على رغم تصريحات الحكومة من آن لآخر بإجراء إصلاح فى منظومة التأمين الصحى, فإن الواقع المرير يؤكد انهيار هذه المنظومة، وأن هيئة التأمين الصحي على فوهة بركان. بل إن هناك تخبطًا كبيرًا في ملف التأمين الصحي، حيث يتم تحميله بملايين المرضى دون اعتمادات مالية توازي التكلفة الحقيقية، ما أدى إلى عدم قدرة التأمين الصحي علي دفع أجور عادلة للأطباء. وفيما يؤكد ذلك أن استشاري جراحة المخ حسب تقديرات نقابة الأطباء يتقاضى 64 جنيهًا فقط في جراحة فتح مخ، واستشارى التخدير يتقاضى عشرين جنيهًا في جراحة قلب، وهناك أطباء مجمل راتبهم 1500 جنيه بعد 10 سنوات عمل بالتأمين الصحي، الأمر الذى يجعل الأطباء عاجزين عن تقديم خدمة لائقة للمواطن البسيط. وعلى خلفية هذا الوضع جاء تقرير المجلس القومي لحقوق الإنسان الذي تضمن عدة انتقادات لمشروع قانون التأمين الصحى الذى أعدته وزارة الصحة مؤخرا، وتمت مناقشته فى لجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية بالمجلس بحضور نخبة من الخبراء والمعنيين بتطوير نظام الرعاية في مصر، إضافة إلى ممثلي وزارة الصحة، الهيئة العامة للتأمين الصحي، النقابات المعنية، ومنظمات المجتمع المدني. وقال محمد فايق رئيس المجلس إنه لابد من إيلاء أهمية لعملية الإصلاح الصحي في مصر حماية لحقوق المواطن المصري. مشيرا إلى المواثيق الدولية التي تضمنت التأكيد على أحقية الإنسان في التمتع بالرعاية الصحية المتكاملة وفقاً لمعايير الجودة، الأمر الذي أكده الدستور المصري، والذي أصبحت الدولة بمقتضاه ملتزمة بإقامة نظام تأمين صحى شامل لجميع المصريين يغطى كل الأمراض. وأضاف رئيس المجلس أننا قمنا بتنظيم العديد من الأنشطة المعنية بإصلاح المنظومة الصحية فى مصر، وأكد ضرورة مراجعة كافة التشريعات واللوائح المنظمة للقطاع الصحى، وتعميم التأمين الصحى الشامل على جميع المواطنين مع تشاركهم فى حزمة علاجية واحدة شاملة.. فى ذات السياق تطرق ممثلو لجنة إعداد قانون التأمين الصحي الشامل لأهمية تبني هذا المشروع المقترح خاصة أن إصلاح القطاع الصحي في مصر يأتي علي أولوية أجندة الحكومة المصرية في الوقت الحالي. ومع تطبيق نظام التأمين الصحي الاجتماعي الشامل سيتم التغلب علي المشاكل التي يعاني منها قطاع التأمين الصحي في مصر بشكل عام الأمر الذي يسهم في مواجهة التحديات التي يعاني منها القطاع الصحي في مصر، خاصة ما يتعلق بمستوى جودة الخدمات الصحية المقدمة للمواطنين، وعدم تكامل أنظمة التأمين الصحي، الأمر الذي يؤدي إلى عدم وصول خدمات التأمين الصحي لجميع فئات المجتمع، بالإضافة إلى ارتفاع الإنفاق الشخصي على الخدمات الصحية والذي وصل أكثر من 60% من إجمالي الإنفاق على الصحة في مصر، ونقص البنية التحتية المجهزة والموارد البشرية الكافية والمدربة وغيرها من المشكلات. واعتبر ممثلو اللجنة أن ذلك يمثل دافعاً رئيسياً لتبني الحكومة المصرية مشروع التأمين الصحي الاجتماعي الشامل الجديد كخطوة أساسية لإصلاح القطاع الصحي وتحقيق التغطية الصحية الشاملة. وكان من أبرز الانتقادات التي وجهها المجلس لمشروع القانون إعادة تعريف المصطلحات الواردة بالقانون بشكل دقيق ومحدد. وعدم النص بوضوح على طبيعة الهيئة العامة للتأمين الصحى كهيئة خدمية غير ربحية. وعدم الفصل بين التمويل وتقديم الخدمة، وتبعية إدارات التمويل والخدمة والرقابة لمجلس الوزراء، الأمر الذي قد يعوق تطبيق فكرة فصل التمويل عن الخدمة عن الرقابة وإمكانية تعديل قيمة الاشتراكات والمساهمات فى حالة حدوث عجز فى ميزانية التأمين الصحى، وإمكانية فرض رسوم عند إجراء التحاليل والأشعات. وبالتالي يزيد ما يدفعه المواطن عن الاشتراكات (التى تدفع وحدها حاليا) إلى اشتراكات ومساهمات، وهى الدفع مقابل كل خدمة فى العيادة الخارجية. وطالب المجلس بوضع الأطباء وغيرهم من العاملين فى القطاع الحكومى بعد التعاقد مع هيئة المستشفيات والرعاية الصحية، حيث إن هيئة الرعاية الصحية تعتمد الهيكل التنظيمى للموظفين دون التقيد باللوائح والنظم المعمول بها فى الهيئات العامة والحكومية فى هذا الشأن. وانتقد المجلس في تقرير له عدم وجود تعريف لغير القادرين بالقانون، والاستناد في هذا الشأن الى تعريف وزارة التضامن الاجتماعى لغير القادرين. والتي تعدهم «من يتلقون إعانة من الضمان الاجتماعى»، وبالطبع لا يمثل هؤلاء سوى نسبة محدودة من غير القادرين. كذلك توسع مشروع القانون فى وعاء الأجر الخاضع للاشتراك ولم يكتف بالأجر المنصوص عليه فى جداول التوظيف أو الفقر وإنما تم مده الى الحوافز والبدلات والعمولات مع الاخذ فى الاعتبار أية زيادات تطرأ على الأجر مستقبلاً وهو 1% من الأجر على ما تم ذكره بينما حصة صاحب العمل «الحكومة – قطاع عام – خاص... إلخ» 3% من الحد الأدنى للاجور. وقدم المجلس عدة مقترحات أهمها ضرورة مناقشة مشروع القانون بشكل تفصيلي بحضور الخبراء القانونيين والمعنيين وممثلى الجهات التنفيذية للتوصل إلى أفضل التوصيات والمقترحات الواجب مراعاتها فى صياغة قانون يحمى ويعزز الحقوق الصحية للمواطن المصري قبل تقديمه إلى مجلس النواب، وعرض مشروع القانون على الرأي العام والجهات المعنية بشكل رسمي بغرض التوافق المجتمعي كذلك مراعاة أن نظام التأمين الصحى الاجتماعى الشامل نظام إلزامى يقوم على التكافل الاجتماعى وتغطى مظلته جميع المواطنين المشتركة داخل جمهورية مصر العربية، وتتحمل الدولة أعباءه عن غير القادرين تدريجيا وأن يكون العمل فى هيئة التأمين الصحى على أساس التفرغ. وطالب المجلس بتشكيل جمعية عمومية للتأمين الصحى من ممثلى المنتفعين بالتأمين الصحى من كل فئات العاملين فى مصر من خلال نقاباتهم وهيئاتهم التمثيلية وتشكيل مجلس ادارة منتخب من الجمعية العمومية يضم خبراء الإدارة والتأمين الصحى والتمويل للسنوات الخمس القادمة, وأن يمثل متلقى الخدمة من العمال والفلاحين والموظفين وأصحاب المعاشات في مجلس إدارة الهيئة العامة للرعاية الصحية ويمثل المجتمع المدنى واحد على الأقل. وأكد أنه لابد من تحديد مفهوم غير القادرين وفقا للحد الأعلى لخط الفقر الذى يقوم بحسابه الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء مع إيضاح موقف الفلاحين ووضعهم في هذا القانون وإعداد دراسة اكتوارية توضح التكاليف والايرادات المتوقعة والفترة الزمنية المطلوبة للتغطية الشاملة لنظام التأمين الصحي لكافة المصريين. وقد أوضح ممثلو لجنة إعداد القانون أن المشروع المقترح يتضمن أن يعد القانون نظاما تكافليا اجتماعيا يقدم تغطية صحية شاملة لكافة أفراد الأسرة بجودة عالية، ويعفي غير القادرين. وإنشاء ثلاث هيئات لتطبيق القانون الجديد، هى هيئة إدارة وتمويل التأمين الصحى الاجتماعى الشامل، وهيئة المستشفيات والرعاية، والهيئة العامة للرقابة الصحية. والفصل بين تقديم الخدمة والجهة التى تتولى إدارة وتقييم مقدمى الخدمة، لضمان تقديم أفضل الخدمات. وانتهي تقرير المجلس إلى ضرورة استمرار زيادة النسبة المخصصة من الإنفاق الحكومى للصحة من الناتج القومى الإجمالى بنسبة تتفق مع المعدلات العالمية، وبحد أدنى للإنفاق الحكومى تعادل 3 % من الناتج القومى الاجمالى وفقا لدستور 2014 وأن يتم تطبيق نظم الجودة وفقا للمعايير الدولية بالمستشفيات والمرافق الطبية على مستوى محافظات الجمهورية وأن يتم الإسراع في تنمية مهارات وتحسين أوضاع الأطباء وهيئات التمريض والعاملين فى القطاع الصحى، مع رعاية حقوقهم المادية والأدبية ووضع خطة لتطوير التعليم الطبي وفقا لمعايير الجودة العالمية، والتوسع فى تخصصاته كافة. كما أكد تقرير المجلس أن يتم اعتماد قانون جديد للتأمين الصحي الاجتماعي الشامل تراعى فى تحديد اشتراكاته القدرات المالية للمشترك وتتحمل الدولة قيمة الاشتراك لغير القادرين على أن يتم تعريفهم في القانون.