منذ أكثر من أربعين عاماً سمي شاعر المقاومة. وظل طلاب المدارس لعشرات السنين ينشدون قصيدته "عائدون" وغني قصائده للمقاومة كبار المطربين العرب. التيقنا معه عقب رحلة علاج حوالي العام في كندا. لم تصرفه علي حد تعبيره عن متابعة الابداع العربي. وما إذا كان قد أجاد التعبير عن الثورات التي لا تزال تحدث تأثيرها في الوطن العربي. قلنا للشاعر الفلسطيني الكبير هارون هاشم رشيد: لماذا لا يغني الآن شعر المقاومة كما كان في الماضي؟ قال: ثمة أكثر من سبب. الأول يرجع إلي الحكومات نفسها. سياسات الحكومات. لأن الأغاني الوطنية والأناشيد الوطنية كانت تعبر عادة عن اتجاهات رسمية. وفق التعليمات الرسمية لوزارات الإعلام. من خلال الإذاعة والتليفزيون. وكانت تواكب الحالة السياسية للوطن. بالنسبة لي شخصياً. كنت أفتح مجلة "الإذاعة" فاقرأ عن خمس أغنيات أو أناشيد أو أوبريت. كان ذلك في فترة النهوض القومي بعد نكسة 67. ثم بدأت الظاهرة في الانحسار. كانت هناك تعليمات ألا نكتب أناشيد. أو شيئاً يغني. بحيث يوجه إلي المقاومة. ثم عادت الظاهرة مع حرب الاستنزاف. وكتبت أربعة أناشيد. قدمتها إذاعة "صوت العرب". قلنا: غبت عن الوطن العربي سنة كاملة.. ما رؤيتك للواقع الأدبي العربي.. وهل الثقافة العربية لها مردود في كندا. قال: في كندا توجد جريدة لكل جالية عربية. وهي لا تباع. وإنما توزع بالمجان في المحال الكبري. وكان هدية زوجتي الدكتورة مروة جبر لي حين تعود من مشوار تسوق حزمة من الصحف. أتابع فيها أحداث وطننا العربي.. ومن خلال قراءاتي أثناء العام الفائت وجدت أن التوجه هو البحث عن مقالات أو كتابات ترفع الروح المعنوية. كما يعاد نشر أهم المقالات التي نشرتها الصحف. لأن الشعور القومي القومي غلاب. والمرء إن ابتعد عن وطنه صار حبه له أقوي. رد الجميل قلنا: بالمناسبة: ما تأثير ثورات الربيع علي الإبداع؟ قال: للأسف الشديد. ليس هناك حتي هذه اللحظة إبداع في مستوي الحدث العظيم. ذلك ما تبينته أثناء وجودي في كندا. قرأت وشاهدت واستمعت إلي الكثير مما قدمه الإبداع العربي فلم يكن انعكاساً حقيقياً لما جري.. وأعتقد أن الأعمال الإبداعية لابد أن تأخذ وقتاً حتي تنضد. قبل أن تأخذ طريقها إلي القاريء. ليس هذا عيباً. فما زلنا في حاجة لأن نواكب النهضة القومية التي واكبت الربيع العربي. وبالنسبة لي فقد كان ذلك العام فرصة لكتابة مايشكل ديوانين. أولهما عن الربيع العربي. والثاني عن المقاومة في غزة. وسيصدران قريباً ديواني "وانتصرت غزة" سيصدر عن مركز الإعلام العربي بمقدمة لوزير الإعلام المصري صلاح عبدالمقصود. وقد أهديت ديواني عن الربيع العربي إلي رابطة الأدب الحديث بالقاهرة. ولذلك قصة. فقد فتحت لي الرابطة الطريق. بما أوجب الجميل. حيث حدثت النكبة في 1948. بدأت في كتابة قصائد في صحف غزة وزارني صديقي الشهيد صلاح خلف "أبو إياد". وكان طالباً في دار العلوم. واطلع علي القصائد. وطلب أن أعرضها علي أستاذه. عبدالمنعم خفاجي نائب رئيس رابطة الأدب الحديث آنذاك. واطلع خفاجي علي الكتاب. وأعجب به. ثم فوجئت بعد فترة أن الديوان صدر مطبوعاً عن الرابطة بمقدمة رائعة. وفي نهاية الديوان قرأت مالم أقرأه في الدواوين التي قرأتها. فالديوان عادة تكون له مقدمة واحدة. لكنني فوجئت بمقالات علي سبيل التقديم للناقد الكبير مصطفي عبداللطيف السحرتي. والشاعر الكبير عبدالله زكريا الأنصاري. والكاتب العربي الكبير وديع فلسطين والشاعر والكاتب الكبير رضوان إبراهيم. وكانت تلك الكتابات هي التي صعدت بي إلي ما وصلت إليه. أما الفضل الآخر للقاهرة فقد انعكس في حفاوة النقاد. وفي مقدمتهم د.بنت الشاطيء. وامتدت الحفاوة إلي ليبيا ولبنان. ثم احتضنني الإذاعي والإعلامي الشهير أحمد سعيد. وغنت لي فيروز ومحمد فوزي وكارم محمود. وقدمت إحدي القصائد كأوبريت كامل في الإذاعة.. كل ذلك حدث بعد احتضان رابطة الأدب الحديث للديوان. وتشاء الأقدار أن يتبع هذا الديوان 26 ديواناً. لذلك كان الإهداء للرابطة. قلنا: ما نظرتك إلي مستقبل القضية الفلسطينية؟ قال: الأجيال الفلسطينية التي جاءت بعدنا. كان انطلاقها في العمل الفني أفضل منا. نحن فعلنا ما استطعنا. بلغ المرء حد الاستشهاد. نتيجة التعبئة التي أحدثها الكتاب والشعراء. والحق أنني لا أتشاءم تجاه القضية. فالمواطن الفلسطيني في المنافي لديه حلم واحد. هو العودة إلي فلسطين. نحن مرتبطون بها. ونحفظ كل شيء حول العودة إليها.. كل فلسطيني في أي مكان في العالم يتطلع لأن يعود إلي بيته الأصلي. بيارته الأصلية. قلنا: لمدة أربعين عاماً. كنت الصوت الأبرز للمقاومة.. في رأيك من يواصل المسيرة؟ قال: في الداخل. في القطر الفلسطيني. هناك دواوين لشباب تواكب العمل الفدائي. وقبل أن أغادر كندا كتبت أكثر من مقدمة لإخوة وأخوات من غزة وغيرها.. منها مقدمة ديوان لشابة عربية اسمها عرب محمد. ومقدمة لشاعرة من الشارقة. ودواوين أخري تنتمي لاتجاهات وطنية. والآن أكتب مقدمة لأحد شعراء الإسكندرية. مراحل قلنا: سيرتك الذاتية.. إلي أين وصلت في كتابتها؟ قال: إنها تبدأ من مغادرتي غزة حتي 1967. والجزء الثاني من 67 وقد انتهيت منه في حدود بلوغي الثمانين في 2007. ويتناول المراحل الوطنية. وعملي في جامعة الدلو العربية. وعملي في منظمة التحرير الفلسطينية. تناولت تلك المراحل وماذا قدمت. قلنا: إذن كتبت الشعر والسيرة الذاتية.. ماذا عن الرواية؟ قال: كتبت ثلاث روايات هي: "سنوات العذاب" عن هجرة 48. ورواية عن شخصية من يافا عبر عن البطولات الشعبية أثناء ثورة 36 الفلسطينية وما قبلها. إنه تاريخ حافل بالبطولات من خلال فارسين ينتميان إلي هذه المرحلة هما أبو جلدة والعرميط. وتغني أبناء غزة ببطولاتهما. وأنهما ياما كسروا برانيط. قلنا: بعد هذه الرحلة الطويلة. هل تري أنك قد حصلت علي التكريم المناسب؟ قال: أظن. حتي علي مستوي الجوائز. حصلت علي العديد منها.. أول جائزة حصلت عليها من منظمة التربية والعلوم والثقافة. عن مسرحيتي الشعرية المطبوعة "السؤال" وقد عرضت علي المسرح من بطولة كرم مطاوع وسهير المرشدي. والجائزة الثانية في 1988 للقصيدة العربية الأولي من إذاعة لندن. وثمة سام القدس من أبو عمار في 1990. وبعد خمس سنوات حصلت علي جائزة فلسطين الإبداعية. ثمة جائزة السلطان قابوس. وفي 2004 حصلت علي جائزة من مؤسسة يماني الثقافية لديواني "طيور الجنة". وثمة مؤسسة باشراحيل التي اختارت أربع شخصيات مؤثرة في الوجدان العربي. هم عمرو موسي وأدونيس وهارون هاشم رشيد وكاتب أمريكي. وآخر جائزة سنة 2008 عن موسسة البابطين الكويتية. فضلاً عن عدد كبير من الدروع. والحقيقة أني لم أسع في يوم من الأيام إلي الحصول علي هذه الجوائز. إنها تعبير عن حسن ظن المؤسسات المانحة بشخصي الضعيف.