في مصر لم ينج من الاستقطاب إلا من رحم الله، وقليل ما هم، ومن نجا منه أكتوى بناره. وإذا كان هذا هو حال المجتمعات والدولة المنقسمة اثينيا أو عرقيا أو لغويا فما بالنا نحن في مصر، الشعب الموحد منذ آلاف السنين: لا أعراق ولا لغات أو لهجات إلا ما ندر. أسفرت حالة الحرية التي وصلت إلى حد الفوضى في بعض مراحلها -ولا زالت- إلى حالة من حالات الانفتاح أو الحق في التعبير بما جعل الجميع يكشف عن اتجاهاته وأفكاره وتياره السياسي. وأسفرت حالة الانتخابات الحرة النزيهة عن قيام كل واحد بالدعوة إلى فكره وما يعتقد وانكشف بشرا كثيرين كانوا متخفين تحت ستار حالة الخوف من التوغل الأمني، انكشف بشر كثيرين كانوا متسترين تحت ظلال الصمت والكلام الذي لا يفهم منه شيئا والكلام حمال الأوجه وكل واحد يفهمه كما يشاء ويفسر كما يشتهي. أسفرت حالة الحرية عن كسر حاجزي الصمت والخوف وفجأة أصبح الشعب المصري كله ما بين ناشط سياسي أو ناشط اجتماعي أو إعلاميين أو أصحاب فكر ورؤية. فجأة أصبح الشعب المصري كله محللين سياسيين، ومعبرين عن أحزاب ومتحدثين رسميين باسم أي شيء. فجأة وبدون سابق انذار أصبح الشعب المصري كله موزع على تيارات سياسية وأحزاب وجمعيات أهلية. وفي ظل حالة وقف الحال التي عليها البلد أصبح الكلام في الشأن العام مهنة من لا مهنة له، وكأن هناك علاقة طردية بين الانشغال في أعمال حقيقية تدر دخل محترم، وبين شيوع مهنة الشخص بتاع كله. أصبحت ناشط سياسي سبوبة ومصدر دخل لأناس كثيرين ما كانوا يتخيلوا أن مثل هذا الكلام الكبير الذي كان يدفع صاحبه ثمنه -إلا قلة قليلة ممن عرفوا طريق التمويل الأجنبي- أيام مبارك. وفجأ عرف الجميع إلا من رحم ربي سكة التمويل الأجنبي وأصبح للمؤسسات الدولية وكلاء محليين، يتقاسم بعضهم السبوبة مع من يعتمده ويشهد له. وما العيب في ذلك، إذا كانت الدولة ذاتها تتلقى تمويلا أجبيا بشكل من الأشكال. وكما قال أحد قراصنة السفن عندما قبضوا عليه للإمبراطور: أنا أسرق سفينة فأسمى قرصانا، أما أنت فتسرق البحر كله والأرض كلها فيسمونك إمبراطورًا. وفي بلادنا لا يُمسك إلا الحرامي الصغير أو الغبي، أما الحرامي الكبير أو من يعرف كيف يحتاط لنفسه، فكل منهما له سككه: الحرامي الكبير يفصل القوانين على مقاسه، والذكي يعرف كيف يستغل ثغراتها ومخارجها. أما الحرامي الأكبر فهو يفصل البلد كلها على مقاسه، لذلك يسمونه إمبراطورا متوجًا ولو من غير انتخابات، حتى لو تمت فقد هُندِسَت سلفا، ولن يشارك فيها إلا نوعية معينة من القضاة عشنا في ظلهم إشرافهم القضائي ستة عقود، فكانت النزاهة استثناء، وما مذابح القضاة عنا ببعيدة، في كل العصور وفي كل النظم. قسمت حالة الخلاف السياسية الأسرة الواحدة، وليس المجتمع الواحد حتى على مستوى الأطفال والأصدقاء. كان الظن أن مرور الوقت سيهدئ من حدة الخلاف أو تعالج الأمور بنوع من الحكمة والعقلانية، ويكتشف كل فريق أن موقفه لم يكن صوابا على طول الخط، وأنه يتحمل جزءًا من المسؤولية فيما آلت إليه الأمور، على الأقل عن أخطائه المباشرة التي لا يكابر فيها أحد. باختصار: مرور الوقت يجعل كل شخص يفكر ويصل إلى أنه على طول فترة الصراع لم يكن هو وحزبه ملائكة أطهار، ولم يكن الأخرين شياطين أشرار. أو أن ما حدث كله كان نوعا من الاجتهاد السياسي قد يكون طرف فيه أخطأ أو تجاوز إنما لم يكفر ولم يخرج من الملة الدينية أو الملة الوطنية. وأن ما جرى جولة من جولات الصراع السياسي المعقد والملتبس في البلد، من الممكن أن يطوى مرحلته، حتى يحافظ الجميع على استمرار الحراك المجتمعي والسياسي، ومن الممكن أن تطرح رؤية جديدة لمرحلة جديدة حتى بأفراد أخرين. كان الظن أن التفكير بهذا الشكل يصل بالجميع إلى أنصاف الحلول في تخلٍ واضح عن المعادلات الصفرية. فإذا مرور الوقت يجذر الخلاف السياسي، ويجعل من حالة الصراع المتداخل الأبعاد والاعتبارات صراعا وجوديا وتستحكم حالة الخلاف، ويتم التصنيف: على مستوى الأسرة الواحدة، وعلى مستوى جماعة الأصدقاء الواحدة. أنت مع من؟ وظلت حالة التكفير الديني في مواجهة حالة التخوين السياسي. وما بين عبيد المرشد، وعبيد السيسي يا قلبي لا تحزن. وما بين عبيد التنظيم وعبيد البيادة لا فرق كبير. وما بين الاتهام بالعمالة لقطر أو بالعمالة للإمارات لا فرق يذكر. وتجذرت واستحكمت حالة الخلاف. نفس العقلية العقيمة التي أوصلتنا للطريق المسدود، وجعلت سفينة الوطن تصطدم بالجدار الصلب. صحيح أن الثورات تستدعي حالة من حالات الحرية والحراك والتطور إنما هذا في البلاد والمجتمعات المستقرة فيها قواعد اللعبة السياسية والتي تفهم أصول الخلاف وحدوده ودوائر التداخل بين الخاص والعام. إنما يكون الأمر على خلاف ذلك في المجتمعات التي لا زالت المفاهيم السياسية فيها غامضة أو ملتبسة. في المجتمعات غير المكتفية ذاتيا يلعب في البلد كل من يدفع ويمول. وليس هناك فيما نعلم من واقع المجتمعات الحديثة تمويلا لوجه الله. إنما الدول فيما نعلم ونرى وندرس كيانات مصلحية حتى النخاع. ومن يشتريك اليوم لمصالحه. غدًا، إذا تغيرت بوصلة مصالحه، باعك.