لكن هذا على وشك أن يتغير. ذلك أن آخر الأدلة العرضية من الولاياتالمتحدة تشير إلى أن الاقتصاد هناك يمر بدورة من الانكماش الشديد، والذي لابد وأن تتجلى نتائجه خلال الأشهر القادمة. وما لم يعجل البنك المركزي الأوروبي من وتيرة زيادة أسعار الفائدة، فقد يتعذر التوصل إلى تحقيق هدف حيادية أسعار الفائدة، الأمر الذي قد يؤدي بدوره إلى تعريض قدرة البنك على إنجاز أهداف استقرار الأسعار للخطر. \r\n ويتعين على البنك المركزي الأوروبي أن يعمل بقدر أكبر من الهمة ليس بسبب ارتفاع التوقعات بشأن النمو في المستقبل، بل لسبب مناقض تماماً: ألا وهو الخشية من تباطؤ النمو الأوروبي، وبالتالي تقلص إمكانية رفع أسعار الفائدة في المستقبل. والحقيقة أنه حتى قبل الانكماش المفاجئ الذي يشهده اقتصاد الولاياتالمتحدة الآن كان عدد متزايد من محافظي البنوك المركزية الأوروبية قد توصلوا إلى أن التعجيل بخطوات رفع أسعار الفائدة أمر ضروري لإنجاز هدف حيادية السياسة النقدية.والسبب الرئيسي هنا يكمن في أن العديد من »الإصلاحات« الأخيرة التي أعلنت عنها مستشارة ألمانيا آنجيلا ميركيل رفع ضريبة القيمة المضافة، وزيادة رسوم الرعاية الصحية التي يتحملها المستفيدون، وفرض ضريبة على دفعات تسديد الفوائد كجزء من إصلاح الضريبة التجارية المزعومة تَعِد بتقليص النمو الاقتصادي الألماني، وربما على نحو ملموس، بحلول عام 2007 . \r\n ولكن إذا ما اعتلت صحة ألمانيا اقتصادياً فلابد وأن تلتقط أوروبا كلها العدوى. وعلى هذا فقد تسببت إصلاحات ميركيل في إصابة محافظي البنوك المركزية في منطقة اليورو بالذعر خشية أن تنغلق نافذة فرصة رفع أسعار الفائدة في المستقبل. \r\n والحقيقة أن آخر دراسات المسح التي أجرتها مؤسسة ZEW بشأن الثقة في الأعمال التجارية تؤكد هذه المخاوف. فقد أظهرت أن الظروف الحالية طيبة، لكن التوقعات بشأن الظروف المستقبلية قد تدنت بصورة ملحوظة. والرسالة التي لابد وأن ينتبه إليها البنك المركزي الأوروبي واضحة في هذا الشأن: ألا وهي ضرورة التعجيل بالأمر بينما ما زالت الفرصة قائمة. وهذا هو بالتحديد ما يفعله البنك المركزي الأوروبي الآن. \r\n كان رئيس البنك المركزي الأوروبي جون كلود تريشيه قد أشار في مؤتمر صحفي عقده في شهر يوليو إلى اعتزام البنك رفع أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساسية في الثالث من أغسطس، وليس في الحادي والثلاثين من أغسطس كما كان متوقعاً. وهذا يعني ضمناً فترة فاصلة تمتد لشهرين بين تحركات أسعار الفائدة بدلاً من فترة الثلاثة أشهر التي كانت قد أصبحت ممارسة معتادة من قِبَل البنك المركزي الأوروبي في دورة أسعار الفائدة الحالية. ومن المتوقع أن تأتي الخطوة التالية لرفع الأسعار في إطار عملية التطبيع في شهر أكتوبر القادم، أي بعد شهرين من خطوة أغسطس المتوقعة. \r\n ومن المفارقات العجيبة أن اجتماع محافظي البنوك المركزية الأوروبية المقرر في شهر أكتوبر سوف ينعقد في باريس هذا العام. فقد كان الساسة الفرنسيون هم الأكثر عدوانية في فرض الضغوط السياسية على البنك المركزي الأوروبي لتهدئة سياسته الخاصة بتطبيع أسعار الفائدة. وكان وزير المالية الفرنسي تيري بريتون قد حذر البنك المركزي الأوروبي مؤخراً بشأن »المفاجآت الخطيرة«. أما المرشح المتوقع للرئاسة الفرنسية نيكولاس ساركوزي فيريد من البنك المركزي الأوروبي أن يعمل على تعزيز النمو الاقتصادي وليس تثبيت أسعار الفائدة فحسب. \r\n يقدم اجتماع باريس للبنك المركزي الأوروبي الفرصة لإلقاء بيان سياسي أو على وجه التحديد »إعلان الاستقلال« وذلك من خلال رفع أسعار الفائدة على أرض فرنسية. ولقد نجح تريشيه بالفعل في تمهيد الطريق لهذه الخطوة. ففي شهر يونيو تخلى البنك المركزي الأوروبي عن ممارسته التي طال أمدها بعدم تغيير أسعار الفائدة إلا في فرانكفورت، حين قرر آنذاك رفع الأسعار بمعدل 25 نقطة أساسية في مدريد. \r\n الحقيقة أن تريشيه شخص بارع وواسع الحيلة. ولكن حتى تريشيه قد يصاب بالإحباط في محاولاته للتوفيق بين المطالب المتضاربة، من جانب البنك المركزي الأوروبي بالتعجيل بعملية تطبيع أسعار الفائدة، ومن جانب المؤسسة السياسية الفرنسية بالإبقاء على الوضع الراهن. لكن الأرقام الاقتصادية الطيبة التي حققتها فرنسا مؤخراً لابد وأن تجعل الساسة الفرنسيين أكثر ميلاً إلى تقبل مسألة رفع أسعار الفائدة في أكتوبر المقبل. \r\n لقد أقدم البنك المركزي الأوروبي على التعجيل بخطوات التطبيع في اللحظة المناسبة. لكن الخطورة تكمن في أن الجميع سوف يحملونه مسئولية تداعي النمو الاقتصادي الأوروبي. ولكن مع التباطؤ الشديد لاقتصاد ألمانياوالولاياتالمتحدة، فلسوف يصبح لدى البنك المركزي الأوروبي الغطاء المثالي لتحركاته نحو رفع أسعار الفائدة. ويستطيع البنك المركزي الأوروبي أن يزعم على نحو مقنع أن إصلاحات ميركيل والولاياتالمتحدة، وليس إقدامه على رفع أسعار الفائدة، هي المسئولة عن تباطؤ الاقتصاد الأوروبي، إذا ما حدث. الآن أصبح الطريق مفتوحاً أمام البنك المركزي الأوروبي على الصعيد السياسي للتحرك. \r\n