أوبرا "يوجيني أونجين" التي شاهدناها علي المسرح الصغير في اطار البث المباثر لعروض المتروبوليتان من أهم الأحداث الفنية لهذا الموسم لعدة اعتبارات أولها أن هذه العروض بشكل عام تعد نموذجا جيدا للعمل الأهلي التطوعي حيث يتحمل معظم تكاليفها الرعاة من رجال الأعمال المصريين وثانيها أنه يعطي ثراء لموسم الأوبرا المصرية والتي تعاني فرقتها المتخصصة من عجز في المواد المادية أدي إلي ندرة الانتاج وعدم التنوع في العروض وثالثا ان هذا العمل ليس من رصيد فرقتنا المصرية ولم يسبق تقديمه في مصر مما يمثل اضافة وثراء للجمهور ولفناني الأوبرا المصريين. وأوبرا "يوجيني أونوجين" من روائع المؤلف الروسي العظيم بيتر تشايكوفسكي "1840 1893" وكتب نصها الغنائي "الليبرتو" بمساعدة أخوة موديست "1850 1916" وآخرين وقد اعتمد علي رواية للروائي الروسي بوشكين تحمل هذا الاسم والتي تعد مصدر إلهام لكثير من الأوبرات الروسية وقد اختار تشايكوفسكي أكثر اللحظات الدرامية في ملحمة بوشكين ليعبر عنها في الأوبرا أكثر من اهتمامه بسرد أحداث القصة. الأوبرا قدمت لأول مرة علي مسرح مالي بموسكو عام 1870 بأداء طلبة كونسرفتوار موسكو أما العرض الجماهيري كان علي مسرح البولشوي عام 1881 وبالنسبة للمتروبوليتان قدمت فيه لأول مرة عام 1920 ولكن مترجمة للغة الايطالية ثم اختفت بعد ذلك ليعاد تقديمها عام 1957 مترجمة باللغة الانجليزية ولم تقدم بنصها الأصلي باللغة الروسية إلا عام ..1977 والعرض الذي شاهدناه أيضا النص الأصلي وباللغة الروسية وكان في افتتاح الموسم الحالي للمتروبوليتان. قصة حب و"يوجيني اوجين" تتكون من 3 فصول و7 مشاهد وزمن أحداثها في آواخر القرن التاسع عشر وبداية أحداثها في منزل السيدة لارينا التي أصبحت أرملة وأم للفتاتين الجميلتين اولجا التي تعيش قصة حب مع جارها الشاعر لينسكي ولكن شخصيتها تميل للواقعية وتاتيانا التي تعشق القراءة وشخصيتها رومانسية. يزور الأسرة لينسكي مع صديقه الشاعر "يوجيني اوجين" والتي تقع في حبه تاتيانا وتقرر ان تكتب له خطابا تبوح له بحبها وفي اليوم التالي يعترف لها أنه لا يبادلها الحب وينصحها ان تكون أكثر نضجا وفي حفل كبير تقيمه الأسرة احتفالا بعيد ميلاد تاتيانا يرقص يوجين مع أولجا فتدب الغيرة في أوصال لينسكي ويقرر مبارزته التي يقتل فيها لينسكي وبعد عدة سنوات يتم دعوة يوجين لاحدي الحفلات ليفاجأ ان زوجة الأمير جيرمين هي تاتيانا التي يكتشف أنه يحبها ويرسل لها عدة خطابات تعبر عن هذا الحب ويدعوها للهروب معه ولكنها رغم اعترافها أنها مازالت تحبه ترفض طلبه وتفضل أن تظل وفية لزوجها. والأوبرا تلعب بطولتها السبرانو الروسية "آنا نتريبكو" التي أصبحت من نجوم المتروبوليتان وشاهدناها من خلال البث الحي في العديد من الأعمال وهي تملك كل عناصر النجومية التي تجعلها من نجوم هذا القرن حيث تتمتع بصوت جميل وأداء متقن ورائع مع جمال في الشكل وقدرة كبيرة علي التعبير التمثيلي الذي يحتاجه ويكشفه هذا العرض السينمائي والعرض للظروف الأمنية وحظر التجول لم نشاهده للنهاية ولكن المشاهد التي شاهدناها أمتعتنا بتمثيلها وغنائها خاصة في آرية "أغنية" الفصل الأول المعروفة بمشهد الخطاب والتي تغني فيه بشجن لحنا جميلا يعد من أروع آريات السبرانو ولها أهمية في ربيبرتوار هذه الطبقة وهذا حققه التينور البولندي "بيوتر بيسالا" الذي يعد أيضا من نجوم المتروبوليتان وقد أدي هنا دور "بولينسكي" الشاعر المولع بحب شقيقتها أولجا والذي أدي أيضا ببراعة آريته "أغنيته" الشهيرة التي يغنيها في الفصل الثاني قبل المبارزة مع صديقه ويستعيد فيها كل ما كتبه من الشعر ويتأمل معني الموت ويودع أيام الشباب الجميلة وهذه الأغنية أيضا من أهم ريبرتوار طبقة التينور وعامة أري ان لينسكي الشخصية الأكثر ثراء من الناحية الدرامية في هذا العمل لأنه يعبر عن تناقضات في المشاعر الانسانية من الحب والغيرة والضعف أمام الموت والخوف وهذا يحتاج إلي صوت قادر علي التعبير والتلون وعلي وجه معبر من الناحية التمثيلية لأنه كما سبق أن ذكرت الشاشة السينمائية كاشفة أما بطل العمل والذي تسمي بأسمه الأوبرا الباريتون البولندي "ماريوس كفيسين" والذي سبق له ان لعب هذا الدور أكثر من مرة ولكن لأول مرة يقدمه في المتروبوليتان خبرته وفهمه للشخصية كانت واضحة وأدي الدور بجمال في الصوت وبراعة في التمثيل وكانت أغنيته الصارمة في الفصل الأول والتي يوبخ فيها تاتيانا علي الخطاب من الفقرات الفردية التي استحقت تصفيقا من الجمهور وتعد من أجمل أغنيات الباريتون في التراث الأوبرالي. براعة المايسترو نجم هذا العمل ومهندسه من الناحية الموسيقية المايسترو الروسي "فاليري جيرجيف" الذي يعد من نجوم قيادة هذا الزمان والذي يهضم تماما موسيقي تشايكوفسكي واستطاع في تفسيره أن يكشف لنا كل جماليات هذا العمل الذي تجسدت فيه قدرات تشايكوفسكي الابداعية وموهبته في الكتابة الغنائية والتي لم يسبق لجمهور الأوبرا المصرية أن تعرف عليها حيث قدم ببراعة الفقرات الغنائية الجماعية مثل رباعي النساء في بداية الفصل الأول والكورال الذي اختتم به المشهد الأول من الفصل الثاني وكذلك ثنائي التينور والباريتون في الفصل الثاني وأيضا موسيقي الرقصات التي كان لها ما يبررها في السابق الدرامي وابرازه للفقرات الغنائية الفردية سواء للأبطال أو الشخصيات الثانوية مثل أغنية "التينور" جون جرهام هال الذي أدي دور "تريكويت" المدرس الفرنسي في حفل عيد ميلاد تاتيانا في الفصل الثاني. العمل من الناحية البصرية أخرجته المخرجة الايرلندية "فيونا شو" والتي أسند لها العمل في آخر لحظة عندما تعرضت المخرجة الأصلية ومنتجة العمل الانجليزية "ديبورا فورا" لعملية جراحية مفاجئة وجاء الاخراج تقليديا كلاسيكيا تمسك بنقل طبيعة المجتمع الروسي من ديكور وملابس يتميز بالبساطة والاضاءة القاتمة والرقصات الروسية التي ازدهرت في هذا العصر ولكن سحر موسيقي تشايكوفسكي وثراء نغماته والأداء المتقن للمايسترو وللفريق الموسيقي الكورال يجعل الحاسة السمعية تستحوذ علي انتباه المتفرج وتجعله يرضي بالقليل من الرؤية البصرية. العمل كما سبق ان ذكرت يمثل اضافة وتعريفا بالتراث الأوبرالي الروسي الذي أتمني ان يكون ضمن رصيد الفرقة المصرية التي كنت أتمني ان أري أعضاءها في العرض ليستفيدوا من هذا الانتاج العالمي.