أوبرا الأميرإيجور التي شاهدناها من خلال البث المباشر للمتروبوليتان في المسرح الصغير تعد من أهم عروض الموسم ليس لدي المتفرج المصري هنا فقط وإنما لدي عشاق فن الأوبرا في كل مكان في العالم يصل إليه هذا النقل الحي لأنها من ناحية لا يتم تقديمها خارج روسيا إلا نادراً كما انها قدمت لأول مرة في المتروبوليتان عام 1915 وآخر مرة عام 1917 وكانت نسخة باللغة الإيطالية أما هذا العرض وبعد مائة عام يتم تقديمها باللغة الروسية كما أنها تقدم برؤية موسيقية وإخراجية جديدة تجعل إلقاء الضوء عليها امراً واجباً خاصة أن العرض اثار الكثير من الجدل بين النقاد الموسيقيين في كل انحاء العالم. هذا العمل تم تقديمه في مصر علي المسرح الكبير في سبتمبر عام 1993 من خلال فرقة نوفو سيبيرسك الروسية بطاقم روسي كامل "اوركسترا وكورال وسوليست" وبقيادة المايسترو د.لودميللين ولهذا كانت فرصة جيدة للمقارنة والوقوف علي تفاصيل الرؤية الجديدة وتكوين وجهة نظر موضوعية في العرض.. ومؤلف الأوبرا الكسندر بورودين والذي أفضل أن أطلق عليه الاسم كما ينطقه الروس "بارادين" خاصة أن حروف لغتي العربية تسمح بذلك واحد من مجموعة الموسيقيين القوميين الروس التي يطلق عليهم العظماء والخمسة "كراساكوف موسورسكي بلاكيريف سيزار كوي باردين" عمل في مجالات الكيمياء وكان له ابحاث هامة في هذا المجال وترجع شهرته في الموسيقي لمؤلفاته السيمفونية ومقطوعات لموسيقي الحجرة والبيانو بالاضافة إلي قصيدة السيمفوني الأشهر "في السهوب الرملية في أواسط آسيا" وقد ترك أغلب أعماله غير متكاملة منها اوبراه الوحيدة "الأمير ايجور" التي ظل يكتب فيها بشكل متقطع لمدة 18 عاماً والتي اكملها بعد وفاته أصدقاؤه كراساكوف وجلازنوف.. وقد قدمت لأول مرة علي مسرح مارينسكي بمدينة سانت بطرس برج عام 1890 وقد حظيت بعض فقراتها بشهرة عالمية خاصة الرقصات البولوفتسية لقوة إيقاعها وغنانيتها المفرطة. والاوبرا كتب بارادين بنفسه نصها الأدبي "ليبرتو" وقد استلهمها من ملحمة "حملة الأمير إيجور" التي تنتمي للعصور الوسطي حيث شن الأمير إيجور غارة علي قبيلة البولوفتسيان الصحراوية والتي كانت تعيش في أواسط آسيا وهي الفترة التي ارتبطت بنمو الوعي القومي الروسي. وتدور أحداث الأوبرا في مدينة بوتفيل والموجودة الآن بشمال شرق اوكرانيا عن الأمير ايجور الذي يرغب في الاغارة علي قبيلة البولوفتسيان التي تهدد ملكه واثناء دعوته للحرب يحدث كسوف الشمس فيطلب الشعب منه العدول عن الحرب ولكن يصر علي ذلك ويترك زوجته ياروسلافنا والمدينة في حمي اخيها الامير جاليتسكي ولكن إيجور يهزم ويعتقل هو وولده فلاديمير والتي تقع في حبه كونكانفوا ابنه زعيم القبيلة خان كونكان الذي يساوم إيجور ليستسلم له ولكنه يرفض وتهاجم القبيلة المدينة وتحدث بها دماراً لكن يتمكن إيجور من الهرب ويصل المدينة ليقوم الشعب يتحيته ولكنه يشعر بالندم عما لحق أهله من دمار ويتمني أن يموت كفارس حرب مثل اسلافه.. والاوبرا قدمت هنا برؤية جديدة تماما ليس فقط في الاخراج وإنما في الموسيقي وترتيب المشاهد وهنا الخطأ الذي وقعت فيه المتروبوليتان لأن العمل في نسخته الأصلية لم يسبق تقديمه متكاملا ولم يشاهده الناس من قبل لأنه حتي نحكم علي رؤية جديدة يجب أولا رؤية القديم حيث التجريب يأتي بعد ارساء القواعد. والعمل اخرجه وصمم ديكوره المخرج الروسي "ديمتري تشيرنيكوف" الذي استعان بمؤرخين متخصصين في تاريخ روسيا وقاد العمل المايسترو الايطالي جياندندري نوسيدا المتخصص في التراث الموسيقي الروسي منذ عام 1997 وهو زائر دائم لمسرح مارينسكي كما أنه درس مع كبار القادة الروس والاثنان المخرج والقائد تعاونا في تقديم النسخة الجديدة والتي كان فيها تركيز علي الجانب الموسيقي وحذفوا ما اضافه كل من كورساكوف وجلازونوف مثل الافتتاحية التي استوحاها جلازنوف من عزف علي البيانو من بارادين كما اضافوا مقطعاً موسيقياً في ختام العمل كان بارادين قد كتبه لعمل درامي آخر بعنوان "فيضانات نهر الدون" والفصل الثاني جعلوه الأول كما تم توزيع اوركسترالي لعده أجزاء من المدونة خاصة انهم اكتشفوا اجزاء جديدة كان كتبها برادين لهذه الاوبرا لم يراها جلازونوف وكوراساكوف.. الكورال هذه الأوبرا الكورال فيها يلعب دوراً رئيسياً ويظهر في معظم مشاهدها ويغني اكثر من 100 أغنية وكلها مقاطع بدون تكرار للكلمات كلزمات أو ترجيعات وأثناء الفصل الأول "في معسكر البوليفستيين" لم يقفوا علي المسرح بل احتلوا بنوارين علي جانبي خشبة المسرح وهذا بدوره أضاف بعدا جديداً ورنينا صوتيا متميزاً والعمل من الناحية الاخراجية يميل إلي التجريد وليس له زمن محدد فنجد ملابس الجنود من أوائل القرن العشرين والنساء مثل ملابس الممرضات اثناء الحرب العالمية الأولي واحياناً نجد ملابس حديثة جدا ومرات يرتدون ملابس القرن التاسع عشر ويركز المخرج في العمل ككل علي الناحية النفسية للبطل حيث بدا العرض بشاشة سينمائية كبيرة تدخل زووم علي عينه وكتب علي الشاشة "شن الحرب أسهل طريق للهروب من النفس" كما استعان بالسينما عن الأجزاء المفقودة من النص ولكن كان هذا في بداية العمل ثم اختفت السينما تماماً مما أحدث كسراً في وحدة العمل من ناحية أدوات التعبير البصري.. وقد حدث تغيير في تناول بعض المشاهد والمقاطع الشهيرة في هذه الأوبرا إلي درجة التجريد "أو التجريف إلي حد ما" كما في مشهد الرقصات البولفستيه في الفصل الأول والتي تعد أشهر مقاطع هذه الأوبرا واشتهرت تصميماتها الكلاسيكية بالإبهار وكان وراء شهرتها ايضا اقتباس موسيقاها في احدي مسرحيات برودواي هنا جاءت الرقصة ضمن مشهد الفصل الأول حيث انهزم إيجور وتم اسره واعتمد المشهد علي ملء ارضية المسرح بالزهور الحمراء حيث استعانوا ب 12 ألف زهرة واختلفت الآراء في التفسير فهناك رأي انها ترمز لدماء الجنود الذين قتلوا في المعركة والرأي الثاني انها تضاريس مخ إيجور وأنا أميل لهذا الرأي الأخير خاصة أن هناك شخصيات ليست متواجدة في الواقع الزماني للمشهد وتظهر بشكل عابر مثل زوجته كما جاء المشهد بأكمله كأنه حلم.. بالنسبة لتصميم الرقصة استخدم فيها المصمم "إتزيك جاليلي" مفردات الحركة في مسرح الرقص المسرحي الحديث من تحريك الأذرع والكفوف واعتمد علي عدد قليل من الراقصات ولكن وضعهن في أماكن متعددة وعلي درجات طولية وافقية مختلفة مما احدث تنوعا بصريا وديناميكية مطلوبة وعموما الرقصة جميلة لكنها افتقدت الإبهار الذي كان من مميزات النسخة الأصلية وهناك نقطة إيجابية للمخرج هي اهتمامه بالتفاصيل وبالتحديد في الحركة المسرحية التي اعتمد فيها علي الرمزية في معظم المشاهد مثل مشهد الجنود مع ايجور يقفون بشكل منتظم دلالة علي قوة حكمه واستقراره كما جعلهم ثابتون بينما إيجور الوحيد المتحرك يدل علي أنه هو محور الأحداث بينما يقف الجنود بشكل متفرق وغير نظامي في مشهد جالينسكي شقيق زوجته دلالة علي أسلوب حكمه الفوضوي. الأداء الموسيقي والغنائي الفنانون الذين لعبوا الأدوار الرئيسية من روسيا وما يجاورها وهذا هام جدا من أجل النطق السليم للغة الروسية التي يقدم بها العمل ويميز هذه الأوبرا أن معظم اشخاصها من طبقة الباص والتي يشتهر الروس بها وبقدرتهم الفائقة علي أداء النوت المنخفضة من هؤلاء بطل العرض "إيجار أبدرازاكوف" الذي أدي دور إيجور ذو صوت قوي به غنائية وليونه ويؤدي المقاطع بتعبيرية وهذا اتضح في التباين في المشاعر بين الفصلين الأول والثالث ومن الطريف أن اسمه باللغة العربية عبدالرازق ويقول ان نسبه يمتد لجنكيز خان اما السبرانو الأوكرانية "دوسكانا ديكا" التي أدت دور زوجة إيجور يارو سلافنا نجدها معبرة بطريقة جيدة عن الشخصية من ناحية الصوت والشكل حيث انها متميزة في الأداء الغنائي والتمثيلي خاصة في الفصل الثاني التي هي محوره وعندما تغني فيه ما يعبر عن الحنين لزوجها وايضا عندما غنت في الفصل الأول جذبت انتباه الجماهير وهي من نجمات اوبرا كييف وتعاقدت مع المتروبوليتان لتؤدي دور عايدة في الموسم القادم.. أما السبرانو الجورجية "أنيتا راتشفيليشفيلي" والتي قامت بدور إبنة كونكان زعيم القبيلة أدت النغمات بدقة حتي في النغمات العالية حيث لديها تحكم في طبقة صوتها بدرجة جيدة وايضا تمتاز بتعبيرية وغنائية خاصة في اريتها المشهورة في الفصل الأول وفي الدويتو مع التينور.. وهي ايضا تعاقدت مع المتروبوليتان علي اداء دور كارمن في الموسم القادم.. اما الباص الروسي "ميخائيل بيترينكو" الذي لعب دور الأمير جالتيسكي رغم اتقانه الجانب التمثيلي إلا أنه لم يكن علي المستوي من الناحية الغنائية حيث أن تنقلاته بين النغمات لم تكن سلسة ولم يكن موفقاً في النغمات العالية بعكس الباص السلوفاكي "ستيفان كوكان" الذي لعب دور الخان كونكان زعيم القبيلة حيث انه يمتلك صوتاً قوياً جميلاً ويتمتع بنفس جيد وحتي في النغمات المنخفضة صوته ثابت ليس به أي قدر من الارتعاش وخاصة اثناء غناء القرارت الغليظة اما التينور الوحيد في العمل "سيرجي سيمشكور" والذي قام بدور فلاديمير كان متميزاً وأدي بعض النغمات العالية الهامة في الفصل الأول.. وبالنسبة للمايسترو قاد العمل بالطريقة الروسية بإنضباط صوت الاوركسترا مع الأصوات الكورالية ولكن الختام لم يكن براقاً ينتزع تصفيق الجماهير كالعادة وهذا يرجع إلي أن المسرح لم يكن متوافقاً مع الموسيقي بل توقفت الحركة المسرحية بينما الموسيقي مازالت مستمرة.. يحسب للمتروبوليتان إحياؤهم هذا العمل ليدخل في تراثه لينتشر خارج حدود روسيا وأوروبا الشرقية كما قام مؤخرا بإنتاج اوبرا "بوريس جودنوف" الشهيرة لمورسورسكي وأبورا "الأنف" لشوستاكوفيتش.