والدة طفلة قتلت على يد جارها بالمنيب: "كنت في الشغل ورجعت لقيت بنتي ميتة"    الدولار عند 47.64 جنيه، أسعار العملات اليوم في البنك الأهلي المصري    الإسكان: الانتهاء من تنفيذ 2520 شقة سكن مصر بالشروق    أسعار الكتاكيت والبط اليوم السبت 21 فبراير 2026 في بورصة الدواجن    موعد بدء تشغيل مشروع الربط الكهربائي بين مصر والسعودية    «التموين» تحدد السلع التي يتم صرفها من ال400 جنيه منحة رمضان    رئيس وزراء باكستان: مستعدون للعمل مع ترامب حول خطة غزة    ناريندرا مودي: الهند والبرازيل توقعان اتفاقية بشأن المعادن الحيوية    أزمة تهدد لامين يامال مع برشلونة بسبب الصيام    صلاح يقترب من تحطيم رقم قياسي جديد في ليفربول    ضبط 5 ملايين جنيه حصيلة النقد الأجنبي و8 أطنان دقيق مهرب خلال 24 ساعة    إصابة مسن بحروق في حريق شقته بإمبابة    بسبب خلاف مع والدته.. إصابة عاطل بحروق بعد إشعاله النار في نفسه بالطالبية    صحة سوهاج: تنظيم 7 قوافل طبية مجانية خلال شهر رمضان    بطريرك الأقباط الكاثوليك يحتفل بالقداس بكنيسة السيدة العذراء بالغردقة بمشاركة الأنبا عمانوئيل    الدفاع الروسية: إصابة منصات إطلاق صواريخ «فلامينجو» أوكرانية بعيدة المدى    الاحتلال الإسرائيلي يطلق النار على فلسطينيين شرق مدينة غزة    ألمانيا تدعو مواطنيها لمغادرة إيران على الفور    وزارة «العمل» تعلن توفير 5456 وظيفة جديدة في 14 محافظة    محافظ أسيوط يستقبل وفد الكنيسة الكاثوليكية للتهنئة بتوليه مهام منصبه الجديد    كلاسيكو السعودية - ثيو هيرنانديز جاهز لقيادة الهلال أمام الاتحاد    مواجهة حاسمة بين إنتر ميلان وليتشي في الدوري الإيطالي    ختام معسكر حكام أمم أفريقيا للسيدات    وسط 5 غيابات.. الأهلي يبدأ اليوم استعداده لمواجهة سموحة    1.2 مليون جلسة تأهيل.. 186 مؤسسة لرعاية ذوي الإعاقة تخدم 10 آلاف طفل سنويا    كلية الهندسة بجامعة المنصورة تحقق إنجازًا دوليًا بمشروع مبتكر لتحلية المياه بالطاقة المتجددة    تفاصيل اجتماع وزيري الشباب والرياضة والاستثمار والتجارة الخارجية    أجواء شديدة البرودة وفرص أمطار.. «الأرصاد» تحذر من طقس الساعات المقبلة    التقرير الطبي يكشف إصابات فرد أمن ضحية اعتداء رجل أعمال بالتجمع الخامس    أنا مع المظلوم دايما بس القصة ناقصة، تعليق ساويرس على ضرب ساكن الكمبوند لفرد الأمن    المرور يضبط 96 ألف مخالفة و33 سائقا مسطولا في 24 ساعة    بعد قليل، أولى جلسات محاكمة المتهم بالاستيلاء على صفحات شيرين عبد الوهاب    مجمع ناصر الطبى: شهيد بنيران مسيرة فى محيط مناطق انتشار الاحتلال جنوب خان يونس    موعد الإفطار في اليوم الثالث من شهر رمضان 2026    انسحابات متتالية من سباق رئاسة حزب المحافظين قبل مؤتمر 5 مارس    «الصحة» تكشف تفاصيل مبادرة «دواؤك لحد باب بيتك»    صحة سوهاج توجه نصائح مهمة لمرضى الأمراض الصدرية خلال رمضان    زلزال بقوة 4.4 درجة يضرب محافظة جيلان شمالي إيران    الصحة: تنفيذ 26 زيارة ميدانية لمتابعة 21 مستشفى و51 وحدة صحية بعدد من المحافظات    بنزيما VS النصيري، التشكيل المتوقع لقمة الهلال واتحاد جدة بالدوري السعودي    علي جمعة: يجوز الوضوء بالماء المنقى بالكلور أو الذي يحتوي على طحالب وتراب    أزمة نفسية وراء إنهاء شاب حياته بإطلاق النار على نفسه في الوراق    تعرف على أسعار الحديد والأسمنت في سوق مواد البناء المصرية    فلسطين.. الاحتلال يطلق الرصاص الحي خلال اقتحام مخيم الفارعة جنوب طوباس    طريقة عمل سلطة السيزر الأصلية، تمنح إحساسًا بالانتعاش بعد الإفطار    جرائم الإخوان في رمضان.. تجنيد المراهقين والشباب عبر التطبيقات الحديثة    سمية درويش: أغنية «قلب وراح» فتحت قلوب الناس لي    «ترامب» يفرض رسومًا جمركية 10% على جميع دول العالم.. والقرار يدخل حيز التنفيذ فورًا    نهاية مشتعلة للحلقة 3 من «أولاد الراعي».. محاولة إنقاذ تنتهي بانفجار مفاجئ    سمية درويش تتحدث عن تأثير سعاد حسني على مسيرتها    لليوم الثالث على التوالي.. مصطفى شعبان حديث السوشيال ميديا بمسلسل "درش"    مدرسة شوبير ولا مدرسة إبراهيم فايق في الإعلام الرياضي؟.. سيف زاهر يكشف رأيه    المفتي: إخراج الزكاة نقدا أو حبوبا كلاهما صواب وصحيح    أشرف محمود: الخاسر الحقيقي في رمضان من قدم الدراما على القيام    الدولار يواصل الصعود.. طلب متزايد وشح معروض يعيدان الضغوط إلى سوق الصرف    صيام "الجوارح الرقمية".. تحديات الخصوصية الروحية للمرأة المعاصرة    هند صبرى تخطو أولى خطواتها بعالم المخدرات فى مسلسل منّاعة    يوسف عمر يقود ماجد الكدوانى لبداية جديدة فى كان ياما كان    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أزمة الاقتصاد المصري.. رؤية للعلاج
نشر في المصريون يوم 27 - 03 - 2011

تتمثل المشكلة الاقتصادية في أي مجتمع من المجتمعات في عدم القدرة على إشباع جميع الاحتياجات البشرية ، ويرجع هذا أساسا إلى الندرة النسبية للموارد الاقتصادية. فلو توافرت الموارد الاقتصادية دائما وبالقدر المطلوب لإشباع الاحتياجات البشرية إشباعا تاما لزالت المشكلة الاقتصادية تماما.
وتختلف النظرة للمشكلة الاقتصادية من وجود موارد محدودة نسبيا في مواجهة حاجات متعددة ومتزايدة وفقا للمذهب الاقتصادي السائد. فالنظام الرأسمالي ينظر للندرة النسبية في الموارد أو بما سماه "شح الطبيعة" على أنه جوهر المشكلة الاقتصادية ، وصور الإنسان على أنه في صراع مع الطبيعة من أجل البقاء. أما النظام الاشتراكي فقد اعتبر جوهر المشكلة الاقتصادية في التناقض بين شكل الإنتاج الجماعي وعلاقات التوزيع الفردية ، والمنهج الاقتصادي الإسلامي يرفض هذا التفسير وذاك ، فالموارد سخرها الله تعالى بقدر البشر كما وكيفا، وجعل الملكية الخاصة ملكية نظيفة وحقا مشروعا ينمو في حضن القيم الإيمانية ، والمشكلة الاقتصادية مرجعها إلى سلوك البشر وبعدهم عن تنفيذ أوامر الله ، وتجنب ما نهى عنه. فالله تعالى الذي خلق الموارد لكفاية البشر هو سبحانه من طلب من البشر السعي في الأرض والاستخدام الأمثل لهذه الموارد وتهذيب حاجتهم بالقيم الإسلامية، ومن ثم ذوبان ما يسمى بالمشكلة الاقتصادية.
والمشكلة الاقتصادية في مصر فاقت كل تصور فهي مشكلة لا ترجع إلى ندرة الموارد وإنما ترجع في حقيقتها إلى نهب الموارد نتيجة لحاجات منحرفة لفئة ضئيلة محدودة أبت إلا الجشع والطمع والتعدى على المال العام والسرقة والنهب المنظم من خلال زواج الثروة بالسلطة ، وتكوين جبال من المال الحرام بلا قيود والغنى الفاحش والتبذير والترف والسفه بلا حدود، في الوقت نفسه الذي لا يجد نحو نصف الشعب المصري قوت يومه ويعيشون في بحر من الحرمان والفقر والقهر على أقل من دولارين يوميا.
وقد فاحت رائحة الفساد في مصر حتى زكمت منه الأنوف وراجت سيرة المفسدين وما اقترفوه من سرقات علنية وخفية ، وأصبح الفساد سياسة مهيمنة منظمة ممنهجة حتى تحولت مصر من فساد في الإدارة إلى إدارة الفساد وكان في مقدمة المفسدين رئيس مصر الطاغية المخلوع حسنى مبارك الذي قدرت ثروته وأسرته ما بين 40 إلى 70 مليار دولار فضلا عن فساد أعوانه ومنتفعيه، من عز (50 مليار جنيه) ، المغربى (10 مليار جنيه) ، جرانة ( 13 مليار جنيه) ، ورشيد (12 مليار جنيه) ، والعادلي (8 مليار جنيه) ، وغيرهم الكثير والكثير.
لقد عشش الفساد وفرخ مزيدا من الفساد بفعل المفسدين الذين لم يعرفوا للعفة سبيلا، وأصبح ما جنوه من فساد يصعب على العقل إدراكه رغم كونه واقع تؤكده المستندات والتحقيقات وكشفت عنه الأجهزة الرقابية في الدولة. فاستولوا على آلاف الأفدنة من الأراضي خلال قرارات تخصيص بأسعار لا تكاد تذكر عن السعر الأصلي وباعوها بأسعار خيالية ، وكذلك فعلوا في القصور والمنتجعات السياحية ، ولم يكتف أحدهم بمكان واحد بل تعدد أماكنه وتكاثرت مطامعه لتمتد من مصر شرقا وغربا ، شمالا وجنوبا ، يابسة بحرا ونهرا، حتى قدر حجم إهدار المال في مجال بيع أراضي الدولة فقط أكثر من تريليون جنيه، وعلى سبيل المثال عقد بيع أرض مدينتي ترتبت عليه خسارة تقدر بنحو 147 مليار جنيه، وقس على ذلك صفقات الخصخصة التي بيعت بأسعار زهيدة مقابل سمسرة وعمولات مجهولة ومعلومة حتى أن شركة عمر افندي التي كانت قيمتها السوقية 5 مليارات جنيه تم بيعها ب650 مليون جنيه أي أقل من 15% من ثمنها. وشركة أسمنت أسيوط بيعت لنجيب ساويرس بمبلغ 2.2 مليار جنيه ثم قام ببيعها إلى شركة لافارج الفرنسية بعد ستة أشهر بمبلغ 78 مليار جنيه، أي أنه ربح 76 مليار جنيه في ستة أشهر. وصفقة شركة إيديال التي بيعت ب325 مليون جنيه في حين كانت تبلغ قيمتها السوقية 5 مليارات جنيه، فضلا عن العديد من الصفقات على هذه الشاكلة مثل المراجل البخارية ، والحديد والصلب ، وصفقة بيع الغاز للكيان الصهيوني على يد حسين سالم (صديق الرئيس المخلوع) التي كبدت مصر خسائر سنوية تقدر بأكثر من 10 مليار دولار، وغيرها الكثير والكثير. وقد وصل عدد قضايا الفساد على صعيد الجهاز الإداري للدولة ( الذي يضم نحو 6.1 ملايين فرد) 70 ألف قضية سنويا، يحفظ منها 40 ألف قضية، ويُحكم في أقل من ألفين قضية. ووفق بيانات منظمة الشفافية الدولية فإنه على مدار الفترة ما بين عامي 2000 و2008 استطاع لوبي الفساد أن يهرب 57.2 مليار دولار من الأموال غير المشروعة خارج مصر من جراء الجريمة والفساد والتهرب الضريبي الذي حظى كبار اللصوص بالجزء الأكبر منه ، أي بنحو 6.4 سنويا.
وقد كان نتيجة طبيعية لهذا الفساد المنظم أن أصبحت التنمية الاقتصادية معضلة والتنمية الاجتماعية مفقودة وكادت الطبقة الوسطى أن تزول وإن شئت قلت أصبحت هناك طبقتين طبقة عائمة يمثلها في عمومها لصوص السياسة والمال وطبقة غارقة تعيش عيشة الكادحين .. تقضي يومها بما قسمه له ربها، وتطلب الستر من خالقها في يومها وغدها وتشتكى إلى الله من ظلم وطغيان وقهر وانحراف المفسدين لها، وفي مقدمتهم مبارك وجنده من حكومة رجال الأعمال الذين وضعوا مؤشرات للنمو خيالية ولا ترتبط بواقع ُيعاش إلا واقعهم الملوث، حتى كشف الله فضائحهم وتضخيم كروشهم بالحرام ، وسعيهم لتدمير اقتصاد مصر على أيديهم ، فقد بلغ عجز الموازنة العامة نحو 9% بقيمة 191 مليار جنيه، وتجاوز الدين العام المصري "الحدود الآمنة"، فقد بلغ 1.08 تريليون جنيه مصري في نهاية العام المالي الماضي المنتهي في 30 يونيو/ 2010 (بما يشكل 89.5% من الناتج المحلي الإجمالي). إضافة إلى أن الديون المحلية التي تبلغ 888 مليار جنيه (أي ما يعادل 73.6% من الناتج المحلي الإجمالي). ناهيك عما تتكبده الموازنة العامة للدولة من أقساط وفوائد تقدر نحو 173 مليار (بما يمثل نسبة 43.6% من الإنفاق العام). وهو مبلغ من الضخامة بمكان حيث يبلغ ما يقارب ضعف مخصصات الأجور التي تقترب من تسعين مليار جنيه. كما أن الميزان التجاري لمصر لم يعرف سوى العجز على مدار العقود الثلاثة الماضية، وعادة ما كانت الصادرات لا تشكل سوى 50% من الواردات. ففي العام 2009/2010 بلغت الصادرات 23.9 مليار دولار، بينما بلغت الواردات 49 مليار دولار. ولم يجد المواطن في النهاية سوى لباس الفقر والبطالة والغلاء والجوع والخوف حتى وصل معدل البطالة لنحو 15%، وارتفع معدل التضخم لنحو 18%.
وإزاء كل هذا الفساد ، وتردى الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية ، وقيام الثورة المباركة ، يتساءل المرء هل من مخرج من هذا الوضع الراهن خاصة بعد تكبد الاقتصاد خسائر إضافية تقدر بنحو مليار وسبعمائة مليون دولار من جراء الثورة؟ .. والواقع والمنطق يعكس أن هذا المبلغ المفقود لا يمثل سوى جزء ضئيل مما عانت منه مصر في المرحلة السابقة وتكاليف الثورات الاقتصادية لا تقاس أمام منافعها الحقيقية الآنية والمستقبلية فالتغيير الذي أحدثته ثورة 25 يناير سيعزز وضع الاقتصاد المصري على المدى الطويل لا محالة ، وإن كان هذا يتطلب وضع رؤية تنظيرية اقتصادية عملية إصلاحية تنظر للوضع الراهن بقدر نظرتها للمستقبل القريب والبعيد.
وُينظر للنظرية الاقتصادية في علم الاقتصاد على أنها ُتمثل الأداة أو الوسيلة التي يستعين بها المحلل الاقتصادي في إجراء تحليله للظواهر التي يدرسها وتفسيرها، ولها مفهومان : مفهوم واقعي من خلاله تمثل نظرية علمية يتحدد إطارها بملاحظة الواقع وتفسيره . والمفهوم الثاني هو المفهوم المثالي وهو مفهوم لا يعني انفصال النظرية الاقتصادية عن الواقع تماما. ولكن المقصود بالمفهوم المثالي : هو ارتباط النظرية ببعض الأهداف المرغوبة والتي يظن صاحب النظرية انه ينبغي تحقيقها في الواقع، وهذا المفهوم هو ما يتفق مع المنهج الاقتصادي الإسلامي بمثاليته القابلة للتطبيق من خلال الجمع بين فقه النص وواقع العصر ، لتحقيق العدل وحد الكفاية على الأقل (لا الكفاف) للمواطنين، وهو يملك من الوسائل المتعددة والمتكاملة ما يحقق هذا الهدف المنشود الذي قامت الثورة من أجله ، وقد كان رئيس الوزراء الدكتور عصام شرف محقا حينما قال إن سياسة حكومته الاقتصادية تقوم على السوق الحر والعدالة الاجتماعية ، وهذا ترجمة فعلية لنظام الاقتصادي الإسلامي الذي قوامه أسس ثلاث : الملكية المزدوجة (العامة والخاصة) ، والحرية الاقتصادية المنضبطة (دون غش أو تدليس أو احتكار أو غرر، أو ربا ، أو مقامرة، أو أكل المال بالباطل) ، والتكافل الاجتماعي.
وإذا كانت الثورة المصرية تهدف إلى تحقيق العدالة الاجتماعية والحياة الكريمة لأبناء مصر فهذا هدف مثالي إسلامي ، وهو ليس أمرا مستحدثا ولا صعب التحقق ، فقد تحقق بصورة واقعية في الماضي القريب والبعيد ، ففي الماضي البعيد تمكن الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز من تحقيق تلك العدالة من خلال محاربة الفساد وأهله ، فلا يمكن لأي اقتصاد أن يبنى والفساد يترعرع فيه ، فهما نقيضان لا يجتمعان ، فالفساد يمثل نزيفا للاقتصاد وأولى البديهيات أن نوقف النزيف كأول خطوة لمعالجة المريض ، وقد كان أول أولويات الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز حينما تولى الخلافة محاربة فساد بني أمية ورد المظالم إلى أهلها وبدأ بزوجته فاطمة بنت عبد الملك بن مروان التي تركت ما تملك لبيت مال المسلمين طاعة لربها وتقديرا لرسالة زوجها، وسار على هذا المنهج مع كل من استولى ولو على درهما واحدا من المال العام ، فخنق الفساد خنقا وأعاد لبيت المال الأموال المنهوبة ليضمها إلى موارد الدولة من الزكاة وغيرها من الموارد الأخرى فكان من نتيجة ذلك أن فاضت خزائنه وعدمت دولته أن تجد فيها فقيرا أو مسكينا ووصل به الحال أن زوج الشباب من بيت المال وأعتق العبيد والإماء ووفر لمن لا يجد مركبا ما يعينه على ذلك، حتى بات في عصره الذئب حارسا للغنم فلما سأل عن ذلك قال : أصلحت ما بيني وبين ربي فأصلح الله ما بين الذئب والغنم ، وهو بذلك ورث العفة من جده عمر بن الخطاب –رضى الله عنه- فحينما انتصر المسلمون وأتوا بتاج كسري‏ إلي عمر رضي الله عنه قال‏:‏ ان الذين أدوا هذا لأمناء‏. فقال له على –رضى الله عنه- قولته المشهورة : "إن القوم رأوك عففت فعفوا ولو رتعت لرتعوا".
وفي الماضي القريب تجربة حزب العدالة والتنمية (ذات المرجعية الإسلامية) الذي يتولى مقاليد الحكم في تركيا منذ العام 2002 ، فقد كشف رئيس الوزراء التركي رجب طيب أوردغان عن أسباب النهضة في تركيا المعاصرة في كفاحات ثلاث : كفاح الفساد، وكفاح المحرمات ، وكفاح الفقر، ففي كفاحه ضد الفساد حقق نجاحا منقطع النظير ضد مافيا الفساد وأرجع لميزانية الدولة عشرات المليارات ، وفي كفاحه ضد المحرمات وقف بشدة ضد تحريم الإيمان وتحريم المعتقدات وتحريم الحجاب الذي كان ضربا من الخيال في تركيا منذ عهد أتاتورك كما كافح الفوائد ولم يذعن لشروط صندوق النقد الدولي بذات الخصوص، وفي كفاحه ضد الفقر جعله عدوه اللدود حتى وصل به إلى درجات منخفضة ويسعي إلى المزيد من الانخفاض.
وكان من نتيجة هذا الكفاح المشرف أن انتقلت تركيا من دولة يموج بها الفساد من كل جانب ويلتهب شعبها بنار التضخم إلى دولة يتربع اقتصادها ليكون سادس أقوى اقتصاد في أوروبا والسابع عشر على مستوى العالم وتتجو من ويلات الأزمة المالية العالمية بسلام. ومن خلال إلقاء نظرة على بعض الأرقام الاقتصادية المقارنة بين العام 2002 ووقتنا الحالي نجد أن حجم التجارة في تركيا كان 250 مليارا دولار وقد وصل الآن إلى أكثر من 840 مليار ، كما كانت فوائد استدانة الدولة 64% أما الآن فقد بلغت أقل من 7% ، وكان التضخم 30% والآن أصبح 6,4%، وكان الدين الكلي 64% من الميزانية العامة أما الآن الدين الكلي للدخل القومي بلغ أقل من 30% ، كما زاد تمويل المزارعين والمهنيين بنسبة عشرة أضعاف وزاد المستفيدين منه. وانتقل الدخل القومي للفرد من 2300 دولار ليصل الآن إلى 11 ألف دولار متضاعفا أكثر من أربعة مرات، وفي الوقت نفسه يتوقع أن يصل الدخل القومي للفرد في العام 2023 إلى 25 ألف دولار ، وأن يصل حجم التجارة الخارجية إلى واحد تريليون دولار.
إن مصر في أشد الحاجة للاستفادة من التجربة التركية ، وإن كانت مصر تفوقها بمواردها المتنوعة التي حباها الله بها وقلما تجدها في بلد غيرها، وأصبحت الآن فرصتنا الحقيقية أكبر للخروج من عنق الزجاحة الذي طالما تغنى به الكثيرون من حكامنا من قبل وأوصلونا إلى درك الزجاجة ومستنقع من الفساد لانظير له، فقد بدأنا سعينا للنهضة قبل تركيا حينما بدأت اليابان تجربتها فتقدمت اليابان وتخلفنا ، ثم جاءت تجربة كوريا فتقدمت ونحن محلك سر ، ثم جاءت تجربة ماليزيا التي بدأت بعد أن تولى مبارك الحكم بنحو عام فتقدمت بمحاضير وجنوده المخلصين وتخلفنا نحن بفعل مبارك ولصوصه المعروفين.
إن منابع النمو والتقدم في مصر لا تخفي على كل لبيب فاهم ، ومن قبل نجح نبي الله يوسف عليه السلام في إخراج مصر من أزمتها بخطة امتدت لخمسة عشر عاما كان أساسها الإنسان وشملت الإنتاج والادخار والاستهلاك والتوزيع كما حكى ذلك القرآن الكريم، وهذا يعكس قيمة المورد البشري كأساس لتحقيق التنمية شريطة أن يتوافر فيه الإخلاص والأمانة والحفظ والفهم لطبيعة المهام الموكلة إليه ، مع أهمية ترسيخ الشفافية وسيادة القانون ، وهذا هو من أهم ما تتطلبه تلك المرحلة كأساس ُيبنى عليه الاقتصاد المصري.
إن مصر بحاجة على الفور إلى إجراءات إصلاحية يأتي في مقدمتها محاربة الفساد من خلال تكوين لجان قضائية للتحقيق تتناسب مع قضايا الفساد المتكاثرة بصورة لا تحتمل البطء في الإجراءات ، ومن ثم إتخاذ الإجراءات اللازمة قضائيا لمحاسبة المفسدين وإرجاع الأموال المنهوبة داخليا وخارجيا ، بما في ذلك الفساد الذي تم في عقود بيع شركات القطاع العام. مع توحيد الجهات الرقابية الحكومية في جهة واحدة تكون مسئولة مسئولية كاملة عن الكشف عن الفساد وما يستجد منه واتخاذ الإجراءات القضائية اللازمة بشأنه.
كما تبدو أهمية الرشادة في السياسة النقدية والمالية، بأن يكونا في خدمة الاقتصاد الحقيقي، فالسياسة النقدية ينبغي أن تخرج من عباءة ترسيخ المديونيات إلى رحاب خدمة الإنتاج والاستثمار، فالسياسة النقدية الحالية جعلت البنوك تتكالب لإقراض البنك المركزي تجنبا لمخاطر توظيف الأموال لدى الأفراد أو المؤسسات ، وهو ما يؤدي في نهاية المطاف إلى التآكل الرأسمالي في المجتمع، فقد كان من نتيجة هذه السياسة الخاطئة أن تراكمت الأموال في البنوك حتى عجز الجهاز المصرفي المصري عن توظيف ما يقرب من نصف ودائعه التي بلغت أكثر من تسعمائة مليار جنيه. كما ينبغي التخطيط لإحلال آلية معدل الربح بديلا عن سعر الفائدة ، واستخدام آليات أكثر جدوى في تشجيع الإدخار والتحكم في عرض النقود ومعالجة التضخم يأتي في مقدمتها استخدام الصكوك الإسلامية بصورة تدعم الاقتصاد الحقيقي، إضافة إلى مراعاة التوازن في سعر الصرف وتخفيف الضغوط عليه من خلال قيام البنك المركزي في الظروف الراهنة بدور صانع السوق في سوق النقد مع إمكانية وضع قيود مؤقتة على التحويلات للخارج واتخاذ الرقابة اللازمة لذلك.
كما أن السياسة المالية ينبغي أن تقوم على ترشيد الإنفاق الحكومي مع الإصلاح الضريبي ، من خلال الوقوف بحزم ضد السفه الإنفاقي الحكومي الذي بلغ حدا لا يطاق في عهد المفسدين سواء من مرتبات خيالية لمستشارين في غالبيتهم وجودهم مثل عدمهم ، وتفاوت في الأجور غير معقول ولا مقبول، أو صناديق مالية محلية ينفق منها بلا رقيب، أو نفقات صحية وترفيهية وديكورية على المحاسيب ، أو أتاوات لمسئولين ، أو نفقات للرئاسة دون رقيب وغير ذلك. مع الخروج من النفق المظلم للاقتراض الذي يأكل إيرادات الدولة أكلا ، وعدم إيلاء أهمية للمعونات الخارجية التي في حقيقتها تمثل عبئا بشروطها المجحفة. وكذلك ترشيد الدعم بإيصاله إلى مستحقيه الحقيقيين ، وربط الدعم المقدم للقطاعات الاقتصادية بتوفير فرص العمل وحماية حقوق العمال، وتحقيق أولويات خطة التنمية فقد بلغ دعم الصادرات 4 مليار جنيه سنويًا، وبلغ دعم الطاقة الذي يصب في مصلحة الأغنياء نسبة كبيرة تقدر بنحو 67 مليار جنيه وهو أمر مثير للدهشة.
وكذلك إنهاء مرحلة الجباية وسرقة أموال الضعفاء لصالح الأغنياء التي رسخها يوسف بطرس غالي والاعتماد على الضرائب التصاعدية ذات الشرائح العادلة المعتدلة التي لها القدرة على توسيع الحصيلة ، وإلغاء ما سمى الضريبة العقارية فمن أولى حقوق المواطن توفير مسكن له لا فرض ضرائب عليه، مع تطبيق شرائح ضريبية على التعامل في بورصة الأوراق المالية تبدأ من الإعفاء وتتصاعد تدريجيا كلما انخفضت مدة الاحتفاظ بالأوراق المالية المشتراة بما يقيد عملية المضاربات والأموال الأجنبية الساخنة التي تضر ولا تنفع، مع إعطاء الأهمية للسوق الأولي، بإنشاء شركات جديدة أو زيادة رأس مال شركات قائمة وإقامة صناديق استثمار مباشر تتجه بأموالها نحو الاستثمار الحقيقي لا المالي حيث لا يترتب على الاستثمار المالي أي قيمة مضافة ، ومنع الشراء بالهامش والبعد كل البعد عن البيع على المكشوف والمشتقات المالية التي تمثل أدوات دمار شامل للأسواق المالية، وكذلك العمل على سن تشريع ينظم تحصيل الزكاة وإنفاقها من خلال هيئة مستقلة عن الحكومة تنظيميا وإداريا.
إن الناظر إلى السياسة الضريبية المصرية يجد تشوها واضحا في تلك السياسة يعكس غياب العدالة حتى أن الإيرادات الضريبية يسهم فيها القطاع الخاص بنسبة محدودة ، فعائدات الضرائب تشكل نحو 60% من إجمالي الإيرادات الحكومية ، يدفع منها الموظفون نحو 9.5 مليارات دولار، والنشاط التجاري والصناعي قرابة 4.5 مليارات. وفيما يتعلق بضرائب شركات الأموال التي تقدر ب62 مليار دولار، فإن هيئتي قناة السويس والبترول تدفعان نحو 39.9 مليارا منها، والباقي وهو 22 مليارا موزع بين شركات الأموال للقطاعين العام والخاص، أما الضرائب غير المباشرة، التي من أبرز صورها الضريبة العامة على المبيعات فقد بلغت نحو 28.7 مليار جنيه، بعد أن كانت في منتصف التسعينات نحو أربعة مليارات جنيه فقط لاغير.
كما تبدو أهمية وضع خطة ولتكن سباعية من خلالها يتم الإهتمام بتوجيه جزء أكبر من الموازنة العامة للدولة نحو الاستثمار في التعليم والبحث العلمي والصحة بما يخدم التنمية الاقتصادية والاجتماعية، مع إعادة النظر في المخصصات التي كانت تنفق على الأمن بغرض تأمين النظام الفاسد، وأن تقتصر على تحقيق الأمن النفسي والمادي للمواطنين، وفتح المجال للقطاع الخاص وفقا لتوجيهات الدولة ورقابتها لاتخاذ دوره الأساسي في تحقيق تغير هيكلي في النشاط الاقتصادي يؤدي إلى زيادة نمو الناتج القومي الحقيقي وتنويعه وفقا لأولويات المجتمع من ضروريات فحاجيات فكماليات ، مع أهمية استخدام أسلوب الدولة للحافز القومي والإسلامي لتوجيه رجال الأعمال بإنتاج تلك الأولويات بما يجمع بين ربحي الدنيا والآخرة.
إن التغيير الهيكلي للنشاط الاقتصادي هو أمر متاح وميسر خاصة في ظل ما قدمه الدكتور فاروق الباز من مشروع ممر التنمية الذي قد يكون خطوة طيبة نحو الخروج من معرة الدول المتخلفة ، فهيكل النشاط الاقتصادي المصري يعاني من تشوه واضح يعكسه توزيع النشاط الاقتصادي بين القطاعات الرئيسة ، الصناعة والزراعة والخدمات. فقطاع الخدمات هو صاحب النصيب الأكبر من حيث مساهمته في الناتج المحلي لاستحواذه على ما يزيد عن 50%، وهو ما همش من مساهمة قطاعي الصناعة والزراعة وهما القطاعان اللذان يتيحان فرص عمل حقيقية ودائمة ويشكلان قدرا مهما من القيمة المضافة. وميزان المدفوعات لا يجبره إلا الإيرادات الريعية المتمثلة في البترول، الذي يمثل 50% من الصادرات المصرية، ويحقق نحو عشرة مليارات دولار سنويا، والسياحة التي تحقق نحو ثمانية مليارات دولار، وعوائد العاملين بالخارج التي تقدر بنحو 6.3 مليارات دولار، وقناة السويس التي تقترب إيراداتها من 4.8 مليارات دولار. وقد كان ذلك نتيجة طبيعية لسلوك رجال الأعمال المنتفعين الذين حصلوا على كافة المزايا من ضرائب وجمارك وأسعار شديدة الانخفاض لأراضي ومرافق الدولة، واتجهوا لقطاع الخدمات وأهملوا قطاعى الصناعة والزراعة.
ومن هنا تبدو أهمية الاستفادة مما حباه الله بمصر من موارد وحسن استخدامها باعتبارها أمانة يجب أن ترعى ونعمة يجب أن تشكر، مع النظر للقوة السكانية في مصر باعتبارها مصدر قوة لا كعبء كما كان ينظر النظام المخلوع ، والخروج من الاقتصاد الريعي إلى الاقتصاد الحقيقي بالتركيز على قطاع الصناعة وتحقيق التوازن بينه وبين القطاعات الأخرى وفي مقدمتها قطاع الزراعة مع التركيز على الزراعات الاستراتيجية وفي مقدمتها القمح ، وإيلاء أهمية لتوجيه الشباب نحو الاستصلاح الزراعي من خلال إعادة الأرض المنهوبة بعد اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة وتوزيعها عليهم فضلا عن توزيع أراضي جديدة عليهم.
كما يمكن الاستفادة من العمالة المدربة وتأهيل العمالة غير المدربة وتيسير سبل العمل لهم من خلال إقامة شبكة معلومات عن الاحتياجات العمالية بالتنسيق بين الحكومة والقطاع الخاص والقطاع الثالث الأهلى التطوعي، ويمكن في هذا الإطار تفعيل دور مؤسسة الوقف ومؤسسة الزكاة (بعد إنشاء قانون لكل منهما ينظم عملهما) فضلا عن المؤسسات المالية لتمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة بوسائل التمويل الإسلامية المتعددة والمتنوعة مع المتابعة اللازمة لذلك وهو ما يسهم في علاج مشكلة البطالة ويدفع بعجلة الإنتاج، خاصة وأن صانع السياسة الاقتصادية مطالب بما بين سبعمائة ألف و750 ألف وظيفة سنويا.
كما يمكن تيسير سبل الاستثمار الأجنبي المباشر (الذي بلغت فيمته حاليا نحو 6.7 مليارات دولار) وفق شروط وطنية لا تفرط في مواردنا أو سيادتنا حسب احتياجات التنمية، وأن ُتعطى من المزايا بقدر مساهمتها في جلب التكنولوجيا والصادرات وإتاحة فرص العمل، وعدم مزاحمة الصناعة الوطنية بدلا من تركيز الاستثمار الأجنبي المباشرعلى قطاع البترول والاستحواذ على الشركات الوطنية، والنشاط العقاري والسياحي، مع إيلاء أهمية للاستثمار المباشر العربي والإسلامي.
إن الاقتصاد المصري قادر في المرحلة القادمة –بإذن الله تعالى- على النمو الحقيقي بإرادة وإيمان أبنائه وروح ثورة 25 يناير بما ينهي المطالب الفئوية ويحقق الحياة الطيبة الكريمة التي لا تقبل سوى بحد أدنى هو الكفاية سبيلا .. حياة تسمو بالروح والجسد، ويسودها روح الإخاء والتكافل والمودة والرحمة، وترفرف عليها مظلة الأمن والعدل، وتخلو من شبح الجوع والخوف والكراهية والبغضاء والأثرة، وُتراعي العدالة الاجتماعية في توزيع الدخول والثروة حتى لا يكون المال دولة بين الأغنياء وحدهم .. حياة تخرج المصريين من نفق التبعية لغيرهم، وتحقق الاستقلال الاقتصادي لهم وتمهد الطريق لإقامة وحدة اقتصادية عربية وإسلامية شاملة.
www.drdawaba.com


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.