\r\n وقد كان لافتاً لدى المراقبين مدى انخراط الشعب الصيني الذي تابع الألعاب بكثافة وتعامل معها كحدث وطني وقضية قومية تستدعي الدعم والمشاركة الفاعلة لإنجاحها، وليس مجرد أداة في يد النظام، كما أشاعت وسائل الإعلام الغربية. \r\n \r\n الأكثر من ذلك أن الصين كانت أكبر المنتصرين في الألعاب الأولمبية بعدما حققت نتائج مبهرة واحتلت المرتبة الأولى في لائحة الميداليات الذهبية متقدمة على الولاياتالمتحدة (51 ميدالية ذهبية مقابل 36 لواشنطن)، وهي المرة الأولى في تاريخ الألعاب الأولمبية التي تتفوق فيها الصين على أميركا، وتحتل هذه الأخيرة المرتبة الثانية بعدما اعتادت التربع في القمة. \r\n \r\n الألعاب الأولمبية لم تكن مجرد حدث دعائي للنظام، بل مهرجاناً احتفالياً ضخماً حرص الشعب الصيني على إنجاحه وإبراز الوجه المشرق لبلدهم. \r\n \r\n \r\n ورغم الطابع الرمزي للألعاب الأولمبية واقتصاره على التنافس الرياضي، فإنها فرصة لا تُعوّض لدول العالم لاستعراض تفوقها في جميع المجالات والتباهي بمدى التقدم الذي وصلت إليه. وفي هذا المجال حققت الصين سبقاً واضحاً على باقي الأمم واستطاعت لأول مرة تجاوز الولاياتالمتحدة في عدد الميداليات الذهبية وإطاحتها من عرشها في مؤشر واضح على الحضور الصيني البارز على الساحة الدولية وقوتها الصاعدة. ومع أن الترتيب التقليدي يعطي الأولوية للميداليات الذهبية على ما سواها، فإن تركيز الإعلام الأميركي انصب على المحصلة النهائية التي حازت فيها الولاياتالمتحدة قصب السبق. ولم يقتصر التفوق الصيني على أميركا في الظفر بالميداليات الذهبية، بل أحرزت تقدماً واضحاً على منافسيها في محيطها الآسيوي بتجاوزها لكل من اليابان والهند. فبحصول نيودلهي على ميدالية ذهبية يتيمة أثبتت أنها مازالت بعيدة عن الصين، وأن وزنها الديموجرافي والاقتصادي لم يؤهلها بعد للتنافس مع جارتها القوية. \r\n \r\n ومع أنه ليس من عادة الصينيين التباهي بالإنجازات وهم لذلك لم يكثروا في الحديث عن دلالات الألعاب الأولمبية، فإن التفكير حاضر بقوة في تحول الرياضة إلى مؤشر لما ستصبح عليه الصين من الناحيتين الاقتصادية والاستراتيجية. وباختصار نجحت الصين في إيصال رسالة واضحة وقوية إلى العالم حول أدائها الجيد وإمكاناتها الكبيرة. ومع ذلك شهدت الألعاب الأولمبية بعض الإخفاقات التي ألقت بظلالها على المشاركة الصينية مثل انسحاب الرمز القومي \"ليو كزيانج\" من سباق 110 أمتار حواجز بعدما علق عليه الصينيون آمالا كبيرة للظفر بالميدالية الذهبية. لكن الأكثر إزعاجاً بالنسبة للسلطات الصينية كان حجم المظاهرات الاحتجاجية المنددة بالنظام وتزامنها مع الألعاب الأولمبية، لا سيما وأن التظاهرات الرياضية الكبرى بقدر ما تكون فرصة لعرض الإنجازات والاحتفاء بالقدرات التنظيمية العالمية كما أبانت عنها الصين، فإنها أيضاً تُشكل فرصة لإبراز السلبيات والتركيز عليها. وربما يظهر ذلك أكثر في الحالة الصينية وسجلها في حقوق الإنسان، خاصة وأن أحداث التبت مازالت حاضرة في الأذهان، ولم يمر عليها سوى وقت قصير. \r\n \r\n لكن يبدو أن وسائل الإعلام الغربية التي سعت في مرحلة من المراحل إلى تسليط الضوء على بعض الجوانب السلبية نسيت أن الألعاب الأولمبية لم تكن مجرد حدث دعائي للنظام، بل مهرجاناً احتفالياً ضخماً حرص الشعب الصيني على إنجاحه وإبراز الوجه المشرق لبلدهم. وقد فهم الشعب الصيني أن الانتقادات التي وجهت لبلدهم لم تكن تحركها الغيرة على حقوق الإنسان، كما أن المستهدف بها لم يكن النظام، بل كان يحركها شعور بالغيرة من الصعود المدوي للصين على الساحة الدولية واكتساحها للمجال الرياضي. واليوم بعدما اطمأنت الولاياتالمتحدة إلى أنها تخلصت من المنافسة السوفييتية في الألعاب الأولمبية يتعين عليها الانتباه إلى التحدي الصيني الذي ظهر جلياً خلال الدورة الأخيرة. وفي هذا السياق يعزِّي الأميركيون أنفسهم ببطلهم الجديد \"مايكل فيلبس\" الذي دخل التاريخ بإحرازه لثماني ميداليات ذهبية، وهو الإنجاز الذي بدونه لكان التفوق الصيني أكبر. \r\n \r\n وإذا كانت الولاياتالمتحدة قد تراجعت أمام الصين في عدد الميداليات الذهبية، فقد تراجعت فرنسا أيضاً أمام منافستها التقليدية بريطانيا بعدما أحرزت سبع ميداليات ذهبية مقابل عشر للندن، ناهيك طبعاً عن هزيمة باريس أمام العاصمة البريطانية في احتضان الألعاب الأولمبية للعام 2012. \r\n \r\n ولو كانت أوروبا قد شاركت بفريق واحد لتربعت على عرش الميداليات الذهبية، حيث أحرزت دولها مجتمعة 87 ميدالية، لكن الترتيب ينطوي على مغالطة كبيرة لأنه لو وُحدت المشاركة لما استطاع الاتحاد الأوروبي إرسال فريق يضم عدداً كبيراً من الرياضيين، ولما استطاع بالتالي تحقيق الإنجاز الذي ساهمت فيه كل دولة على حدة. وبالإضافة إلى أن أوروبا ليست دولة فيدرالية فإن الرياضة مازالت تشكل عنصراً أساسياً لتأكيد الهوية الوطنية، بل إنه في الوقت الذي تتوفر فيه أوروبا على سوق مشتركة وعملة موحدة وحدود مفتوحة من المهم بالنسبة للبعض الحفاظ على آخر قلاع الوطنية ورموزها المتبقية التي تجسدها الرياضة والمنتخبات القومية. ولا بد من الإشارة في الأخير إلى تنامي دعوات المقاطعة التي ستصبح موضوعاً أثيراً في الألعاب الأولمبية. هذه المطالب التي تختفي وراء تبريرات أخلاقية وذرائع إنسانية، لكن تحركها في الأساس اعتبارات جيوسياسية. \r\n \r\n وفي هذا السياق تبرز الألعاب الشتوية القادمة في العام 2014 التي ستنظمها روسيا واحتمالات التلويح بعصا المقاطعة للضغط على موسكو، بالإضافة إلى الألعاب الأولمبية في كندا وبريطانيا التي لن تكون هي الأخرى بمنأى عن ضغوط المجتمع المدني. لكن باستثناء النقاش الذي تثيره مطالب المقاطعة لدى الرأي العام، فإنه من غير المرجح أن تستجيب الدول لتلك المطالب لأن سلاح المقاطعة في حال استخدامه قد ينقلب على أصحابه. \r\n \r\n \r\n