقها وأحرق معها كل معانى الإنسانية، أزهق أرواح أطفاله الأربعة فى لحظة جنون، أثبت بفعلته أن صنوفا من البشر تتفوق على الشيطان فى انحرافها، لقد نال المجرم مراده وحقق انتقامه المنشود، وترك لنا حزنا لن ينتهى فى القريب العاجل على ضحايا أبرياء فى عمر الزهور واجهن بشاعة الموت حرقا، ولسخرية القدر استعان المجرم بصديق له ليشد من أزره إذا غلبته العاطفة وتراجع عن جريمته، وكيف يكون لهذا المعتوه مشاعر أو قلب ينبض. مسرح الجريمة مشهد يدمى القلوب، جثث متفحمة فى الشقة وأخرى ملقاة فى الشارع بعد قفزهم من الشرفة طلبا للنجاة وهربا من لفح النيران، لحظات مريرة من الرعب عاشها الضحايا وذكريات أليمة ستصاحب الناجين من المجزرة إلى باب القبر من هول الموقف. ارتسمت ملامح الهدوء وتبلد المشاعر على وجهه، مظلوم إبراهيم عطية «جزار» فى العقد الخامس من عمره، بدأ يروى تفاصيل جريمته أمام المقدم محمد دويدار رئيس مباحث قسم السلام أول قائلا: «انفصلت عن زوجتى منذ 8 شهور بسبب كثرة الشجار بيننا لرفضها إدمانى المخدرات والغياب المتكرر عن المنزل، كما أن حماتى لا تحبنى ودائما تتدخل فى حياتنا وتتمنى طلاقى لابنتها، احتفظت ببناتى الأربع للإقامة معى، وذهبت هى تعيش فى منزل أسرتها، منذ أسبوع توجهت إليها لتسليمها البنات في محاولة لإنهاء الخلافات بيننا ولم الشمل مرة أخرى، ولكنها صممت على الرفض وتشاجرت معى بتشجيع من والدتها، فقررت الانتقام من الجميع، واختمرت في ذهنى فكرة إضرام النيران بالشقة لتأديبهم وبث الرعب فى قلوبهم»، مضيفا: «فى إحدى الليالى كنت اجلس مع صديق لى يعمل حدادًا نتعاطى المخدرات، وطلبت منه مساعدتى ،وشرحت له خطتى فى الانتقام من طليقتى، فوافق وشجعنى عليها»، واستكمل روايته قائلا: «قمت بشراء جركن بنزين، وتوجهنا سويا إلى منزل اسرتها، وعند وصولنا أسفل العقار، طلبت منه الانتظار بالأسفل ومراقبة المكان، ثم صعدت بمفردى مستقلا المصعد باستخدام كارت التشغيل الخاص به والذي كنت محتفظا به لنفسى»، توقف قليلا يلتقط أنفاسه ثم أضاف: «وقفت أمام باب الشقة وجركن البنزين بيدى، تذكرت بناتى والأذى الذى قد يصيبهن، فشلت فى تنفيذ خطتى وتغلبت علىّ مشاعرى، فاتجهت مسرعا إلى صديقى بالأسفل، وطلبت منه أن يقوم هو بالمهمة، فقام الأخير بالصعود،وأضرم النيران بباب الشقة ما أدى لاشتعالها وتركنا المكان مسرعين، واختتم مظلوم كلامه فى التحقيقات بأنه غضب أن حماته لم تكن موجودة فى المنزل وقت الحادث ولم يصبها سوء، متوعدا إياها بالانتقام عندما تسنح له الفرصة، لأنها السبب فى كل ما حدث، على حد قوله. لحظات من الرعب والهلع عايشها الضحايا بعد أن تمكنت النار من محتويات الشقة وارتفعت ألسنة اللهب تأكل كل ما يقف بطريقها، تروى سارة على محمد، وشقيقتها سماح «شقيقتا الضحية» والناجيتين الوحيدتين تفاصيل الحادث المؤلم، بصوت ضعيف يملؤه الحزن قالت: «عشنا كابوسا لن يفارقنا مدى الحياة، شاهدت شقيقتى وبناتها يلقين مصيرا مفجعا أمام أعيننا وكدنا نلحقهن ولكن القدر أراد لنا الحياة لنتجرع المعاناة والألم على فراقهن» ،استجمعت قواها الخائرة وقالت: «كنا نياما بعد أن سهرنا حتى ساعة متأخرة من الليل، وصحونا على مشهد النيران بالصالة وتصاعد ألسنة اللهب والدخان الكثيف، وارتفع الصراخ ودب الذعر فى قلوب الجميع، أضافت: سرعة النيران شلت تفكيرنا، وشاهدت شقيقتى «عزة» تحاول إنقاذ رضيعتها رحمه «عامان» ولكن النيران التهمتهما بسرعة شديدة، ومع الذعر الذى أصاب الجميع شاهدت سارة «صديقة شقيقتى» والتى تصادف وجودها معنا وقت الحادث تقفز من شرفة الشقة، ثم تبعتها نور «12سنة» وإيمان «10 سنوات»، «نجلتا شقيقتى» بعد أن حاصرتهن النيران وشاهدن النيران التهمت والدتهن وأشقاءهن أمام أعينهن، ولم نشعر بأنفسنا بعد أن فقدنا الوعى إلا فى المستشفى. العميد أحمد الألفى، رئيس مباحث قطاع شرق العاصمة تلقى بلاغا يفيد نشوب حريق فى شقة بأحد العقارات وسقوط ضحايا ومصابين، فانتقل على الفور يرافقه العقيد بهاء الشافعى، مفتش المباحث، وفوجئا بمشهد جثتين لطفلتين فى العاشرة والثانية عشرة من عمرهما مضرجتين بالدماء أسفل العقار بسبب سقوطها من علو، وجسد لامرأة ثلاثينية ترقد على مقربة منهما، مصابة بكسور بجميع أنحاء الجسم نتيجة قفزها من الشرفة هربا من الحريق، بالصعود إلى الشقة اكتملت تفاصيل الصورة المحزنة حيث تحتضن الأم رضيعتها متفحمتين، وعلى بعد خطوات كانت جثة أخرى ممددة لفتاة فى الثامنة من عمرها، وفى إحدى الغرف كانت ترقد سيدتان بلا حراك وبفحصهما تبين أنهما على قيد الحياة وفى حالة فقدان للوعى نتيجة الصدمة واستنشاق الدخان الكثيف، وعلى الفور تم نقلهما إلى المستشفى وإنقاذهما. من المتسبب فى إزهاق كل هذه الأرواح وما دافعه للجريمة، سؤال ظل يدور فى أذهان رجال المباحث بحثا عن إجابة، حتى التقط المقدم محمد دويدار رئيس المباحث طرف الخيط من شاهد عيان مقيم بالطابق الخامس بالعقار، قرر بمشاهدته للمتهم ومعه شخص آخر أثناء نزولهما من العقار وقت ارتكاب الجريمة يلوذان بالفرار، فألقى القبض عليهما واعترفا بفعلتهما.