تخيلوا لو قررت ستوديوهات "هوليوود" تصوير ما يحدث في الشرق الأوسط اليوم، لانسحب أعظم مخرجيها اعترافاً بالعجز فلا خيال بشري يمكنه تأليف مأساة بهذا القدر من العبثية. قديماً، في أيام الحرب الباردة "الجميلة"، كان الصراع منطقياً الاتحاد السوفيتى ضد الولاياتالمتحدة، اشتراكية ضد رأسمالية، وماركسية ضد ليبرالية,المعسكر الشرقى ضد المعسكر الغربى.كانت نزاعات حول الهيمنة السياسية والثقافية. أما اليوم، فقد سقطنا في ثقب أسود، أصبحت السفن الحربية والصواريخ تنطلق لإرضاء خرافات المتطرفين حول العالم. كل طرف يظن أنه يملك "النسخة الأصلية" الموقعة لموعد أحداث العالم ونهايته. نحن لا نواجه مجرد جيوش تبحث عن نصر عسكري، بل نواجه صراع من أجل تعجيل تحقيق نبوءات تستعجل نهاية العالم ..ثلاث أجندات أصبحت تخنق أنفاسنا، وكل واحدة منها تدعي أنها تملك وحدها مفاتيح السماء ..أولها اجندة "الورث" الصهيونى وحلم "إسرائيل الكبرى" الذي لا يعترف بالحدود، بل يريد رسم خريطة من النيل إلى الفرات وتتقاطع معها أجندة تيار المسيحية الصهيونية الذي يرى في أشلاء ضحايانا وتدمير بلادنا مجرد "مقبلات" ومقدمات ضرورية لعودة المسيح. وقد صل العبث بهذه الأجندة إلى إقامة صلوات "بمكتب الإيمان" بالبيت الأبيض حيث شاهدنا المستشارين الروحانين يحلقون حول الرئيس الأمريكى دونالد ترامب واضعين أيديهم على كتفه ليمنحوه القوة والسيطرة، باعتباره "المختار" الذي سيُعجل بمعركة "هرمجدون" الفاصلة!. ويقال أن سبب استهداف مدرسة في إيران وقتل تلاميذها مع أولى ليالي الحرب ليس خطأ عسكري كما يزعمون، بل جاء ك "قربان مقصود يتوسلون به لتنفيذ نبوءتهم!! ثم لدينا الأجندة الإيرانية التى تريد تمهيد الطريق لعودة "الإمام الغائب والقائمون على النظام فى إيران يرون أن لازما عليهم العمل على ظهوره ختى يُشعل فتيل معركة آخر الزمان. الواضح أن منطقتنا العربية ستظل تشهد هذا التخلف طويلاً، إلى أن يسقط هؤلاء المتطرفون وينتبه عقلاء العالم، أو تعجل الولاياتالمتحدة بسقوط سطوتها؛ فكتب التاريخ شاهدة على ضعف إمبراطوريات عظمى ظنت يوماً أنها تملك مفاتيح القدر والقوة المطلقة قبل أن تتحول إلى ركام تحت وطأة جنون العظمة وأوهام السيطرة المفرطة. المثير للاعجاب أن هناك بروفيسور صيني يدعى جيانغ شيوكين، وهو أستاذ للتاريخ المعاصر بإحدى جامعات بكين لديه محاضرة مسجلة في مايو 2024 طرح فيها ثلاثة توقعات بشأن مستقبل السياسة الأمريكية في حال عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، متوقعًا فوزه في الانتخابات وتصاعد التوترات إلى حرب شاملة مع إيران، ثم توقع خسارة الولاياتالمتحدة لذلك الصراع مؤكدا أن أي مواجهة واسعة النطاق لن تنتهي بانتصار أمريكي حاسم، وستكون سبب فى اضعافها . . واعود للحديث عن المفارقة المضحكة المبكية في هذا "الاستعجال" البشري لنهاية العالم من خلال النبوءات المزعومة للمتطرفين الثلاث، فقد حاول القدماء حث الأنبياء والمرسلين على استعجال علامات الساعة ويوم القيامة، متناسين أن مواقيت الكون الكبرى شأن إلهي خالص؛ لن يحدده "جنرال" في غرفة عمليات أو "حاخام" متطرف يقرأ في تلمود محرف أو شيخ شيعى يفسر القرآن على هواه فكلما أوقدوا ناراً للحرب ليفرضوا رؤيتهم الخاصة، أطفأها الله بحكمته، ليثبت لهم أن ميعاد الله لا يخضع لجدول زمني يضعه البشر، وأن محاولات "ليّ ذراع القدر" لن تجلب سوى الدمار لمفتعليها. في نهاية هذا العرض السينمائي العبثى، يظل السؤال قائماً من سيدفع فاتورة هذا الحرب الكبرى؟ المؤكد أنها لن تكون شركات الإنتاج السينمائية، بل نحن شعوب المنطقة الذين ندفع الثمن دماءً وأشلاء وغلاء فاحش فى الأسعار بينما البطل الحقيقي لهذه الحكاية وهو "العقل" لا يزال غائباً.