لعب الدستور الكويتى دورًا رائدًا في إقامة حياة ديمقراطية ناضجة في البلاد وذلك عبر ما تضمنه من مواد جاءت متفقة مع التزام المجتمع الدولي بالتوجه نحو المزيد من توفير الديمقراطية والعدالة والحرية للشعوب، فعلي الرغم من صدوره مطلع ستينيات القرن الماضي فإنه لم يغفل تلك الجوانب، بل وضع المشرع الدستوري لها مواداً وأبواباً مستقلة بين جنباته. وبالإمكان التعرف علي المكانة المتميزة التي يحتلها الدستور الكويتى بين دساتير الأمم من خلال التعرف علي رؤية العالم الخارجي له والتي قطعاً تستند الى معايير موضوعية بعيدة كل البعد عن أي محاباة، ومن أبرزها: التقرير الدولي لحرية الاديان وهو تقرير أمريكي معني برصد أوضاع الحريات الدينية علي مستوي العالم، والذي أكد أن الدستور الكويتي قد وفر حرية مطلقة للمعتقدات وحرية مماثلة للممارسات الدينية بما يتوافق مع التقاليد السارية في المجتمع. وفي ذات السياق، تبرز إشادة السيناتور «فيليب ماريني» رئيس مجموعة الصداقة الفرنسية العربية الخليجية في مجلس الشيوخ الفرنسي بالتجربة الديمقراطية في الكويت والتي يري أنها مثلت عامل استقرار رئيسياً في منطقة الشرق الأوسط، ضاربة نموذجاً يحتذي به في ميدان الديمقراطية في منطقة الخليج العربي علي نحو خاص. الديوانية.. شجرة الديمقراطية المعاصرة لم تكن الديمقراطية التي تحياها دولة الكويت حاليا بالأمر المستحدث بل كان لها جذور ممتدة في تاريخ الأمة الكويتية والتي رأي حكامها المتعاقبون أنها السبيل والطريق الأمثل لقوة الدولة وتلاحم أبنائها وبنائها علي أركان ثابتة لا تعصف بها الرياح، فاستطاعوا أن يرسوا بسفينة الوطن إلي برالأمان وسط ما يحيط بالمنطقة العربية من أمواج عاتية لم يسلم من نتائجها الكارثية إلا القليل من الدول والتي كانت الكويت بفضل من الله ثم الحنكة السياسية لقيادتها وديمقراطيتها قادرة علي أن تكون بمنأى عنها. وبالبحث في صفحات التاريخ نجد أن العلاقة بين الحاكم والمحكوم في الكويت قامت على قاعدة رئيسية مؤداها التفاهم والشورى وتبادل الرأي، فكانت حرية الرأي مكفولة لجميع أبناء الشعب الذين يعبرون دون أدني خوف أو تردد عما يساورهم من مخاوف أو يراودهم من أفكار تهدف للإصلاح والتنمية ورفعة شأن الوطن الغالي العزيز، فعرف الكويتيون الديمقراطية بفطرتهم النقية وسماحتهم منذ أواسط القرن الثامن عشر، حيث لعبت «الديوانية» دورا كبيرا في هذا الشأن، والديوانية لمن لا يعرفها هي صورة مصغرة للبرلمان الذي عرفته الدولة القومية الحديثة، فكان الرجال يتجمعون فيها عادة بعد صلاة العشاء من كل يوم أو يوما في الأسبوع، ويتجازبون أطراف الحديث في جميع الشئون العامة والخاصة الداخلية منها والخارجية علي حد سواء، لذا مثلت تربة خصبة لنشأة الحياة السياسية والديمقراطية في البلاد. ومع الانفتاح علي العالم الخارجي بدا الاهتمام بعملية مأسسة المشاركة الشعبية في صنع القرار والتي كان من مفرزاتها المجلس التشريعي الذي تأسس في أواخر يونيو من عام 1938 والذي عُد أول برلمان شعبي في منطقة الخليج العربي يمارس المشاركة في الحكم، فكانت الكويت كعادتها سباقة في نشر الديمقراطية عبر ذلك النموذج. ازدهار الممارسة الديمقراطية في أعقاب حصول الكويت علي استقلالها في التاسع عشر من شهر يونيو لعام 1961 في عهد الشيخ عبدالله السالم الصباح أمير الكويت الراحل وذلك بإلغائها معاهدة 1899 مع بريطانيا العظمي، بدأت البلاد الدخول في مرحلة سياسية جديدة، حيث بدأ المسئولون فيها التمهيد لقيام نظام دستوري ديمقراطي يكفل لأبناء الشعب حقوقهم وحرياتهم ويوفر لهم دوراً في المشاركة في الحكم وإدارة شئون البلاد، فانطلقت تلك المسيرة بصدور مرسوم أميري في 26 أغسطس من العام ذاته بالدعوة لإجراء انتخابات عامة لمجلس تأسيسي يتولي إعداد دستور دائم للبلاد، وقد اجريت الانتخابات وتم تشكيل المجلس التأسيسي من عشرين عضوا منتخبا وأحد عشر وزيرا يعدون أعضاء بالمجلس بحكم وظائفهم، وتم في الجلسة السادسة للمجلس التأسيسي انتخاب أعضاء لجنة الدستور التي ضمت: (يعقوب الحميضي، وعبد اللطيف ثنيان الغانم، والشيخ سعد العبد الله الصباح، وحمود الزيد الخالد، وسعود العبد الرزاق). وقد كان لمصر بصمتها الواضحة على الدستور الكويتى، حيث شارك في وضعه الخبير القانوني للحكومة محسن الحافظ والدستوري عثمان خليل عثمان، وكلاهما مصريان تمت الاستعانة بهما من الجمهورية العربية المتحدة في ذلك الحين، وقد حرص هذا المجلس في إعداده لوثيقة الدستورعلي صياغة نظام الحكم مستمداً من المبادئ الديمقراطية المستوحاة من واقع الكويت آنذاك وأهدافها المستقبلية. وهو ما قد كان فتم رفع الدستور إلي الأمير وصدق عليه وأصدره في 11 نوفمبر 1962 ونشر بالجريدة الرسمية في اليوم التالي، ثم صدر بعد ذلك القانون رقم 35 لعام 1962 في شأن انتخاب أعضاء مجلس الأمة والذي أجريت علي أساسه الانتخابات البرلمانية في يناير عام 1963، ووفقا للأسس الدستورية الجديدة شكلت أول وزارة في النظام البرلماني الكويتي في 28 يناير من العام ذاته. منجم حقوق ! احتوي الدستور الكويتى على 183 مادة مقسمة على خمسة أبواب، الأول يعنى بالدولة ونظام الحكم، الثاني يتعلق بالمقومات الأساسية للمجتمع الكويتي، والثالث خاص بالحقوق والواجبات العامة، أما الباب الرابع فيشمل خمسة فصول هي الأحكام العامة، رئيس الدولة، السلطة التشريعية، السلطة التنفيذية وفي فصلها ثلاثة أفرع هي الوزارة، والشئون المالية، والشئون العسكرية، وأخيرا الفصل الخامس الذي يعنى بالسلطة القضائية، أما الباب الخامس فيتعلق بالأحكام العامة الوقتية والإجراءات الواجب اتباعها لتعديل أي مادة في الدستور. هذا وقد أخذ النظام الدستوري في الكويت بمبدأ الفصل بين السلطات مع تعاونها فلا يجوز لأي منها التنازل عن بعض أو كل اختصاصاتها وذلك بموجب المادة 50 من الدستور، وقد منح النظام الدستوري الكويتي كلا من الوزارة ومجلس الأمة وسائل للتأثير أو رقابة متبادلة بينهما ولايعد هذا خروجاً علي مبدأ الفصل بين السلطتين التشريعية والتنفيذية لأن النظام الدستوري الكويتي لم يطبق هذا المبدأ بشكل جامد وإنما بشكل مرن فأوجد نوعاً من التعاون والتداخل والرقابة المتبادلة بين هاتين السلطتين، ويزخر تاريخ الحياة النيابية في البلاد بحالات شهدت ممارسة فعلية لوسائل الرقابة المتبادلة بين كل من الوزارة ومجلس الأمة. وقد لعب مجلس الأمة الكويتي دوراً رئيسياً في تعزيز الديمقراطية، نبع من كيفية طرح النواب لقضاياهم الرئيسية ومعالجتها معالجة تتفق مع تطلعات وطموحات الشعب الكويتي، ومحافظتهم على الديمقراطية بأن تكون تلك الممارسة النيابية داخل إطارها المفترض والذي يحقق المصلحة العامة، فأعمال المجلس عكست بجلاء الديمقراطية التي تحيا فيها البلاد، ولذا فإنه كلما نجح المجلس في تحديد أولويات أجندته التشريعية وتوجيه أدواته الرقابية لحل المشاكل في البلاد تزداد الديمقراطية تعززاً ورسوخاً. وقد اقتبس الدستور الكويتي المبادئ النيرة التى قام عليها من الدساتير العالمية التي سبقته كالدساتير الفرنسية والأمريكية والمصرية كما اقتبس الكثير من المبادئ من الاعلان العالمي لحقوق الانسان الذي تم إقراره في العاشر من ديسمبر عام 1948، لذلك فالكثير من نصوصه تتحدث عن صميم مبادئ حقوق الانسان ووجوب احترامها وبذلك يعد الدستور منجم ذهب لهذه الحقوق التي أوصى بصونها، علاوة على تبنيه الكثير من الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تحفظ للمرأة حقها في المساواة الكاملة مع الرجل دون تمييز، حيث يضم مواد نصت وأقرت حقوق المرأة في المساواة الكاملة في الكرامة الانسانية والحقوق والواجبات كما ساوت بين جميع المواطنين دون تمييز او تفرقة ولإيمانها بذلك انضمت الكويت الى الكثير من اتفاقيات الاممالمتحدة الرئيسية التي تحفظ حقوق الانسان مثل: العهدين الدوليين الخاصين بالحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لعام 1966 واتفاقية مناهضة التعذيب وغيرها من ضروب المعاملة او العقوبة القاسية او اللاانسانية او المهينة لعام 1984 واتفاقية حقوق الطفل لعام 1996 واتفاقية القضاء على جميع اشكال التمييز العنصري عام 2003 واتفاقية القضاء على جميع اشكال التمييز ضد المرأة لعام 2006.