قررت محكمة جنايات القاهرة تأجيل الحكم على الرئيس الأسبق محمد مرسي في قضيتي التخابر والهروب من السجن إلى ما بعد منتصف الشهر تقريبا ، وهو الحكم الذي أحيل فيه مرسي وعشرات القيادات الإخوانية للمفتي تمهيدا للحكم بإعدامهم على ما جرى به العرف القضائي ، إلا في حالات استثنائية يحيد فيها الحكم عن الإعدام بعد استطلاع رأي المفتي ، وبدون شك جاء تأجيل الحكم إنقاذا للرئيس عبد الفتاح السيسي من مأزق خطير للغاية وهو في زيارته لألمانيا غدا ، لأن صدور حكم بإعدام مرسي يعني مواجهة السيسي كارثة سياسية وديبلوماسية وربما تنتهي بإلغاء الزيارة كلها ، فهناك حالة غضب أوربي وألماني تحديدا من أحكام الإعدام بالجملة في مصر ، وعندما يأتي الحكم على "الرئيس المنتخب" الذي تمت الإطاحة به بالإعدام فهذا سيعني أن السيسي سيقابل موجة انتقاد سياسي وإعلامي ورسمي في ألمانيا بالغة الخطورة ، فجاء تأجيل المحكمة للنطق بالحكم ، وأيا كانت الأسباب والمبررات والنوايا ، إنقاذا للسيسي من ورطة حقيقية ، وفيما يبدو أن مسألة القضاء وأحكامه ستظل معضلة كبرى تواجه السيسي والنظام السياسي المصري لسنوات عدة مقبلة ، ولا أعرف كيف يخرجون من إحراجاتها وعواقبها وضغوطها ، خاصة وأن اللغة التي يتم بها الدفاع عن الأحكام القضائية المفزعة وموضوع استقلالية القضاء لا تصلح للتسويق الخارجي ، كما أن بعض الممارسات الحكومية والرئاسية في الداخل لا تساعد على تصديق هذه النوعية من الدفوع . لم تكن قضية مرسي وحدها هي التي شغلت الناس في رحلة السيسي إلى ألمانيا غدا ، وإنما جاءت قضية الإعلامي أحمد موسى ، المحكوم عليه بالسجن لمدة عام حكما استئنافيا واجب النفاذ ، ومع ذلك لم يتم تنفيذ الحكم حتى الآن ، وأخطر من ذلك أن السلطات الأمنية والقضائية سمحت له بالسفر إلى ألمانيا ليكون بصحبة الرئيس واستقباله هناك ، وهذه مخاطرة أخرى بسمعة القضاء المصري ، ليس فقط لعدم تنفيذ الحكم القضائي ، بينما أهون منه ينفذ فورا ، وإنما أيضا أن يسمح لهذا المحكوم بالسجن أن يسافر خارج البلاد بسهولة عبر المنافذ الرسمية للدولة وسيعود حتما معززا مكرما بعد عدة أيام ، وبعد انتهاء مهمته "الوطنية" في استقبال الرئيس بألمانيا والاحتفال به هناك ، هذا على الرغم من أن هناك عشرات بل مئات الشخصيات السياسية والعلمية الرفيعة والقيادات الجامعية وحتى من القضاة أنفسهم من تم منعهم من السفر رغم أنه لم يصدر عليهم أية أحكام ، وإنما لمجرد أن هناك بلاغات موجهة ضدهم جاري التحقيق فيها ، فتم إدراج أسمائهم على قوائم المنع من السفر ، بينما الشخص المحكوم عليه بالسجن النافذ لا يتم منعه ، يخرج بكل بساطة للسفر من صالة كبار الزوار . ما حدث مع أحمد موسى يعطي الانطباع السلبي للخارج عن تسييس قواعد العدالة في مصر ، وأن القانون وأحكام القضاء لا تسري على الجميع ، وإنما على من نريد أن تسري عليه ، وهي إشارات لا تخدم السيسي ولا دفاعه عن استقلالية القضاء وحرصه على سمعة قضاء بلاده وأحكامه ، ولا يشفع في ذلك أن للمسألة "سوابق" ، مثلما حدث مع الزميل الإعلامي مصطفى بكري ، الذي صدر ضده حكم بالسجن عامين أيام المخلوع مبارك على خلفية اتهامه بالسب والقذف في حق وزير الأوقاف الأسبق محمد علي محجوب ، والد المستشار خالد محجوب رئيس المحكمة التي أدانت مرسي في قضية وادي النطرون ، وعضو المكتب الفني للنائب العام حاليا ، وقد وصل مصطفى في محاولة إلغاء الحكم إلى حد محكمة النقض ، أعلى سلطة قضائية ، لكنها حكمت بتأييد الحكم المستأنف بحبسه ، ومع ذلك رفض النائب العام وقتها تنفيذ الحكم ، وقيل ساعتها أن أسبابا صحية تمنع تنفيذه ، وظل هذا الحكم حتى يومنا هذا مجرد حبر على ورق .